عزت القمحاوي يرى"ما رآه سامي يعقوب"

في رواية الأديب المصري عزت القمحاوي يتوازى الحب والثورة، فكلاهما تعرَّضَا للإجهاض والتشوية.
الأحد 2019/04/14
عزت القمحاوي.. رواية عن الحروب من الحب بسبب الاستبداد

كنت أترقب بشغف ماذا سيكتب عزت القمحاوي عن الثورة المهدورة، لم يخب ظني وإن كان طال بعض الشيء. فقط كان يحتاج إلى بعض التريث قليلاً حتى تتضح الرؤية، وها هو يقدِّمُ لنا رؤيته عمّا حدث في “ما رآه سامي يعقوب“. حاول  القمحاوي أن يهرب من الثورة بالحب، لكنه وضعنا في مأزق آخر عن الثورة والاستبداد، فلا حب في زمن الاستبداد، فسطوة الاستبداد أو القمع تقتل الأحبة، وتدفع إلى الهرب من الحب. الجميل أن عزت القمحاوي صاحب “بيت الديب” الحكّاء الماهر، لا يقف عند حدث يناير، وإنما يرجع للخلف إلى ثورة الضباط في 1952، ليقدِّم لنا، وقائع ما جرى، ولماذا انتهينا إلى هذه النهاية المأساوية.

في رواية “ما رآه سامي يعقوب” الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية، كل شيء حاضر في الرواية القصيرة التي هي أقرب إلى النوفيلا؛ الحبّ والثورة والخيانة والغدر والخوف والموت أيضًا. فعبر شخصية سامي يعقوب، الطفل الذي كان يراقب النمل على جدران العمارات المواجهة، ويتسلّى باللعب مع الحيوانات والحشرات والطيور، يكشف لنا القمحاوي عن إكسير الحب وتأثيره على سامي الذي قضى سبع سنوات كئيبة، لم يزحزحه من مكانه إلا فريدة، التي أعادته طفلاً. فالحب جعل سامي وهو يرنو إلى منزل حبيبته “يتبسم وتتوسع ابتسامته بين خطوة وأخرى”، والحب نفسه جعله يتابع قِطّيْن في حالة شبق وهو “لا يحبُّ القطط من قبل”، لكن من أجل فريدة فعل، حتى أنه يتخيّل أن حبّها “باعد بينه وبين روح الموت”. فعندما وقعت عيناه في عينيها أوّل مرّة “أحسّ أن الحياة عادت عرضًا لطيفًا، وأنه لم يفقد ملكة رؤية الأشياء قبل وقوعها”. كان سرّه الأزلي أنه يرى الحوادث قبل أن تقع، وهذا السّر جعله يرى الحياة عرضًا قابلاً للتكرار. فرأى وفاة أمه، وبالمثل وفاة أخيه يوسف.

ليس حب سامي لفريدة هو الصورة الوحيدة للحب في الرواية، فهناك حب المهندس صبري لأبيه، الذي جعله يدافع عن حق أبيه، وهو يعلم ما حَاق بجده من قبل، بل في سبيل هذا الحلم ينتهي به الحال إلى جثة في ثلاجة معتمة. أيضًا هناك حب سامي لأخيه يوسف، والعكس حتى أن الأخير جاء من ألمانيا لزيارته لمجرد إحساسه بتعبه.

التيمة الثانية التي تسري في الرواية دون خطابية أو زعيق هي الثورة التي أحبطت سامي نفسه وقتلت أخاه يوسف، ولوثت تاريخهم في موقعة الجمل 2011. وإن كان الراوي يذهب أبعد ويرى أن العائلة ضحايا الثورات فالجد كان أحد ضحايا الثورة من قبل، فاتّهم بالفساد ولوّث تاريخه، وكان حبّ سامي أيضًا ضحية للثورة ورجالها الأشداء، بعدما اقتيد لإحدى الجهات نظرًا لشغفه بالتصوير، فيسقط في حبائل السين والجيم، ويخرج من عندهم متهمًا تطارده قضية تبديد لم يعد يتذكرها، وخوفًا يصل به إلى عدم الرد على اتصال فريدة.

مَن سامي يعقوب، الذي جعله عزت القمحاوي شاهدًا على مآسي والده الذي راح يطالب بحق أبيه الذي دهسته الثورة، فرآه في المشرحة جثة بعدما فعلت يد السلطة ما فعلته به فأردته قتيلاً دون أن تعترف أو يعرف من قتل أباه! ثم جاء الدور على أخيه يوسف، الذي هجر مصر وسافر مع أمه إلى ألمانيا، وجاء بعد اشتياقه لأخيه، فقُتل غدرًا في أحداث الثورة.

