عز الدين المناصرة.. ثم قلبت الطاولة على رؤوسهم!

الأحد 2014/01/05
أثير جدل كبير حول علاقته بمحمود درويش

الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة ، رائد التوقيعة الشعرية ، الذي خبر وعاش كل أنواع المآسي التي عاشها شعبه الفلسطيني في المنافي ومخيمات اللجوء، ما انعكس في شعره كما تنعكس ظلال الأشجار الوارفة على صفحة الماء العذب. المناصرة الذي يقول ويثبت أنه صديق محمود درويش الوفي على الرغم من كل اللغط الذي شاب علاقتهما كشاعرين في مرحلة واحدة، ومن نفس المنبت الفلسطيني الذي أخرج للعالم عديدا من المبدعين في شتى مجالات الفنون والآداب. التقته جريدة العرب للوقوف على حقيقة علاقته بالراحل الكبير محمود درويش.


* يتهمك البعض بأنك ناصبتَ العداء لمحمود درويش أثناء حياته، وأنك متأثر به في بداياتك الشعرية.


هذا الكلام غير صحيح أبداً، ولا يقوله سوى بعض الجهلة بتاريخ تطور الشعر الفلسطيني الحديث. (درويش) حسب معظم النقاد المحايدين هو من تأثر بقصائدي قديما وحديثا، والأدلة النقدية موجودة في بطون الكتب العلمية النقدية. لكن سلطة السلطة، وسلطة وسائل الإعلام هي التي سطت على الحقيقة وأخفتها. كما أن جهل وجبن بعض النقاد ساعد في ترسيخ هذا الكلام الزور.

والحقيقة هي أنني أُمثّل (مدرسة شعرية مختلفة)، فقد كنت شريكا لدرويش منذ عام (1964) في تأسيس الحداثة الشعرية الفلسطينية وتطويرها لاحقا. وهناك من هم على قيد الحياة من يتذكرون أن محمود درويش طيلة (المرحلة اللبنانية) كان يقرأ لي قصائده في جلسات خاصة قبل نشرها، وكان يأخذ بملاحظاتي على قصائده.


* لكنك وجهت له نقدا لاذعا في الألفية الجديدة قبل وفاته؟


كثيرٌ من النقاد العرب كانوا يقولون لي: أنت تهاجم المثقفين المطبّعين العرب مثل: (علي سالم، وبوعلام صنصال)، لكنك تسكت حين يذكر بعضهم أن (محمود درويش، وإدوارد سعيد) بالتحديد غارقان في التطبيع حتى الأذنين! وكان جوابي دائما: إذا مارس درويش وسعيد، التطبيع مع العدو فأنا أدينهُ أيضا.


* هناك حادثتان تم اتهامك فيهما بأنك كنت وراء إثارتهما في الوسط الثقافي هما: قصة البيان – وقصة ندوة (أثر التوراة في الشعر العربي الحديث). ما الحقيقة؟


هناك صبية يكتبون الأدب ويتعاملون مع الأجهزة (الغامضة) هم من أشاع ذلك، ولا علاقة لي بالأمرين لا من قريب ولا من بعيد.

وهناك مجموعة من كتاب قصيدة النثر، ذوي الميول التطبيعية زاروا (رام الله) في مطلع الألفية الجديدة، وكان محمود درويش هناك. صدر بيان في مكان ما من العالم العربي يدين الزيارة، ويلمّح تلميحا إلى الميول التطبيعية لدى (بعض) هؤلاء الشعراء، علما بأنّ بعض هؤلاء أصلا من أصدقائي الشخصيين.

وكنت آنذاك في زيارة لبيروت. ففوجئت بشائعة تقول بأنني أقف وراء البيان، ولم يكن ذلك صحيحا، وأعرف من يقف وراء البيان، ولا أستطيع ذكر اسمه، لأنه رحل عن دنيانا.

أنا مع الشعب السوري، والأرض السورية، وهي جزء من عقيدتي الشخصية، ومع وقف نزف الدم السوري، ومع الإصلاح

