عزل عسكريين تعاونوا مع الإرهاب يثير تساؤلات حول اختراق الجيش التونسي

وزير الدفاع إبراهيم البرتاجي: عسكريون تخابروا مع إرهابيين ومُهرّبين.
السبت 2020/11/21
الجيش التونسي جدار الصد الأول ضد الإرهاب

أثارت تصريحات وزير الدفاع إبراهيم البرتاجي بخصوص عزل عسكريين تعاونوا مع إرهابيين ومهربين جدلا واسعا في تونس، لكونها تتعلق بخصوصيات مؤسسة حيوية وحساسة في الدولة تحمل على عاتقها مسؤولية حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، كما أثارت التصريحات تساؤلات بشأن حقيقة اختراق الجيش التونسي من عدمه.

تونس – استنكرت أطراف سياسية وحقوقية تونسية تصريحات وزير الدفاع بشأن عزل عناصر من الجيش “تخابرت” مع عناصر إرهابية ومهربين، وسط تساؤلات عن أسباب نشر هذه الحقائق الخطيرة، وخصوصا أنها من القضايا التي تشمل القضاء العسكري الذي يتولى النظر فيها.

ويطرح فحوى التصريحات مسألة السماح بنشر أسرار وخصوصيات الجيش التونسي، كما يثير تساؤلات بشأن حقيقة اختراق المؤسسة العسكرية التي تضطلع بمهمة الذود عن الوطن عسكريا.

وكشف وزير الدفاع إبراهيم البرتاجي، الخميس، عن تورط عسكريين في التخابر مع إرهابيين ومهربين بالجنوب.

وقال الوزير خلال جلسة استماع أمام لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح بالبرلمان ”ثبت أن هناك تخابرا من طرف بعض العسكريين بالجنوب مع جهات أخرى إما في علاقة بالإرهاب وهي حالات قليلة أو في علاقة بالتهريب وهي حالات أكثر بقليل“.

وأضاف “ضبطنا بعض العناصر تتخابر مع مُهرّبين وتكشف لهم أماكن تواجد التشكيلات الأمنية قصد الإفلات من المراقبة… وهذه تعتبر خيانة”.

مختار بن نصر: الجيش عاش في السابق عمليات اختراق لكن تم التصدي لها
مختار بن نصر: الجيش عاش في السابق عمليات اختراق لكن تم التصدي لها

من جهة أخرى كشف البرتاجي عن عزل عدد من العسكريين قال “إنهم من صغار الرتباء حديثي العهد بالمؤسسة لعدة أسباب من أهمها التعامل مع مهربين وخاصة مسك واستهلاك المخدرات”.

وعلق البرتاجي بالقول ”لا يمكن أن أمر دون أن أوضح مسألة العسكريين المعزولين لأسباب تأديبية، ذلك أن أفراد الجيش الوطني ليسوا بمنأى عن التحولات الاجتماعية والسلوكية التي شهدها مجتمعنا في السنوات الأخيرة مما ترتب عليه حياد بعض صغار الرتباء حديثي العهد بالمؤسسة العسكرية عن الالتزام بقواعد الانضباط العام واحترام القوانين المعمول بها والقيام بتصرفات تتنافى ومتطلبات العمل“.

وأضاف الوزير متحدثا عن أسباب اتخاذ الوزارة قرار عزل عدد من العسكريين أن مرده ”الفرار من الجندية والتعامل مع المهربين وخاصة مسك واستهلاك المخدرات”.

وتابع “حفاظا على سلامة الأفراد والمنشاَت والجاهزية العملياتية تجد المؤسسة العسكرية نفسها مجبرة على الاستغناء عن هؤلاء في إطار القانون مع الحرص على تبني حق الدفاع والتدرج في تنفيذ العقوبات بعد التوعية والإحاطة والتحسيس” مؤكدا أن “هذا الإجراء (العزل) ساهم في تقليص الأخطاء المرتكبة”.

 وانتقدت أوساط تونسية الجانب التواصلي الذي توخاه الوزير في التعامل مع مثل هذه المعلومات، وخصوصا أنها تدخل في خانة الأسرار والخطط الإستراتيجية الخاصة بهذه المؤسسة العريقة.

واعتبر الخبير العسكري والرئيس السابق للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، مختار بن نصر، أن “تصريح وزير الدفاع لم يكن على غاية من الوضوح، وكان عليه أن يوضح من هم المتورطون في التخابر: ضباط متمرسون أم عسكريون؟”.

وأضاف بن نصر في تصريح لـ”العرب”، “كان على البرتاجي أن يبين مدى تتبع الوزارة لهؤلاء، لأن المؤسسة العسكرية لها من الإمكانيات ما يكفي لكشف هذه الحقائق والعناصر المرتبطة بها”، مشيرا إلى أن “التصريحات من شأنها أن تمس من معنويات الجيش الوطني، والقضاء العسكري هو من يتكفل بذلك”.

