عزوف الشارع أكبر عقبة تهدد الانتخابات التشريعية المصرية

الهيئة الوطنية تتهيأ لاتخاذ إجراءات احترازية لإنجاح الاستحقاق الانتخابي.
الأحد 2020/07/05
أزمة ثقة

القاهرة – بدأت عجلة الانتخابات التشريعية في مصر تدور بوتيرة سريعة ومتعايشة مع أزمة كورونا وتداعياتها، وجرى مناقشة قوانين انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب والموافقة عليهما، وإقرارهما بشكل رسمي خلال فترة زمنية وجيزة، قبل أن تعلن الهيئة الوطنية للانتخابات، السبت، فتح باب الترشح لأول انتخابات لمجلس الشيوخ، بدءاً من الأسبوع المقبل، ليشكل غرفة ثانية بجانب مجلس النواب، ويحل بديلاً عن مجلس الشورى “سيء السمعة”، والذي ألغاه الدستور المصري الأخير.

وأعلن رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، المستشار لاشين إبراهيم، قبول أوراق الترشح لانتخابات مجلس الشيوخ، بدءاً من السبت المقبل، ولمدة ثمانية أيام، على أن تجرى الانتخابات بالنسبة للمصريين المقيمين في الخارج يومي 9 و10 أغسطس المقبل، وتعقد انتخابات الداخل يومي 11 و12 من الشهر نفسه، ومن المقرر إعلان النتيجة النهائية في موعد أقصاه منتصف سبتمبر المقبل.

لم تواكب الخطوات السريعة للبرلمان والهيئة الوطنية للانتخابات حركة سياسية موازية في الشارع السياسي، وإن كانت هناك تحركات على مستوى الأحزاب التي لا تلقى ثقلاً جماهيريا، وبدا الإعلان عنها بعيداً عن اهتمامات المواطنين الذين ينشغلون بأزماتهم الاقتصادية، وتطورات موقف بلادهم في أزمتي ليبيا وسد النهضة.

ويعتبر مجدي عبدالرحيم، العامل بإحدى شركات القطاع الخاص، أن الانشغال بالاستحقاقات التشريعية أمر مستحيل، لأن هناك أزمة ثقة في أي شخص لديه رغبة في العمل العام بعد أن ساهم البرلمان الحالي في تشكيل صورة ذهنية لدى المواطنين بأنه يعمل لصالح الحكومة وليس المواطنين، والثقة باتت مفقودة في المؤيدين والمعارضين.

لدى هذا المواطن اعتقاد بأن السياسة جفت منابعها في مصر، ولن يكون بمقدور أحد القيام بتغيير في الأوضاع السياسية الراهنة، ما لم يتم اتخاذ إجراءات حقيقية في ثوب الإصلاحات بما يتجاوز الشق الاقتصادي والاجتماعي ويصل لبها إلى الشق السياسي.

أحمد بهاءالدين شعبان: الأحزاب غير مستعدة بالشكل الكافي للانتخابات التشريعية
أحمد بهاءالدين شعبان: الأحزاب غير مستعدة بالشكل الكافي للانتخابات التشريعية

وتصطدم الانتخابات المقبلة بأكثر من مشكلة، لأن إجراءات الترشح والدعاية وعملية الاقتراع سوف تجري في ظل استمرار حصد فايروس كورونا لأعداد جديدة من الإصابات والوفيات، وإن كان تعايش المواطنين واضحاً من خلال التكدس والازدحام، فالوضع قد يكون مختلفاً في الانتخابات التي تشهد أصلا نسب مشاركة منخفضة.

وأكدت الهيئة الوطنية للانتخابات، اتخاذ إجراءات صارمة للدعاية الانتخابية وتنظيم دخول وخروج المواطنين إلى لجان الاقتراع، تتمثل في تعقيم كافة المقار قبل وصول الناخبين، وتحديد مسافات آمنة داخل اللجان لمنع تكدس الناخبين عبر أحد الموظفين الذي تعينه اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات، وفرض ارتداء الكمامات الواقية لكافة أطراف العملية الانتخابية.

وترتبط صورة مجلس الشيوخ في أذهان المواطنين بمجلس الشورى السابق، والذي يحظى بسمعة قاتمة، لأنه كان وسيلة استخدمها الحزب الوطني المنحل للترضية والمجاملات وتوزيع مواقع على قوى انتخابية لم يكن يستطيع البرلمان تغطيتها. تتطلب هذه المسألة جهداً مضاعفاً لإقناع المواطنين بأهمية استحداثه في هذا التوقيت بعد أن أصبح استحقاقاً قانونيا بعد التعديلات الدستورية التي وافق عليها الشعب في أبريل من العام الماضي.

وأثبتت تجربة وجود غرفة واحدة للبرلمان أنها غير كافية في ظل إصدار البرلمان الحالي أكثر من 800 قانون منذ أن بدأ أعماله قبل خمس سنوات، ما كان مبرراً لاستحداث غرفة الشيوخ التي من المفترض أن تضم كفاءات وخبرات مختلفة لتدقيق القوانين وتسهيل مهمة عمل البرلمان، غير أن المشكلة الأساسية تكمن في تراجع فعالية عمل المؤسسات التشريعية ومدى استفادة المواطنين منها بشكل مباشر.

