عزل الرئيس أم قنبلة إيران

التطاول الذي يرتكبه المتشددون في طهران، قد يشي بمزيد من الانتهاكات، التي يمكن أن يلجأوا إليها كما فعلوا في الاعتداء الأخير على منشآت النفط السعودية.
الخميس 2019/11/21
أسس الدكتاتورية تهتز في إيران

تتقدّم طهران في خطوات استباقية شديدة الخطورة نحو مواجهة متعمّدة مع المجتمع الدولي من خلال استغلالها لانشغال الولايات المتحدة بمشروع الديمقراطيين لعزل الرئيس دونالد ترامب، وتغاضي الدول الأوروبية المعنية بالملف النووي عن تجاوزاتها الخارجة على القانون وعن قواعد الاتفاق النووي الذي أبرمته العام 2015 إثر انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في العام 2018 وفرضها لأشد العقوبات الاقتصادية على إيران؛ تلك العقوبات التي سرعان ما أدت إلى اختناقات اقتصادية طالت الحياة اليومية المعيشية للشعب الإيراني، الذي وحده للأسف يدفع فاتورة تغوّل حكامه على المنطقة والعالم.

مؤخّرا، أعلنت هيئة الطاقة النووية الإيرانية أن طهران باشرت تشغيل 60 جهاز طرد مركزي إضافيّا، متقدّما وسريعا لتخصيب اليورانيوم المستخدم في صناعة وقود المفاعلات والأسلحة النووية بما فيها القنبلة الذرية. ورغم أن عدد هذه الأجهزة الإجمالي لا يزال بعيدا عن آلاف منها تحتاجها عملية الحصول على المواد الانشطارية المستخدمة في تصنيع السلاح النووي، إلا أن الإجراء الإيراني يمثّل تحديا سافرا ومتجاوزا لكل الخطوط الحمر، الأمر الذي يضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة التي تستغلّ طهران انشغالها بمعضلاتها الداخلية لتمرير كل هذه الخروقات.

لكن اللعب بالنار سيحرق أصابع صاحبه أولا، فواشنطن لن تسمح بهذا الخرق البتة وسترفع وتيرة العقوبات الشديدة على إيران، لاسيما أن الأخيرة، وقبل أيام فقط من إعلانها عن إضافة أجهزة طرد مركزي متقدمة وتشغيلها، منعت مفتشا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية من دخول منشأة ناطانز النووية في سابقة لم تحدث منذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة في فيينا العام 2015 والمسماة اختصاراً “جي.سي.بي.أو.أي”.

هذا التطاول الذي يرتكبه المتشددون في طهران، قد يشي بمزيد من الانتهاكات، التي يمكن أن يلجأوا إليها من طرف واحد كما فعلوا في الاعتداء الأخير على منشآت النفط في السعودية، ولن يردعهم عدد القوات الأميركية التي أرسلتها واشنطن إثر الاعتداءات الهمجية على منشآت هي شريان نفط العالم ونسغ اقتصاده طالما أن صناع القرار الأميركيين منشغلون بعزل رئيسهم بناء على خطة غبية لجأ إليها الديمقراطيون رغم معرفتهم المسبقة بغياب القواعد القانونية لتنفيذها، إلا أنهم أرادوا السير فيها لمنع الرئيس ترامب من دخول انتخابات 2020 حيث ترجح التقديرات فوزه فيها في ظل ضعف معظم المنافسين الديمقراطيين، الذين بلغ عددهم حتى الآن 27 مرشحا لنيل تسمية الحزب وخوض المعركة الانتخابية الرئاسية للعام 2020.

أما الكونغرس الذي تسوسه أغلبية الحزب الديمقراطي، فمتغافل عما يدور في إيران، بل ويتجاهل أعضاؤه تصريحات وزير الخارجية، مايك بومبيو، الذي توقع أن تدفع الانتهاكات الإيرانية الأخيرة إلى مواجهة عسكرية لا تحمد عقباها. لكن واشنطن لن تسمح بمحاولات طهران للي ذراعها، في غفلة منها، رغم شدة التناحر السياسي الداخلي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

من غير المستبعد أن يلجأ ترامب، المعروف بقدرته على تغيير اتجاه بوصلته 180 درجة حين تقتضي الأمور وتستوجب مصالحه السياسية، إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران المنهكة أصلا بالحصار والعقوبات الاقتصادية الأميركية على المؤسسات والأفراد فيها. وسيكون بذلك قد اصطاد عصفورين بضربة حجر واحدة.

العصفور الأول هو تحويل الأنظار والثقل السياسي عن جلسات الاستماع في قضية عزله نحو معركة تدخل فيها أميركا لتأديب إيران، وهو مطلب أوروبي وعربي وأميركي اليوم، إضافة إلى إرضاء مناصريه من صقور الحزب الجمهوري الذين يكنّون عداء شديداً لحكام إيران واستقطاب أصواتهم في مجلس الشيوخ للتصويت ضد قضية العزل حين تصل ملفاتها إليهم.

أما العصفور الثاني فهو إرضاء الحلفاء في الشرق الأوسط، بعد أن أثار الموقف الأميركي بالاكتفاء بوضع المتفرّج المستنكر وحسب من اعتداءات إيران المتوالية، بداية على ناقلات النفط في الخليج العربي ثم على منشآت أرامكو النفطية على أراضي السعودية ما أدى إلى انقطاع 5 بالمئة من بترول العالم. وسيتمكن بذلك من معالجة تراجع الثقة بقدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها؛ وليس الدرس الكردي في شمال شرقي الفرات ببعيد.

أما الثورات الشعبية العارمة والمتزامنة في لبنان والعراق، فليست إلا حركات نضالية عميقة الجذور تعود إلى تراكمات أعوام مضت من رفض الهيمنة الإيرانية على مفاصل القرار والحكم في البلدين سواء عن طريق الأحزاب المذهبية أو الميليشيات الطائفية أو التدخل المباشر في توجيه دفة الدولة، وهي مهمة خاصة يضطلع بها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، قاسم سليماني، متنقلا بين صنعاء وبغداد وبيروت لتأمين سيطرة الميليشيات العابرة للحدود التي تحت قيادته على الحكومات الهجينة التي هي من صنيعته أيضا، وكذا كمّ أفواه الشعوب العربية في بلدانها. وقد تكون تلك الثورات الموجهة ضد النفوذ الإيراني سندا شرعيا للرئيس ترامب تيسّر له أجواء تمهيدية لإعلان ساعة الصفر.

أما الإعلام الأميركي صاحب التأثير البالغ على الرأي العام المحلي والدولي، فينشغل بكوادره وطاقاته كافة بتغطية مستجدات عزل الرئيس عن أي شأن آخر، ما يفتح الأبواب واسعة للعبث الإيراني خلال هذا الوقت المستقطع من مشهد لي الذراع بين العدوين اللدودين: خامنئي وترامب.

وهنا يتقدّم السؤال الصعب في هذا المقام: من سيكون الطرف القادر على الصمود أكثر قبل أن يلدغ العقرب بذنبه السام ذراع المهزوم من الرجلين؟

8