عزيزي المنتحر.. لحظة من فضلك

الاثنين 2016/05/23

عزيزي المنتحر.. ها أنت فجأة أو على حين غرّة تتخذ قرارك المؤلم بالانتحار. أغلب الظن أنك لم تستشر أحدا في هذا القرار الفجائي والفجاعي، وليس منتظرا منك أن تستشير أي أحد. مثل هذه القرارات المؤلمة عادة ما تُنسج بسرية تامة داخل حدود القفص الصدري. رغم ذلك أمامك لحظات قليلة باقية قبل أن تـدق لحظة الصفر. لحظات قد لا تعني أي شيء، وقـد لا تكفـي لأجل القيـام بأي عمل جدير بأن يكون مسك الختام، كأن تكتب رسالة وداع على ورقـة رثّة تضعها داخل علبة سجائر، أو تذهب لزيارة المكان البائس الذي وُلدت فيه وتفوح منه رائحة روث البهائم. لحظات قليلة قد لا تناسب مثل هذا الترف المجاني، لكنها تكفي للتأمل ولو قليلا. وهذا ما أدعوك إليه، التأمل في أي شيء، في كل شيء، أو حتى في لا شيء. لن يكلفك هذا الأمر جهدا جهيدا. لكن، من يدري؟ لعلك تكون قد انخرطت في تجربة التأمل بالفعل.

لذلك، دعني أرافقك في تأملاتك الأخيرة لبعض الوقت. أعرف أنها رفقة غير مناسبة الآن، لكني سأحاول ألا أكون ضيفا ثقيل الظل. آه نسيت أن أنبهك بما وجب التنبيه إليه، سأفترض بأنك تعيس الحظ بما يكفي لكي يصلك هذا المنشور قبل فوات الأوان، وسأفترض أيضا بأنك فاشل في كل أمورك، لدرجة أنك ستنسى بأن الأنسب لك أن تمزق هذه الرسالة قبل قراءتها. لكنك قد لا تكون فاقدا للثقة في نفسك إلى هذا الحد.. سأصارحك بالمناسبة، وأقول لك ليس هدفي أن أقنعك بتغيير طريقة تفكيرك التي قادتك إلى هذه الفكرة المذهلة، فكرة الانتحار. والحق يقال، لعل طريقة تفكيرك الآن هي الأنسب. وسأشرح لك. أي نعم، لا أريدك أن تغير طريقة تفكيرك أو تغير المنحى الذي أنت سائر نحوه. كل ما أريده منك أن ترفع إيقاع التفكير دون أن تغير الاتجاه. وفي كل الأحوال، طالما أنك اخترت الموت سلفا فليس لديك ما تخشاه أو تخشى عليه. ما عساني أقول لك؟ لا شك أن دقات قلبك تتسارع، ومستوى الإحساس بالأشياء يتقلص، وطاقتك الحيوية توشك على النفاد، ووعيك آخذ في الانسحاب من هذا العالم. أنت الآن كالشبح اللامرئي داخل وجود شاحب بلا ألوان، وكل ما تأمله أن تحظى بموت مرئي. أما الآخرون، كل الآخرين، فليسوا أكثر من موجودات جامدة ناكرة للجميل، وتستحق أن تحمل شعورا بالذنب يقض مضاجعها أبد الدهر.

أليس هذا ما تسعى إليه بانتحارك؟ بهذا المعنى فأنت محق، ستوجه لأهلك ضربة موجعة بالفعل. لكن، ويا للمفارقة، فأنت لن توجع إلا من أحبوك بصدق، أما من كان حبهم خافتا باهتا فلن ينالهم شيء من عقابك. هل يستحق الذين أحبوك بإخلاص مثل هذا الجزاء منك؟ قد تعاند وتكابر فتقول هذا بالتمام ما أبحث عنه: أن أجرح من أحبوني لأنهم لم يحبوني كما ينبغي. أنت تنسى بأن من لم يحبك كما ينبغي لن يتألم كما ينبغي. فما الجدوى؟ رغم هذا لا أريدك أن تجيبني، لست مستعجلا، إذ لا يزال أمامنا بعض الوقت. على رِسلك عزيزي. لنواصل. في الواقع لا أطلب منك أن تتراجع، بل أريدك أن تتقدم في طريقة تفكيرك فترفع السقف قليلا.

سأساعدك، سأختصر المسافات وأفترض بأن قرارك نهائي وغير قابل للمراجعة. الملاحظ، وتبعا لخبرتي في الحياة، فإن الأشخاص الأذكياء مثلك هم الأكثر عرضة لرهافة الحس وهشاشة النفس وشقاء الوعي من غيرهم. ولأنهم كذلك، فإنهم عندما يقررون الانسحاب من الحياة لا يتلاعبون بالمشاعر، بل ينسحبون بالفعل. أبعد من هذا، سأعترف لك بأننا في بعض الأحيان قد نحتاج إلى شيء من الغباء حتى نقتنع بالبقاء على قيد الحياة. ها نحن نعتبر الحياة قيدا، أي أنها مجرد قيد، فيا للهول! لذلك سأحاول أن أقنعك بشيء أقل تواضعا، أن تمنح لنفسك فرصة أخيرة للتأمل، بكل ما يعنيه مصطلح التأمل، في هذا العمل العجيب الذي ستقدم على فعله، الانتحار. هل تريدني أن أقنعك بحساب الربح والخسارة؟ في كل الأحوال، سيجعلك التأمل تسمو فوق الألم الذي تشعر به منذ الآن، والذي سيتعاظم أثناء التنفيذ. لكن، هناك مكسب آخر: أن تتحرر منذ الآن من ضغط الانفعالات. هذا لا تريده. أشعر بذلك. فلنتركه الآن جانبا ونرى الأمور من زاوية أخرى.