وأكد رئيس الحزب الاشتراكي المصري، أحمد بهاءالدين شعبان، أن إجراء الاستحقاقات التشريعية تمر بعدة أزمات، لأن الأحزاب غير مستعدة بالشكل الكافي نظرا لما تعرضت له الممارسة السياسية من مشكلات متعاقبة بسبب خوض الدولة المصرية حرباً شرسة ضد الإرهاب، وكانت بمثابة عودة إلى شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، وانعكس ذلك على تأميم المجالات العامة ووضع ضوابط للحركة السياسية. وتابع شعبان لـ”العرب”، أن محاولات التنفيس عبر الانتخابات المختلفة وإتاحة الفرصة لقدر من الحركة لن يكون كافياً لإقناع المواطنين للذهاب إلى الانتخابات، وأن هيمنة الجوانب الشكلية على الممارسات الديمقراطية لا تأتي بثمارها والدليل على ذلك أن البرلمان الذي قارب على انتهاء ولايته لا يحظى بشعبية في الشارع.

ويعول السياسي المصري على اختيارات رئيس الجمهورية لمجلس الشيوخ في شكله الجديد، بما يشكل إضافة حقيقية لمجلس النواب، بحيث تكون الغرفة الجديدة منبراً للأفكار والرؤى السياسية التي ظلت غائبة طيلة السنوات الماضية، ما يؤسس لعلاقة جديدة بين المؤسسات التشريعية والمواطنين.

هيئة الانتخابات تشرع في قبول أوراق الترشح لانتخابات مجلس الشيوخ بدءاً من السبت المقبل
هيئة الانتخابات تشرع في قبول أوراق الترشح لانتخابات مجلس الشيوخ بدءاً من السبت المقبل

ومن المقرر أن يعين رئيس الجمهورية 100 نائب في مجلس الشيوخ يشكلون ثلث عدد نوابه، وسيضم في عضويته 300 نائب، يجري انتخاب ثلثهم بالنظام الفردي والثلث الآخر بالقائمة المغلقة.

وترتكن التجربة المصرية في الانتخابات على التحركات الخدماتية التي قادها حزب “مستقبل وطن”، أكبر الأحزاب تمثيلاً داخل البرلمان، من أجل قيادة تحالف واسع من الأحزاب يضم 10 أحزاب، هي: الشعب الجمهوري والوفد والتجمع والعدل والمؤتمر والغد وحزب إرادة جيل والحركة الوطنية ومصر الحديثة، تمكنه من التواصل مع المواطنين، وتصبح ركيزة لمجلسي الشيوخ والنواب المقبلين.

ومن المرجح أن تكون هناك تكتلات أخرى، على رأسها “تنسيقية شباب الأحزاب” وتحالف “الأحزاب المصرية” الذي يضم في عضويته 40 حزباً صغيراً أو يمكن تسميتهم بالأحزاب “الكرتونية”، للمزاحمة على خارطة النفوذ المستقبلية، بالإضافة إلى الاعتماد على أصوات العائلات الكبيرة في القرى والنجوع.

وفي كل الحالات فإن التركيز على القضايا الاقتصادية والمجتمعية سيكون سائداً على حساب المواقف السياسية، وهو ما يقلل من قيمة المفردات التي تستخدم بين القوى والأحزاب المختلفة، ويجعلها محصورة في النطاق الاقتصادي والاجتماعي تقريبا.

وأشار الباحث السياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، حسن سلامة، إلى أن “الحكومة المصرية أمام استحقاقات أصبح لزاماً الإقدام عليها وإن لم تكن البيئة السياسية الداخلية مواتية، وليس من الممكن الانتظار للإصلاح المنشود وتعطيل قيام المؤسسات التشريعية التي من الممكن أن تكون جوهر الممارسة السياسية، إذا توفرت الرغبة”.

وأوضح سلامة أن الانتخابات المقبلة سوف تشهد تغييراً في تعامل الجمهور مع المرشحين، والكثير من أدوات الاتصال المباشر لن تكون حاضرة ما يتطلب استحداث وسائل دعائية تكنولوجية للوصول إلى الشرائح الشبابية التي تعزف عن الانتخابات، وأن تكون بلغة هؤلاء الذين ينتظرون الفرصة المواتية للاندماج السياسي.

وبحسب قانون مجلس الشيوخ، سيكون مختصاً بأخذ رأيه في الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، والسلام والتحالف، وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة، ومشروعات القوانين التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، وما يحيله رئيس الدولة من موضوعات تتعلق بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشؤون العربية أو الخارجية.

وتعد تجربة مجلس الشيوخ قابلة للتقييم، لأن هناك جهات محلية ودولية عديدة من المقرر أن تشارك في عملية مراقبة الأداء ومدى فاعلية وجوده من عدمه، لكن الأمر يتطلب تعريف المواطنين بأدوار المجلس الجديد كي يكون الاختيار قائماً على الخبرات والكفاءات، وعلى الحكومة الاستفادة مما سوف يصدر عنه من توصيات والتعامل معها على محمل الجد.

2