يخبرنا الراوي الغائب بأن سامي هو ابن المهندس صبري يعقوب، حفيد سالم يعقوب الذي كان خطيبًا، وكاتبًا جريئًا ووزيرًا ناجحًا لعدة دورات لكنه تعرّض للإهانة في آخر أيامه، وألصقت به تهم بالفساد. ومن قبل استقال من الوزارة احتجاجًا على محاصرة دبابات الإنكليز للملك ذاته في قصر عابدين، بعدما كتب مقالاً هاجم فيه الملك، وكان سببًا في سجنه.

أما أبوه فهو صبري سالم يعقوب مهندس معماري، ورث عنه الإرادة والتصميم وقوة الذاكرة والدقة في الحساب. نذر حياته دفاعًا عن قضية أبيه، اعتبره الكثيرون مجنونًا. كان وفيًّا لأبيه فيحرص دومًا على استقبال أصدقاء أبيه من الباشوات في المناسبات ومنها أعياد ميلاد الولدين “فكان البيت يمتلئ بالرِّجال المسنين الذين تتصاعد رائحة العتة من ملابسهم”، إلا أن الطبيبة الألمانية “أليس شتاينمير” التي جاءت إلى مصر في برنامج المعونة الطبية من الحكومة الألمانية لمستشفى القصر العينى عام 1980 انبهرت بشخصية المهندس صبرى، بعدما سمعت عنه من إحدى زميلاتها (هدى) من الطبيبات المصريات، تمتّ له بصلة قرابة، لكن مع الأسف كانت تسخر منه، بينما رأت أليس فيه رجلاً صلبًا وسيمًا ووفيًّا ومؤمنًا بقضية أبيه ومكافحًا في الدفاع عنها والمثابرة فيها. وهو ما تحقّق له بعد ثلاثة وثلاثين عامًا فقد حكمت المحكمة بتاريخ 9 مايو 2008، بردّ شرف سالم يعقوب، وإلزام الداخلية بالموافقة على إقامة الاحتفال بذكراه.

العالم النقيض

تزوجت به أليس وأقنعت نفسها بأن “رجلاً كهذا سيكون شريكًا مناسبًا”، ولكن الحياة بينهما لم تكن كما خططت، على نحو ما سعت في الشقة التي “تمكّنت عبر زحف هادئ ودؤوب من تقليص حصة أبيه في الشقة إلى النصف”، فما أن أنجبت الابن الأول يوسف، حتى دبَّ الخلاف بينهما حول تسميته، وحدث نفس الشيء عند مولد سامي، ثمّ كان التذمر من تشبثه بقضيته، وإن كان هذا التذمر لم يثنه عن حلمه بأن ينتصر لأبيه، ويتمكّن من إثبات براءته، وينتزع الحق في الاحتفال بعيد ميلاده في ميدان التحرير. لكن صبرها نفد من كثرة التعقب والاعتقال، ومن حياتها غير المستقرة، فطلبت الرحيل، فأخذت يوسف وبقي سامي مع أبيه.

رواية الحب والاستبداد والثورة في نوفيلا مصرية بارعة
رواية الحب والاستبداد والثورة في نوفيلا مصرية بارعة

تكشف علاقة أليس بصبري عن ثنائية العلاقة بين الشرق والغرب، ولكن ليس في صورة صراعية، وإنما في صورة نقيضة لعالمين مختلفيْن في الأولويات. فأليس الألمانية تبغي حياة مستقرة، في حين حياة صبري متوترة ومرتبكة. بالمثل في علاقتها مع أولادها، فهي نموذج للدقة والنظام حيث تستيقظ صباحًا تأخذ الأطفال إلى درس السّباحة ثم تعود بهما إلى البيت لارتداء ملابس المدرسة، وبعد الغداء هناك دروس الموسيقى ثلاثة أيام في الأسبوع، ثم قليل من الراحة، فمراجعة دروس اليوم. وكأن القمحاوي يتطرق لمشاكل الزواج من الأجنبيات وأسباب التوتر في العلاقة بين الطرفين، فيتساءل في ضوء هذه العلاقة: هل تستقيم حياة بين نقيضين؛ أمّ منظمة جدًّا، وأب فوضوي أهمل مكتبه وعهد به لتلاميذه، لا يدخله إلا عدة أيام، للمراجعة والإرشاد. حياته منقسمة بين تتبع القضية والاعتقال.