لن أطلب منك التراجع، وذلك لسبب بسيط، أننا لا نعرف باسم ماذا يحق لنا أن نلزمك بالبقاء على قيد الحياة. الأمور هنا غير واضحة. لا سيما وأن الحياة مملة بالفعل. وغالبا ما نحتاج إلى اصطناع معارك وهمية فقط لأجل كسر الملل. بل هناك من هو مستعد لأن يخسر كل شيء فقط من أجل أن يحاول كسر الملل. واضح أننا في معركة شرسة ضد الملل. لكنها معركة لسنا ملزمين بخوضها. إذ بوسعنا طلب الإعفاء والانسحاب كما تحاول أن تفعل أنت الآن. سأتصور بأنك ذكي وستفضل الانسحاب بشرف. كيف؟

أمامك أسلوبان لتنفيذ قرارك الأخير: الأسلوب الأول، أن يكون مشهد النهاية مثيرا للاهتمام، ومن ثمة تحظى بأقصى مظاهر الشفقة والأسى من طرف الآخرين، فتجعلهم يشعرون بالذنب لأنهم أهملوك، أو لأنك تعتقد بأنهم أهملوك. هذا المشهد يغريك، ومستعد لأن تدفع حياتك ثمنا له. دعني أعترف لك بأن النتيجة التي تسعى إليها مضمونة في هذه الحالة. أي نعم، ستعيش نشوة التعاطف الدراماتيكي المشفوع بالشفقة والأسى من طرف الآخرين الذين خذلوك ولم ينتبهوا لوجودك عندما كنت تتوسل انتباههم وتستجدي اهتمامهم. وصدقا فإن أقسى شيء على المرء ألا يكترث الآخرون بوجوده، وأن يمر بينهم كأنه لا شيء. وبكل تأكيد، في حالة تنفيذ قرارك بالانتحار ستكون الإثارة صادمة وعنيفة بالفعل. لكن، لأنها كذلك فسرعان ما سيلقي بك الناس في بئر النسيان ولسان حالهم يقول لقد أزعجنا هذا التافه من أجل لا شيء. بعد ذلك ستستمر الحياة على حالها، وستظل الأرض تطوف بسرعة القذيفة حول الشمس دون أن تكترث بأخبار الحمقى والمغفلين.

الأسلوب الثاني، وأتصور بأنك ذكي وعملي وكريم النفس ومن ثمة ستفضله، أن يكون العبور إلى الموت هادئا، صامتا، سريعا، أقل إيلاما، وبلا حاجة إلى أي شكل من أشكال الإثارة. في هذه الحالة سيكون قرارك أكثر شجاعة وجديرا بالنقاش.

والآن، لكي نمر إلى السرعة النهائية، سأتصور بأنك شخص نزيه بما يكفي بحيث لا تريد أن تمنح لانتحارك أي غلاف ديني كيفما كان نوعه، ولا أي غلاف أيديولوجي كيفما كان لونه. تريد أن تنتحر وجها لوجه أمام القدر دون أي قناع كاذب أو مخادع. سأتصور أيضا أنك لستَ جبانا بحيث تسوق معك إلى الموت العشرات من الناس بلا ذنب لهم سوى أنك لا تريد أن تمضي بمفردك. لكل هذه الأسباب ستفرض علينا أن نحترمك. بل، سأذهب إلى أبعد من ذلك. سأعترف أن لك الحق، كل الحق، في أن تنصرف من هذه الحياة متى شئت، بهدوء وسلام، سواء لسبب أو دون سبب. هذا حقك المطلق. بل، لا أملك ولا يملك غيري أي حق في إرغامك على البقاء بيننا. وإلا فمن أين يمكننا أن نستمد هذا الحق؟ من أين يستمد شخص ما الحق في إرغام شخص آخر على عدم مغادرة هذه الحياة؟

هل هذا يعني أني منحتك تأشيرة الانتحار؟ ليس بعد، للكلام بقية؛ إذا كنت عازما على الانتحار فهذا حقك بلا شك، لكن، لأن مغادرة الحياة حقك المطلق، وحريتك الأخيرة، فأنا لا أريدك أن تضيع هذا الحق، بل أريدك أن تحتفظ به لأبعد مدى ممكن، أن تحتفظ به طول حياتك. واضح أن الأمر يتعلق هنا بحق فريد من نوعه، حق نضيعه حالما نمارسه. أليس كذلك؟ لأجل ذلك، لأجل كل ذلك، لديّ الحق في أن أقول لك: توقف الآن.

انتحارك سيؤلم بعض الناس بعض الوقت، هذا مؤكد، لكن، سرعان ما تجف الدموع، وسيرميك الأهل في بئر النسيان، ثم ينصرفـون إلى مشاغلهم اليومية. كل الغائبين سينتظرهم الآخرون. أما أنت فلا أحد سينتظرك. لا مكـان لانتظارك. فـي الأخير، ستمضي أيام وتأتي أيام، وسيدرك الأحبة بأن ما فعلته لم يكن أكثر من ابتزاز عاطفي مجاني، وعلى الأرجح بأنك شخص لئيم.

الآن، هل مازلت عازما على الانتحار؟ القرار قرارك.. أما أنا فذاهب إلى السوق لشراء الباذنجان. آه، لقد نهاني الطبيب عن الباذنجان المقلي، لكني أحبه.

كاتب مغربي

9