عزوف واسع عن الزواج يعكس فشل خطط تركيا في دعم الشباب

يتواصل عزوف الشباب التركي عن الزواج مع استمرار الظروف التي جعلته لا يقبل على “إتمام نصف دينه” في مجتمع يحكمه حزب إسلامي يحاول أن يجعله متصفا بالتدين. وباءت محاولات الحكومة في الحد من الانخفاض المتواصل لنسب الزواج بالفشل ولم تمثل المساعدات المالية عاملا مؤثرا في الشباب يجعله يقبل على الزواج والإنجاب.
الأربعاء 2016/02/17
حلول للفقراء

أنقرة- العزوف عن الزواج وارتفاع نسب العزوبية ظاهرة اجتماعية ترتبط أحيانا بخيارات شخصية لدى الشباب لكنها في أغلب الحالات تفرض عليه ولا تكون أمرا اختياريا بسبب أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والمهنية ومعاناته من ظروف معيشية صعبة تجعله يعجز عن تلبية متطلبات الزواج وتكاليفه الباهظة وما ينتج عنه من تحمل أعباء ومصاريف الأسرة والأبناء. وبين الاختيار والاضطرار تواصل نسب الزواج تراجعها في المجتمع التركي حسب الإحصائيات الرسمية.

وبحسب تقرير نشرته هيئة الإحصاء التركية نهاية العام الماضي فإن حالات الزواج تواصل الانخفاض في مقابل ارتفاع حالات الطلاق، ويقول التقرير “زاد معدل الطلاق في تركيا بنسبة 45 بالمئة مقارنة بمعدل الزواج. حيث زاد عدد المطلقين في عام 2014 بنسبة 4.5 بالمئة مقارنة بالعام الذي قبله فيما زاد معدل المتزوجين حديثا بنسبة 0.1 بالمئة. الأمر الذي دفع البرلمان التركي إلى تشكيل لجنة برلمانية للبحث في هذه الظاهرة، وتهدف هذه اللجنة إلى تحديد التدابير التي ينبغي اتخاذها من أجل تعزيز مقومات مؤسسة الأسرة والبحث في حالات الطلاق التي حدثت بسبب العوامل التي تؤثر سلبا على وحدة الأسرة”.

وليس العزوف عن الزواج فقط هو ما يهدد بناء وتماسك الأسرة، النواة الأولى في المجتمع، لأن العزوف من جهة يعتبر خيارا يكون سببه تغير نظرة الشباب إلى هذه المؤسسة وهو تغير ثقافي قيمي حيث باتت الأسرة تفقد صورتها كركيزة أساسية في تكوين فرد متوازن وسليم نفسيا وفي بناء مجتمع متماسك، وهو تفكير يطغى على فئات اجتماعية معينة لم تترب على تقديس الروابط الأسرية بل رسخت عندها عائلاتها مفاهيم الاستقلالية والحرية في الخيار، ولعل هذا الوجه لبعض الشباب التركي يحيلنا على الأتراك العلمانيين الذين يختارون نمط عيش شبيه بالأوروبيين، ولكن لا يمكن اعتبار فرضية أن أغلب الشباب التركي دفعته علمانيته الراسخة فيه إلى خيارات الاستقلالية والتحرر من القيود، وعلى رأسها رابط الزواج، فرضية صحيحة وسارية على غالبية الشباب التركي.

من جهة أخرى فإن وجود نسبة، ولو كانت متوسطة أو ضعيفة (في ظل غياب إحصائيات رسمية حول تحديد ما إذا كان العزوف عن الزواج اختيارا أم ضرورة) من الشباب التركي الذي يختار بإرادته وبقناعاته وبعيدا عن الضغوط المادية والخصاصة ألا يتزوج وأن يعيش مثلا مع شريك دون عقد زواج، يدل على أن علمانية الأتراك ما تزال راسخة ومستمرة في نمط عيش وخيارات الشباب التركي، بغض النظر عن تقبل المجتمع لها من دونه، وفي ذلك برهان على فشل الحزب الحاكم الإسلامي في أسلمة المجتمع ومحاولاته طمس معالم الهوية العلمانية في تركيا.