وتابع الخبير العسكري “جيّد أن تكون هناك شفافية، ولكن الجيش مؤسسة كاملة تعنى بسلامة الجند، وكان من الأفضل أن تتم متابعة المسألة دون أن يكون هناك توضيح كامل”.

واستبعد بن نصر أن تربك هذه التصريحات جهود الجيش في مقاومة ظاهرة الإرهاب، قائلا “الجيش عاش في السابق عمليات اختراق لكن وقع التصدي لهذه المحاولات”، وأضاف “لا بد أن تكون المؤسسة صلبة، التجاوزات موجودة لكن لا بد أن يتم التعامل معها بصرامة”.

وبرأي متابعين فإن البرتاجي الملتحق حديثا بمنصب الوزارة السيادية في البلاد يقحم دون علم الجيش في دائرة الاتهامات والشكوك، ويجر المؤسسة العسكرية إلى حلبة الصراع السياسي.

وأشار المحلل السياسي خالد عبيد، في تصريح لـ”العرب”، إلى “أن ما ذكره الوزير هو حالات معزولة”، مستدركا “من الأجدر ألا يقع الإدلاء بهكذا تصريحات أمام العموم بالنظر إلى حساسية المسألة، والأهم من ذلك أن ما ذكره الوزير لا يستحق أن يذكر”.

وشرح قائلا “ربما نفهم دوافع هذا التصريح على أساس أن الوزير يرغب في أن يكون شفافا وواضحا في علاقة بحداثة منصبه، لكن لا يمكن أن نعتبر هذا مبررا. والرسالة التي يمكن أن تصل إلى الرأي العام هي أن المؤسسة العسكرية قد اختُرقت من قبل الإرهاب وهذا ما لم يقصده كليا الوزير. لا أعتقد أن المؤسسة مخترقة فهي منضبطة ومتماسكة”.

زهير المغزاوي: وزير الدفاع جانب الكثير من الصواب بتصريحاته الأخيرة
زهير المغزاوي: وزير الدفاع جانب الكثير من الصواب بتصريحاته الأخيرة

وترى شخصيات سياسية أن تصريحات البرتاجي قد تضع منسوب ثقة المواطن بالمؤسسة في الميزان، وخصوصا أنها تشتغل في كنف السرية التامة وتلتزم الحياد في المشهد السياسي بأخذ نفس المسافة من جميع الأطياف الحزبية.

ورأى الأمين العام لحركة الشعب، زهير المغزاوي، أن “التصريحات لم تكن موفقة باعتبار أن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة التي تحظى بثقة كبيرة لدى التونسيين بعد اهتزاز الثقة في القضاء”.

وأضاف المغزاوي، في تصريح لـ”العرب”، “الأخطاء واردة لكن التعبير عنها في العلن كان يمكن أن يكون بطريقة مخالفة، هي مسألة تواصلية بالأساس لها تأثير على المتلقي حيث يمكن أن تجعله يعتقد في أن هذه المؤسسة قد تكون مثل البقية التي ينخرها الفساد”.

وأشار المغزاوي إلى أنه “كان من الأفضل معالجة الأمور داخليا للمحافظة على الروح المعنوية للشعب، والوزير جانب الكثير من الصواب”.

وبلغ عدد المعزولين من عناصر الجيش الوطني منذ ثورة يناير إلى حد الآن حوالي 9 آلاف، وخلال السنوات الأربع الأخيرة بلغ العدد حوالي 2000 عنصر عسكري.

وأوردت تقارير إعلامية محلية، أن عملية العزل تكون بعد استيفاء كافة الإجراءات التأديبية وصولا إلى المحكمة العسكرية، وأغلب الحالات تم عزلها بسبب أخطاء مهنية وسلوكية وخاصة استهلاك مواد مخدرة.

وبخصوص الذين تعاملوا مع الإرهابيين أو مدوا المهربين بمعلومات عن مكان وجود التشكيلات العسكرية فعددهم قليل وأغلبهم من صغار الرتب وحديثي الالتحاق بالمؤسسة العسكرية، ويتم عزلهم مباشرة لمجرد الشبهة في البداية كإجراء وقائي ثم يتم استكمال المسار القضائي سواء من قبل المحكمة العسكرية أو من قبل القطب القضائي لمكافحة الإرهاب.

وفي السياق ذاته اتهم وزير الداخلية توفيق شرف الدين بعض المسؤولين الأمنيين بخيانة ضمائرهم مقابل الأموال والتسبب في دخول المخدرات إلى التراب التونسي، متوعدا بالتصدي لعمليات التهريب مهما كانت مصادرها وبمحاسبة من يقف وراءها مهما كانت مواقع تنفذهم.

وأردف شرف الدين خلال جلسة استماع أمام لجنة الأمن والدفاع ”المخدرات غول كبير ينخر المجتمع التونسي ونشط بكثرة خلال السنوات الأخيرة… هناك أكثر من سبب وراء هذا النشاط منها غياب النزاهة والحيادية والشرف عن بعض المسؤولين في مواقع مختلفة”.

 

4