عزم عربي على إعادة التوازن إلى المنطقة يبدأ برفع نسق التسلح

توصّلت التقارير الدولية الخاصة برصد مستوى التسّلح في العالم إلى نتيجة واحدة تقول إن العالم يشهد حمى تسلّح مرتفعة، خصوصا على مستوى منطقة الشرق الأوسط، حيث تشير الأرقام إلى تنامي حجم الإنفاق العسكري العربي خلال العام المنقضي.
الجمعة 2015/05/15
سلاح الجو يتصدر قائمة مشتريات دول الخليج من الأسلحة

كشف تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، الذي صدر منتصف أبريل الماضي، عن ارتفاع معدّل الإنفاق العسكري في العالم العربي بنسبة 5 بالمئة مقارنة بعام 2014، وكان للمملكة العربية السّعودية نصيب الأسد، بعد أن أنفقت نحو 81 مليار دولار، بنسبة 17 بالمئة من إجمالي الإنفاق العربي، وتلتها كلّ من لبنان والعراق بـ 15 بالمئة.

خبراء إستراتيجيون تحدثوا لـ”العرب” عن أسباب اهتمام دول خليجية وعربية برفع مستوى التسلّح، بشكل غير مسبوق، مشيرين إلى أنّ ذلك يرجع بدرجة أولى إلى الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الغربية، وإعلان طهران عن صفقة الصواريخ (إس 300) مع روسيا.

مصادر متنوعة للسلاح

يوضّح الخبراء، أنّ رغبة أوباما الكبيرة في توقيع اتفاق مع إيران بشأن السلاح النووي، جعلته يتناسى المخاطر التي يمكن أن يتسبّب فيها أيّ تقارب مع طهران وتأثيراته السلبية على أمن المنطقة، وما يحصل في العراق يعدّ خير دليل على ذلك، وفق تعبيرهم.

وقد دفع هذا الأمر بعض الدول الخليجية إلى الإسراع بتطوير منظومة أسلحتها، لتكون على استعداد للتصدّي لأيّ استفزاز إيراني وردّ أيّ تهديد أو خطر على أمنها.

وقد انعكس الخلاف الأميركي الخليجي حول إيران، لا فقط على مستوى التسلّح، بل أيضا على البلدان المصدّرة للسّلاح، حيث دخل منافسون آخرون على الخطّ، وأصبحوا محلّ اهتمام المشتري الخليجي والعربي الذي قرّر تنويع مصادر سلاحه، بعد أن ظلت لعقود طويلة معتمدة على السوق الأميركية.

لابد للبلاد العربية قبل امتلاك سلاح الردع النووي أن تسعى لحل الصراعات البينية والداخلية

وبعد مصر، التي عقدت صفقة مع فرنسا للحصول على 24 طائرة حربية من نوع “رافال”، وسبقتها صفقة أخرى ضخمة مع روسيا؛ أبرمت قطر عقدا مع شركة “داسو” الفرنسية بقيمة 6.3 مليار دولار لتزودها بـ 24 طائرة من نفس الطراز، وتتضمن الصفقة بندا يسمح بزيادة عدد الطائرات إلى 36 طائرة. وكانت الدوحة قد وقعت في يوليو 2014، صفقة مع الولايات المتحدة بـ 11 مليار دولار لشراء صواريخ ومروحيات عسكرية.

وفي مارس من نفس العام، أبرمت عقدا مماثلا لشراء طائرات حاملة للوقود ومروحيات أباتشي الأميركية. بينما ذكرت مصادر فرنسية أن الإمارات ترغب أيضا في التزود بطائرات “رافال”، عقب الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان إلى أبوظبي مطلع شهر مايو الجاري.

ويرجع محمد عباس ناجي، الباحث في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، سبب “حمّى التسلح” في المنطقة إلى أنّ دول الخليج العربي تخشى من أن تستغلّ إيران محاولات الغرب للتوصل إلى اتفاق معها بشأن الملف النووي وتتحوّل، شيئا فشيئا، إلى قوة نووية إقليمية، بما يؤدي إلى إحداث خلل في توازنات القوى في المنطقة، لهذا تسعى دول مجلس التعاون لتعويض هذا الخلل عبر صفقات تسليح مميزة مع الدول الكبرى.

واستطرد ناجي موضّحا أن طهران ليست مصدر التهديد الوحيد لدول الخليج الذي يجبرها على عقد صفقات الأسلحة، وإنما هناك أزمات أخرى في المنطقة أطرافها تنظيمات مسلحة مثل داعش، وهذه الأطراف تمثل تهديدا كبيرا لدول المنطقة. كذلك من الملاحظ أن دول الخليج، باستثناء عمان، تشارك في “عاصفة الحزم” ضمن قوات التحالف ضد الحوثيين في اليمن والتحالف الدولي ضد داعش في العراق وسوريا، ومعظم هذه المعارك جوية وهو ما أدى إلى أن تكون صفقات السلاح في معظمها مقتصرة تقريبا على الطائرات الحديثة التي تؤمن حاجة دول الخليج لمواجهة الأنماط الجديدة من التحديات سواء من إيران أو من التنظيمات الإرهابية غير التقليدية.

