"عزيزتي أنا شاعر..!!" من مذكرات أرستقراطي

الأحد 2014/11/02

عندما يُغيب الموت من أعرف عن قرب سواء كان قريبا أو صديقا أو حتى زميلا، عادة تكون ردة فعلي تجاه الخبر بطيئة تمتد من يوم إلى ثلاثة أيام حتى أشعر وأصدق بأن من كنت أعرف عن قرب أصبح غير موجود في هذه الحياة، عاد إلى حيث يجب أن يكون، أو ربما انتهى من الوجود أو أو أو…الخ، أفكار كثيرة سببها أن عقلي يكون في حالة رفض تام. حدث ذلك عندما توفى والدي وعندما لحقته والدتي بعد سنوات، حتى جدتي التي كانت كبيرة في السن لازلت أشعر أن الحياة لا طعم لها من دون زياراتي الأسبوعية لها. عندما يُغيّب القدر عنا من نحب نتقبل الأمر إذا كان ذلك الشخص كبيرا في السن كما هو الحال مع جدتي رحمة الله عليها، لكن أمي لم تكن كبيرة ولا حتى أبي، ربما لذلك رفضت لفترة وكان عقلي الباطن وكل مكونات اللاشعور فيه تساعدني أحياناً وأحياناً كثيرة تُزيدني حيرة. وأكون في حيرة أكثر عندما يختار الموت من هم في سن صغير وأتساءل لماذا جاؤوا إلى الوجود إذا كان مصير ذلك الشخص أو غيره الموت السريع مثل الطفل ذي الأشهر الذي يتوفاة الله بسبب قنبلة إرهابية أو تلك الفتاة الجميلة ذات الخمسة أعوام التي لم تستمتع بعد بطفولتها ولم تذق طعم المراهقة ولا لذة الحياة بكل تناقضاتها. حتى عندما يُقرر القدر أن يختار من هو في الثلاثينات من عمره أكون في حيرة، أعلم أن تلك هي مشيئة الله وذلك كان يومه إلا أنني أتألم وأتمنى أن اعلم أين هو الآن وماذا يفعل.

لقد غيب عنا الموت الشاعر السوري الجنسية العربي الأصل والخليجي الانتماء طلال بن عون، ذلك الشخص الذي عرفه الكثير وتعرفوا عليه من خلال برنامج شاعر المليون، الموسم السادس، عرفوه كشاعر سوري ألقى قصائد رائعة بالنبطي، لكنهم لم يتعرفوا على طلال الفيلسوف المفكر الكاتب الرائع عندما يكتب باللغة العربية الفصحى. كانت له كتابات تعبر عن مشاعره وأحزانه وتوجهاته في الحياة كان ينشرها تحت اسم “مذكرات ارستقراطي” وأحيانا “طلاليات”.

من يلتقي بطلال أول مرة يظن أنه مغرور ولا يحب مخالطة الناس، لكن عندما تتحدث معه بعمق تكتشف وتتعرف على شخصيته العميقة المختلفة عن الآخرين والمتناقضة في الوقت نفسه، وقد غرد قبل أسابيع من وفاته واصفاً شخصيته في كلمات قال فيها:

“متعجرف بطبعي وأحياناً ألين

وكل احتمالاتي تناسب فكرتي

قلبي بساتينه زهور وياسمين

مشتاق لأفراحي وماضي بسمتي”

الراحل طلال بن عون

(من مذكرات أرستقراطي)

التقيت بالمرحوم طلال أول مرة في برنامج شاعر المليون، ذلك الشاب الغريب الذي توحي شخصيته بأنه مختلف بطريقة متناقضة حتى عندما تقول قصائده شيئاً نظرات عينيه توحي بشيء آخر وابتسامته الغامضة ترمي لأشياء كثيرة تجعل منك تقف أمام شخصية غامضة يأبى أن يكون ظاهراً للآخر لسبب أو لآخر حتى وإنا كان هو يرتاح لذلك الشخص.

الحقيقة أنه لم يبهرني بقصائده النبطية بل ما أبهرني هو اختلافه فهو ذلك السوري الذي أكد بكل تصرفاته أن الشعب العربي يمكن أن يكون واحداً، كان يلبس الثوب الخليجي ويتحدث باللهجة الخليجية ويلبس الجينز ويتحث بطلاقة اللهجة السورية البدوية لكن بشكل قليل. أبهرتني أكثر كتاباته باللغة العربية الفصحى من خلال متابعتي له ومن خلال بعض القضايا التي تناقشنا حولها. كان متعمقاً في أطروحاته الفكرية بشكل استثنائي أحيانا لدرجة الفلسفة، وكنت أحيانا أخشى الدخول معه في نقاش بعض القضايا لأنني أعلم أنني سوف أخسر أمامه.

