عزلة إسرائيل الدولية وأزمة القيادة الفلسطينية

نضال الشعب الفلسطيني الحافل لا يزال يفتقد لقيادة سياسية تكون على قدر تلك التضحيات وعلى مستوى المواجهة مع دولة احتلال استثنائية في طبيعتها ولا تزال تحظى بدعم أقوى دولة في العالم.
الاثنين 2018/06/18
رغبة دولية واسعة في التركيز على المشكلة الرئيسية وهي الاحتلال الإسرائيلي

يعكس تنديد الجمعية العامة للأمم المتحدة باستخدام إسرائيل “القوة المفرطة” ضد المدنيين الفلسطينيين التي تظاهروا على حدود قطاع غزة طيلة الأسابيع الماضية زيادة العزلة الدولية التي تواجه إسرائيل. عزلة يمكن العمل على حصد ثمارها في حال أمكن إحداث تغيرات جوهرية في طبيعة قيادة العمل الوطني الفلسطيني.

تجاوز التصويت في الجمعية العامة العقبة الكأداء التقليدية التي تواجه أي قرارات دولية تتعلق بدعم نضال الفلسطينيين ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي وهي الفيتو الأميركي. إذ كانت الولايات المتحدة قد استخدمت حق النقض (الفيتو) بداية هذا الشهر في مجلس الأمن ضد مشروع قرار مماثل لذلك الذي مر في الجمعية العامة قبل أيام.

لا يحمل القرار الأخير أي آلية تنفيذية أو وزنا قانونيا كما هو الحال فيما لو صدر عن مجلس الأمن، ولكنه مع ذلك مفيد في تكريسه عزل إسرائيل، وإبراز استثنائية نظام الاحتلال والاضطهاد الذي تديره سواء في الضفة الغربية وغزة، أو في أراضي فلسطين 1948.

انعكست العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل بوضوح في تصريحات السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، داني دانون، والذي اعتبر أن هنالك تيارا متجذرا وعميقا على الساحة الدولية مناهضا لإسرائيل كما قال، واختصر المسألة، كما هي عادة المتحدثين باسم دولة الاحتلال الإسرائيلي، بأنها معاداة للسامية.

في كلام السفير بعض الحقيقة. هنالك تيار عميق ومتنام على الساحة الدولية يجد نفسه على تناقض صارخ مع نظام الأبارتهايد الإسرائيلي ومع سياسات الإرهاب التي تستخدمها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين. خلال العقود الماضية كان ذلك مقتصرا على حركات التضامن الشعبية مع القضية الفلسطينية. أما اليوم، فقد اتسع التيار المتضامن مع الفلسطينيين والتيار الناقد لإسرائيل، وأصبح يشمل أروقة السياسية الرسمية ودولا عرفت دوما بمواقفها المهادنة لإسرائيل. وتقدم الأحداث الأخيرة والتصويت في الجمعية العامة بعض المؤشرات على ذلك.

أولا، اقتصرت قائمة المصوتين ضد القرار المدين لعنف دولة الاحتلال الإسرائيلي على الولايات المتحدة وأستراليا كدولتين يحظيان بوزن مؤثر على الساحة الدولية. تعتبر واشنطن الراعي الرسمي للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي كجزء من مشروعها الامبريالي في الشرق الأوسط. أما استراليا فقد قامت، مثل إسرائيل، على دمار السكان الأصليين الذين يعيش من تبقى منهم، كما هو حال الفلسطينيين داخل إسرائيل، كمواطنين درجة ثانية في أستراليا حيث يفتقدون للخدمات الصحية والتعليمية المناسبة وترتفع معدلات الجريمة والفقر بينهم.

وإلى جانب أميركا وأستراليا صوتت ثلاث دول ضد القرار ودعما لإسرائيل، وهي جزر مارشال، ميكرونيزيا وناورو، وجزر سولومون. بالطبع، من النادر أن تجد أحدا قد سمع بهذه الدول الثلاث، فضلا عن معرفة موقعها الجغرافي على الخارطة. بكلمات أخرى، يعكس التصويت حجم اتساع التأييد الدولي للفلسطينيين وتشديد العزلة بصورة غير مسبوقة على الكيان الإسرائيلي.

المؤشر الآخر هو طلب سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى منظمة الأمم المتحدة، نيكي هايلي، تعديل القرار المطروح للتصويت ليشمل إدانة حركة حماس، وخصوصا بذريعة إطلاقها للصواريخ من داخل قطاع غزة على دولة إسرائيل. في الماضي، كان هذا الطلب يقابل باستجابة فورية حيث لا تحظى حركة حماس بالكثير من الأصدقاء على الساحة الدولية. لكن طلب السفيرة الأميركية فشل في الحصول على ثلثي الأصوات ولم يجر تمريره، وهو ما جعل القرار يصدر بإدانة واضحة وصريحة لإسرائيل دون التطرق لحركة حماس.

يوضح ذلك رغبة دولية واسعة في التركيز على المشكلة الرئيسية وهي الاحتلال الإسرائيلي وحصار وإهانة وسجن وقتل الملايين من الفلسطينيين المدنيين، وهو ما يندرج ضمن القانون الدولي تحت بند الإرهاب. لقد تشكل بالفعل تيار عميق، كما لاحظ السفير الإسرائيلي، ليس مناهضا للسامية وإنما لنظام سياسي استعماري استيطاني لا مثيل له في العصر الحديث.

لا يوجد استعمار استيطاني في العالم الحديث لأن هذا الشكل من الاستعمار ينتمي إلى القرون الماضية، وهو ما يعني أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تنتمي إلى الماضي. إنها تعيش تناقضا مستحكما بين طبيعتها الكولونيالية المباشرة المستمدة من عصور ما قبل الحداثة، وعالم حديث، أو ما بعد حديث، يعلي من قيم الحرية والمساواة سواء للفرد أو للجماعة.

ويأتي النضال الفلسطيني الذي لم يتوقف منذ سبعة قرون لتسليط الضوء على هذا التناقض الذي تعيشه دولة الاحتلال، ولمفاقمته ودفعه للانفجار. لكن نضال الشعب الفلسطيني الحافل والمثير للإعجاب لا يزال يفتقد لقيادة سياسية تكون على قدر تلك التضحيات وعلى مستوى المواجهة مع دولة احتلال استثنائية في طبيعتها ولا تزال تحظى بدعم أقوى دولة في العالم، الولايات المتحدة الأميركية.

وهكذا يبدو التغيير على مستوى قيادة العمل الفلسطيني حاسما لدفع آمال التحرر الوطني الفلسطيني نحو الأمام وتشديد العزلة الدولية حول دولة الفصل العنصري الإسرائيلية.

8