الظروف والمشاكل الاقتصادية والمهنية تظل أكبر العوائق أمام إقبال الشباب التركي على الزواج

وبعيدا عن خيار العزوبية وما يحيلنا إليه من استنتاجات فإن الدراسات الصادرة عن الجهات الرسمية التركية المهتمة بالشأن الاجتماعي والأسري وغير الرسمية تجمع على أن الظروف والمشاكل الاقتصادية والمهنية تظل أكبر العوائق أمام إقبال الشباب التركي على الزواج، فاليأس الذي بات يأسر الشباب التركي والتشاؤم الذي ارتفع منسوبه في الفترة الأخيرة بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعيش تركيا تحت وطأتها والتي أدت إلى تزايد نسب البطالة وتكاثر حالات الفقر بسبب تدني الدخل الفردي وغلاء المعيشة وغير ذلك من العوامل جعلت الشباب التركي، خاصة من المنتمين إلى الفئات الاجتماعية متوسطة أو محدودة الدخل أو من الذين يعانون من البطالة، لا يطرح على نفسه مجرد التفكير في الزواج لأنه إما عاجز عن تحمل تكاليفه ومصاريفه الباهظة وإما عاجز عن تحمل مسؤوليات مادية ومعنوية بشأن البيت والأسرة والأبناء في ظل النمط التصاعدي لغلاء المعيشة، وفي أغلب الحالات من يكون عاجزا عن تأمين مصاريف الزواج يكون بالضرورة عاجزا عن تحمل أعباء المنزل والأسرة.

كما أن عادات وتقاليد الزواج التركي المكلفة من لوازم التجهيز والأثاث وتوفير بيت الزوجية إلى تكاليف الاحتفال والأكل والشرب واللباس بما فيها مصاريف ليلة العرس في حد ذاتها من توفير قاعة الأفراح والسيارة الفخمة، كلها عوامل تساهم في تعجيز الشباب عن الزواج وتصعب عليه المهمة، إلى جانب ظروفه المادية والمهنية الخاصة، فأحيانا المبالغة في مظاهر الاحتفال تجعل حتى الشاب الموظف والمنتمي إلى عائلة ميسورة الحال عاجزا عن مجاراة ومسايرة التكاليف المادية للزواج.

ولأن انخفاض حالات الزواج بات من المشاكل الاجتماعية التي يصعب على الجهات الرسمية تجاهلها لأنها تسعى لبناء مجتمع متماسك ينطلق توازنه من نواة المجتمع الأولى وهي الأسرة، وذلك بغرض تشبيب المجتمع باعتماد سياسات تشجع على الزواج والإنجاب، إلا أن التقارير والحلول الرسمية المقترحة من الحكومة لم تحقق النتائج المرجوة، فمنذ سنوات سنت الحكومة التركية عدة قوانين من أجل تحفيز الأزواج على إنجاب ثلاثة أطفال على الأقل، وأقرت مساعدات مالية وقروضا من دون فوائد وقدمت منحا مالية للمقبلين على الزواج وأخرى للأزواج مع التكفّل بمصاريف الأطفال، وكذلك زيادة إجازة الوضع إلى أكثر من 16 أسبوعا بالنسبة إلى المرأة، إلا أن ذلك لم يحرك أرقام ونسب الزواج في اتجاه إيجابي.

والواقع التركي يطلعنا على إحصاءات سنوية تؤكد تواصل تراجع الإقبال على الزواج في مقابل ارتفاع أعداد العزاب والمطلقين، وهو ما يثبت أن السياسات الحكومية الاجتماعية والحلول المعتمدة لم تنجح لأنها ظلت حلولا آنية وسطحية ولم تعالج أساس وصلب المشكلة بل لم تقدم نوايا عن مساع جدية في حل مشاكل الشباب التركي الاجتماعية، من ذلك تمكينه من الظروف الاقتصادية والمهنية والمادية الملائمة لاتخاذ قرار الزواج وبناء أسرة دون الخوف من الفقر والخصاصة والعجز عن تغطية تكاليف ذلك.

12