وعلى الرغم من انبهاري بفكره وفلسفته كنت أنزعج كثيراً منه عندما أرى نظرته السوداوية تجاه الحياة وعندما كنا نتحدث في هذا الخصوص ما كان يقبل أن يرى الحياة إلا من منظار الفناء والكآبة وما زاد نظرته السوداوية للحياة هي ظروف حياته فقد كان يقيم ويدرس في نيوزيلندا ولم يكن قد التقى بأسرته منذ اندلاع العنف في سوريا. وكانت له الكثير من الأبيات في الغربة والحزن وكان قد كتبها أياما قبل وفاته، منها:

“كن معنى غربتي وحشة ظلام ما يتشابه

يعرف منهو يخاوي الهم والحزن والمريب“

“وصرت أحس إني سؤال ما لقى لنفسه إجابة

أو حديث بداخلي مبعد وأنا أظنه قريب”

(مذكرات أرستقراطي)

لو كان القدر أمهله بضع سنوات لكان هو النسخة الأخرى من نزار قباني في قصائده عن الوطن والعروبة والرجولة وكانت له أشعار وأبيات وروائع تعبر عن حال الأمة العربية اليوم، فقد كانت صفحته على التويتر تشهد بحرقة دمه ومشاعره تجاه ما يحدث اليوم في العالم العربي، ففي خلال شهر أكتوبر الحالي وقبل أيام من وفاته قرأت له عدة تغريدات منها:

“لكل المتاجرين بالدم العربي

أيا كان

إن للدماء حرمة والأوطان كذلك

كفوا أيديكم عن تلك الجماعة وتلك الأحزاب

والتفتوا للمستقبل

انه مظلم..!!

“ما يحدث في العراق وسورية وتونس وليبيا ولبنان واليمن!!!

نفس الأسلوب نفس اللعبة نفس اللاعبين

لنفهم الدرس جيداً..!

“تكالبت الأمم

والصواريخ والمعارضون والكاذبون والصادقون

متسع من الأمل لكم جميعاً

أوقفوا تخريب أوطانكم وتهجير شعوبكم

وأحسنوا الظن بالوطن“

“كيفما تكون الأوطان

يتكون شعبها

احرصوا على الأوطان أيتها الشعوب“.

كان يرغب في أن يكون سعيداً لكن شيئاً ما كان يقف حاجزاً بينه وبين السعادة، حتى التفاؤل تمناه ونصح نفسه به، وكانت له تغريدة حول ذلك في شهر أكتوبر الحالي من مذكرات أرستقراطي:
متعجرف بطبعي وأحياناً ألين وكل احتمالاتي تناسب فكرتي قلبي بساتينه زهور وياسمين مشتاق لأفراحي وماضي بسمتي (من مذكرات أرستقراطي)

“كن متفائلاً لمرة واحدة

لن تخسر شيئاً..!!

صحيح كانت معرفتي بطلال قصيرة لكنني تعرفت على أعماق شخصيته من خلال حديثه عن المرأة والوطن. كان يبحث عن الوطن والأسرة والحياة في امرأة تكون هي الحبيبية والأم التي فقدها وأخته التي لحقها ووطنه الذي لا يعرف الطريق إليه. كان يبحث عن المرأة الاستثنائية وحتى عندما التقى بها كانت الظروف تقف عائقاً حقيقياً بينهما وأتوقع حتى لو أن الظروف كانت في صالحهما لوقف طلال بنفسه أمام سعادته، وكأنه كان يتلذذ بالألم. ربما لو منحه القدر بضع سنوات لاحتفينا بشاعر غزل استثنائي على الرغم من أنه مقل في هذا الجانب لكن له بعض الكتابات التي توحي أنه كان مختلفاً. من تغريداته وكتاباته التي أعجبتني في حبيبته المرأة الوطن:

“أنت ابتسامة لم تقع على شفاه أحد من قبل..!!”

“اشتقت إليكِ أكثر من اللازم“

“أأخبرك بما لا تعرفينه

أكتب الوجع على بياض الورق

خياليٌ فكري جداً

لقد حلمتُ بك

وتحققت

أني أحلم الآن

بالسلام!

(مذكرات أرستقراطي)

“أنت التهمة التي تليق بملف حياتي

وأنا البارود واشتعاله لحظة الاشتياق

أنت الكلمة الصادقة على شفاه السياسيين

وأنا الكذبة التي لم يصدقها أحد..!

“حين أحببتك لم يعد بمقدوري إعطاؤك إلا قلبي

لذلك توخي الحيطة والحذر

إنهُ مقبرة الذكريات!!”

كان يتمنى أن يعم العالم سلام حتى يطمئن قلبه ويرتاح لكن العالم خذله، وكانت له تغريدة وهي:

“والشعر يعكس واقعي في كلمتين

غريب في ذاتي وأعايش ظلمتي

يا واقع فيه البشر متخاصمين

متى السلام يمرني في دنيتي“

يُقال إن الذي يكون على وشك الموت يشعر بدنو وفاته وبقوة وهناك من يقول إنه يشعر بذلك أربعين يوماً قبل الوفاة. وكان طلال آخر ما قام به قبل عودته إلى نيوزيلاندا هو أداء مناسك العمرة. وكان قد سألني طلال ذات يوم كيف يواجه من أساء إليه وأذكر أنني طلبت منه أن يسامح لأن القدر سوف يقف بجانبه وسيرى عدالة السماء المتمثلة في الكارما، أي كما تُدين تدان، إلى أن قرأت له في صفحته على تويتر بتاريخ 3 أكتوبر أي قبل أقل من أسبوعين من وفاته هذه التغريدة:

“الله يحلل ويبيح كل من شتمني وقذفني وكل من سعى في مكر ليحبطني ويضيق علي سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك”

رحمة الله عليك يا طلال وغفر لك وأدخلك فسيح جناته.


استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

5