عزيز نيسين ورئيس"الدولة" الذي أكل مواطنيه

الأربعاء 2015/06/10

صفحات من الوحشية والقسوة دوّنت في التاريخ من خلال شخصيات وحكام اتخذوا من نفوذهم تصريحا لتعذيب شعوبهم وإذاقتهم ويلات الظلم والقهر، ولعل حارق روما “نيرون” الإمبراطور الرومانى، أحد تلك الأمثلة التي طالما تداولناها، وصار رمزا لوحشية الملوك والرؤساء، وبات اسمه يطلق على كل دكتاتور متوحش.

في العصر الحديث، شهدت البشرية فظائع تختلف في الشكل عن “حريق روما” أما في المضمون فإننا رأينا وحشية وهمجية تفوق نتائج حريق روما، إذ أن عدد ضحايا نيرون لم يتجاوز الآلاف من البشر، أما نظراؤه في العصور الحديثة، فقد أزهقوا أرواح مئات الألوف، وبلغ ضحايا “بول بوت” الزعيم الشيوعي الكمبودي، مليون إنسان على الأقل.

من وحي تلك الفظائع، وفي سبيل الكشف عن الويلات التي تلحقها بالإنسان، ذهب الفن العالمي لإبراز ما قام به الطغاة، ولجعله درسا تحذيريا للشعوب، حتى تصنع مستقبلها على نحو بعيد عن الطغيان، والمساهمة في ازدهار إرادة الحرية، فأنتج الإبداع العالمي تمثيلا فنيا للتاريخ، في الصورة والنحت والمسرح والسينما والرواية والشعر وغير ذلك.

غير أن السلطة عبر التاريخ، استمرت في إنتاج الفظائع من الوحشية والهمجية والاضطهاد. ولا نزال نشهد ذلك في أكثر من بلد، ومنها، وربما في مقدمتها بلدان عربية كثيرة. وبتأثير من هذه الحقيقة، وفي تصعيد فني للمخيلة الأدبية، أنتج الأديب التركي الساخر عزيز نيسين قصة ساخرة، لكنها تحمل دلالات على المدى الذي يمكن أن يصل إليه الطغاة.

قرأنا الكثير عن طغاة يذبحون الشعوب، أو يتركون أجساد المئات تتفسخ وتتعفن داخل الزنازين، وتدمير مدن وإحراقها على طريقة نيرون، لكننا لم نشهد “دولة الراحة”، التي تخيلها الكاتب المبدع عزيز نيسين.

هل يتخيل أحدكم رئيس دولة “يأكل مواطني البلد”؟ إنها الدولة التي بناها نيسين في قصته “دولة الراحة”. فالرأس فيها “الرئيس″، يردّ على مواطنيه الذين ضاقوا ذرعا بالدخان الأسود وهو يغطي كل سماء المدن، فيطلب منهم عدم الضجيج حتى يأخذ راحته، ويتفرغ لتخليصهم من سخام المدن الخانق.

وحدث أن قتل الدخان الزرع والمحاصيل فلم يبق طعام للناس ولا للرئيس، وحتى يأخذ راحته لا بدّ أن يأكل حتى يعيش. وحصته كل يوم اثنان من المواطنين، هكذا حتى يأكل أهل البلد جميعهم. عند ذلك يبدأ بأكل وزرائه، فأولاده ثمّ إخوته، ليصل إلى أكل قطع جسده أولا بأول، من القدمين حتى الكتفين، ولا يبقى من “الرئيس″ سوى “الرأس″. يموت هذا الرأس، ولا يعثر الباحثون عن مقابر جماعية أو مدافن رسمية، لأي أثر في البلاد لبشر كانوا هناك، غير رأس الرئيس، الذي قضى على الدولة والتهم كل مواطنيها.

وتقول القصة إن الشخص الوحيد الباقي من الدولة، دوّن في مذكراته التي حصل عليها الباحثون، أن الدخان الأسود، منذ البداية، مصدره فم الرأس- الرئيس.

ألم نسمع رؤساء يقولون لشعوبهم وهي تنتفض عليهم “ارحلوا عن البلاد”، وأنا أستطيع استيراد شعب “يليق بدولتي”؟ إلغاء وإفناء الشعب كما يجري في وقائع الاستبداد، هو مثل الرأس “الرئيس″ الذي أكل مواطنيه، لأنهم طالبوا بتنظيف فضاء مدنهم من الدخان الأسود.

في الشكل الذي أتت به قصة عزيز نيسين، والحبكة التي نسج بها قصته، خيال يبتعد عن الاحتمال الواقعي. أما في المضمون لفكرة القصة والرمزية التي تقصد الطغيان، فهي تعبر عن واقع الاستبداد في بلادنا. ولننظر إلى “دول الراحة” التي نعيش فيها بيوميات أفظع وأبشع من “دولة الراحة” التي تخيلها الأديب التركي الساخر.

ومنهم من هو أبشع من نيرون الذي راح يتمتع بمشهد روما وهي تحترق، مغنيا أشعار هوميروس من فوق خشبة مسرح روما. وحجته كانت “إعادة تخطيط بنائها بشكل مختلف”. وهناك من يجيب اليوم شارحا تدمير الطاغية للمدن: بأنها ضرورة لإعادة التنظيم العمراني. وهو ما لم يرد على بال عزيز نيسين.

كاتب من فلسطين

14