في مقابل صورة التخلّي أو الأنانية التي ظهرت بها الشخصية الأجنبية في صورة الزوجة أليس، ظهر العكس في صورة صبري، الذي مَن فرط إيمانه بقضية أبيه يحتفظ “بالقلم الذي كان سببا في سجنه (أبيه)، والبيجاما التي كان يرتديها عندما مات، وثلاثة جلاليب، وخمسة أزواج أحذية، ودبابيس تحمل اسم الحزب الذي كان ينتمي إليه”. كما أنه تعرض لزيارات ليلية من رجال أشداء، كان يغيب بعدها لمدة أسابيع ثم يعود، تحيّروا في تصنيفه فوضعوه على كل  قوائم الاعتقال وفي واحدة من هذه الزيارة ذهب، لكن لم يعد إلا جثة.

يتعامل الراوي الغائب مع الزمن بحرفية عالية، فالرواية التي تحكي وقائع امتدت زمنيًّا إلى ما قبل ثورة 1952 عبر شخصية الجد يعقوب باشا، الذي سُجِن أيام الملك، وكان أحد ضحايا الثورة وصولاً إلى أحداث 25 يناير 2011، إلا أن ثمة زمنًا ثابتًا يتحرك في اتجاهين الأول صوب موعد فريدة في بيتها في إمبابة حيث الاحتفال بعيد ميلاده عندها. والثاني إلى الخلف حيث طفولة سامي ويوسف، والجد والأب وهروب الأم، ثم موت الأب، وصولاً إلى لقائه بفريدة الذي حدث بعد موت يوسف بثلاث سنوات وخمسة أشهر.

الزمن الذي يحدث الارتباك في حياة سامي هو زمن الاستعداد للاحتفال بعيد ميلاده في شقة فريدة، والانتظار الذي يستغله في متابعة غراميات القطّيْن، وهذا الشغف بمتابعة القطّين قاده إلى الإيقاف والتحقيق، ليذوق من الكأس التي اغترف منها أبوه -من قبل- وأَودت بحياته، لكنه يطلق سراحه، وإن كان أثر هذا اللقاء لم يفارقه. منذ بداية لحظة الاستعداد للقاء في بداية النص، يأخذنا الراوي الغائب في مسار هذه العلاقة بين الحبيبين، مسترجعًا الكثير من التفاصيل التي لا تتوازى مع زمن هذا اليوم، منذ أول إحساس عندما رآها في جنازة المرحوم، وإحساسه بحضنها، إلى تطور العلاقة بينهما بعد مساعدتها في الحصول على معاش زوجها، وتكرار السؤال عنها، والأهم أن السّرد يتماوج في حركات تتقاطع بين الماضي القريب، والحاضر، لتربط بين عناصر الحكاية، وكاشفًا عن وهج اللقاء، والاستعداد له. ولقاءاتهما في شقته، وجولاتهما معًا.

عبر إشارات دالة يقف الراوي الغائب الذي يتوازى مع المؤلف الضمني عند تناقضات المجتمع، فحسن البواب يتدثر تحت اسم الحاج أبو شفيع، دون أن يكون ذهب إلى الحجّ، لكن يحصل على هذا اللقب بحكم “المكانة التي يحصل عليها المعمرون”. وفي حديثه عن ملابس فريدة وتساؤلات البطل عن لماذا ترتدي هذه الملابس التي تخفي الجسد المنحوت برهافة “هل تفعل ذلك من باب التناغم مع بيئة محافظة وجدت نفسها مجبرة على العيش فيها؟ ومن ثم هل تتعمد الإساءة لجمالها؟ وكذلك يضعنا في مفارقة بين الزوجة المصرية في صورة فريدة والألمانية أليس، ففريدة فشلت في ترويض زوجها، بل “هو الذي فرض عليها ما يسمّيها عاداته وتقاليده، لم تنسجم معه، ولم تشأ أن تفشل معه” في حين أليس عندما فشلت هربت إلى بلدها. وأيضًا عن الخناق الذي يفرض على الأرملة فتدخل تحت تدخلات عائلية بعد موت الزوج كما في صورة فريدة.

في الرواية يتوازى الحب والثورة، فكلاهما تعرَّضَا للإجهاض والتشوية. ولم يبقَ منهما إلا الذكرى والألم عند التذكّر! فهل صارتْ كل لحظات ابتهاجنا مجرد طيف ذكرى، مُغَلَّفة بذكريات الألم والخوف والتوجع؟ ولمَ لا، ما دام الفرد مُحاصرًا في كل تصرفاته، وهناك مَن يضغط عليه، على اختلاف هذه الإكراهات؛ أنساق ثقافية مهيمنة كما في حالة فريدة، أو إكراهات السلطة ذاتها كما حدث مع سامي، ومن قبل أبيه صبري؟

13