وتعدّ العلاقة بين التهديدات الأمنية سواء الداخلية أو الخارجية وصفقات السلاح، علاقة عضوية، حسبما أكد جمال مظلوم، مدير مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية لـ”العرب”، متوقعا زيادة في حجم الصفقات خلال الفترة القادمة.

محاولات لإعادة التوازن

يؤكد جمال مظلوم أن صفقات الأسلحة التي أبرمتها دول الخليج خلال الفترة الأخيرة هي محاولة لإعادة التوازن الذي فقدته العديد من الدول العربية في أعقاب ما سمّي بـ”الربيع العربي”، وما رافقه من انهيار وتفكّك لبعض الدول في المنطقة، وإنهاك لجيوش اصطلح على تسميتها بـ”جيوش الردع العربي”. وحول سعى الدول العربية لامتلاك قنبلة نووية، قال مظلوم “إنّ الدول العربية بأوضاعها الحالية تشهد حالة تفكك لم تحدث لها من قبل على مدار التاريخ، ولذلك فإنّه لابد لها قبل امتلاك سلاح الردع النووي أن تسعى لحل الصراعات البينية والداخلية التي تعيشها”.

ودعم مظلوم فكرة بناء قوات عربية قوية مشتركة لمواجهة التهديدات التي باتت مشتركة أيضا، لافتا إلى ضرورة أن تقوم الدول العربية بإقامة مصانع للصناعات الحربية في دول المنطقة العربية التي يصل تعداد سكانها إلى 400 مليون نسمة، ولا تملك مصنعا واحدا لصناعة البندقية.

ولا يختلف رخا حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، عن الأسباب التي ذكرت بخصوص ارتفاع مستوى التسلّح في المنطقة، وعلاقته بالتقارب الأميركي الإيراني، والتهديدات الإرهابية، لكنه يضيف عليها سببا آخر يتعلّق بالصراع العربي الإسرائيلي الذي يعتبره صراعا ممتدّا ما يزال مُحركا للأحداث في المنطقة، خاصّة بالنسبة إلى دول الطوق الإسرائيلي.

ولفت إلى أنّ منطقة الخليج تتعرّض إلى الكثير من الضّغوط من قبل إيران الّتي لا تخفي مطامعها في الهيمنة على دول المنطقة، وقدّم المثل بمملكة البحرين التي تتعرض لمؤامرات تحريضية تقودها أذرع موالية لإيران؛ أمّا المثال الأبرز، فهو العراق، وما يعيشه اليوم من أوضاع هي في الأصل نتيجة للغزو الأميركي سنة 2003.
فقد حوّل ذلك الغزو العراق إلى فريسة سهلة لإيران بما أخلّ بتوازن المنطقة وجعل عدم التكافؤ السّمة الغالبة، وهذا الأمر خلق رغبة قوية في امتلاك السّـلاح لصدّ أي هجـوم محتمـل، وفق تعبيره.

ويشكّك كثير من المحللين في أن يكون وجود تنظيم “داعش” هو السبب الرئيسي الذي دفع البلدان العربية لزيادة معدّل التّسلح، بل إنّ التهديدات التوسعية الإقليمية هي التي تقف وراء ذلك. ويعتقد جمال مظلوم أنّ ظاهرة “داعش” هي في الأصل صناعة أميركية هدفها شغل الدول العربية عن التنمية والتطور والوحدة والتكامل، وهو ما تحقق بالفعل.

وطالب عدد من المراقبين بدورهم، الدول العربية بأن تستفيق من غفلتها وتتصدى للتمدد الإقليمي التركي والإيراني في أعماق المنطقة، والذي يتم بمباركة أميركا التي أضحت سياساتها مريبة أكثر من أي وقت مضى تجاه حلفائها العرب.

وقد انتقد عدد من الخبراء تصريح الرئيس الأميركي في قمة كامب ديفيد الّتي انعقدت، خلال اليومين الماضيين، بين أوباما وقادة دول الخليج العربي، والذي دعا فيه حكّام المنطقة إلى النظر في رفع قدرات بلداهم الدفاعية، بما يعني أنّه يريد أن يعقد معهم المزيد من صفقات السلاح.

واستنكر الخبراء عدم اعترافه بالتنازلات التي قدّمها لإيران مع نفيه وجود مخاطر، جراء الاتفاق النووي الإيراني، بما يؤكّد أن واشنطن تنتهج سياسة خاطئة تتبعها منذ فترة وتروج لأن الاستقرار سيتحقق بزيادة التسليح، ولكن في النهاية يحدث العكس.

وحول سعي الدول العربية لامتلاك قنبلة نووية كإحدى وسائل الردع، قال رخا حسن: السلاح النووي الرادع يستحيل استخدامه في المنطقة، لأنّ المسافات بين الدول العربية وأعدائها غير شاسعة، لافتا بالمقابل إلى أنه يحبّذ أن يتم توطين التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، مشيرا إلى أنّ باكستان على سبيل المثال لم تستطع حلّ مشكلاتها مع طالبان رغم امتلاكها السلاح النووي.

7