الديمقراطي الجذري

بالشكل الذي يقرره الشعب السوري

الحادثة الثانية هي على النحو التالي: دعت الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين لعقد ندوة بعنوان (أثر التوراة في الشعر العربي الحديث)، فأشاع أصحاب نظرية المؤامرة بأن من يقف وراء فكرة عقد هذه الندوة هو (المناصرة). والصحيح أنه لا علاقة لي بهذه الندوة لا من قريب ولا من بعيد. فأنا لست عضوا في رابطة الكتاب الأردنيين منذ عام (1997)، ورغم أنني مؤسس هذه الرابطة (عام 1973)، إلا أنني لم أكن عضوا فيها إلا في الفترة (1992-1997)، لأسباب لا مجال لشرحها. والمفارقة هي أن الندوة لم تعقد أصلا، حيث قيل إن هدف (المناصرة) من عقدها هو (تشويه محمود درويش). ويعلم الله أنني لم أكن أعرف بهذه الحادثة إلا بعد نصف عام من حدوثها. ولله في خلقه شؤون.باختصار: لم يكن لي أي خلاف مع درويش، بل كنا صديقين حميمين منذ عام 1973 حين التقيته لأول مرّة في (مقر دار العودة للطباعة والنشر) في بيروت وحتى وفاته، لكن المرحلة الأكثر حميمية في علاقاتنا هي (المرحلة اللبنانية)، حيث أستطيع أن أجزم بأنه لم يكن له صديق من بين الشعراء (الفلسطينيين) كلهم آنذاك سوى شاعرين صديقين هما: (المناصرة، وبسيسو): كنا نأكل ونشرب معا. ونتفق ونختلف في نقاشات سياسية طويلة، ونقاشات شعرية. أما في المرحلة الباريسية، فقد التقينا مرّات عديدة حيث كنت أعيش في (الجزائر). كذلك التقينا عشرات المرّات في منزله بعمّان قبل رحيله، واتفقنا في الشعر ومفاهيمه وماهيته دائما، وكنا نختلف في السياسة.


* استشهدت أكثر من مرّة بأن (ياسر عرفات) كان يصفك بلقب (المُتطهّر الثوري)، وكان يستشهد بمصطلحك (أخلاق المنفى).. ألا يضعك هذا في خانة الغرور، والنرجسية؟


لماذا تستكثرين قول ذلك علي!! قد تفاجئين حين أقول لك، لم أكن آنذاك (السبعينات) أشعر بالارتياح لمصطلح (المتطهر الثوري)، بل كنت أعتبره سلبيا. أما مصطلحي (أخلاق المنفى)، فقد ردده عرفات بعد أن قرأ حوارا معي في (جريدة أنوال) المغربية عام 1983، وكان مقتنعا جدا بصحته.

وأضيف: ذات مرّة هاجمني عرفات دون أن يسميني في خطاب له في جامعة بيروت العربية، بسبب جملتي التي نشرها الفدائيون على حيطان بيروت: (دمُنا ليس نفطا)، ولهذه الجملة قصة طويلة. وعندما عرض عليّ (عرفات) أن أكون (مستشارا ثقافيا) له، عام (1977)، رفضتُ ذلك.


* أنت متهم بإثارة المشاكل، وهذا أثّر بشكل ملحوظ على حياتك المعيشية: (فُصلت مرّتين من عملك في جامعتين). وهذا من وجهة نظري ليس أمرا إيجابيا في سيرتك الذاتية.


أترك للقارئ أن يقول حكمه العادل، سواء كنت مخطئا أم مصيبا، أما أنا فأفخر بموقفي بهاتين الحادثتين: حادثة فصلي من جامعة قسنطينة الجزائرية عام 1986: كنت أستاذا في هذه الجامعة للأدب المقارن. فوجئت بسلسلة من المقالات تهاجم ديواني (الخروج من البحر الميت) الصادر عام (1969)، وصلت إلى حوالي سبعة مقالات متوالية نشرتها ( جريدة النصر الجزائرية)، كتبها (أفغان جزائريون)، اتهموني فيها بالماركسية و(الديمقراطية!!)، والشعوبية. ولم أردّ عليها بكلمة واحدة. لكنني فوجئت بنفس الشهر بأنّ (الشيخ: م.غ) يخطب ضد نفس الديوان الشعري في (مؤتمر: الأدب في عالم اليوم) وهو مؤتمر دولي. ولم أردّ على الشيخ بأية كلمة. لكن أصدقائي من الكتاب الجزائريين ردوا عليه. فوجئت بأن رئيس الجامعة وجه لي قرارا بفصلي من الجامعة، لكن (عبد الحميد ابراهيمي) رئيس وزراء الجزائر آنذاك، أرسل إلى رئيس الجامعة قرارا يعترض فيه على قرار الفصل، مع هذا قال لي رئيس الجامعة حرفيا: (لا نستطيع حمايتك من الأفغان الجزائريين). تفاصيل هذه الحادثة وأسرارها نشرت في (جريدة الشروق الجزائرية) بتاريخ (29/6/2004).


* وما هي الحادثة الثانية؟


الحادثة الثانية وقعت في صيف 1995 في عمّان، عندما كنت (عميدا لكلية العلوم التربوية في الأنروا)، أي وكالة الغوث الدولية، التي تمنح درجة البكالوريوس في بعض التخصصات. اكتشفت أن هذه المؤسسة مليئة بالفساد، وكنت أقاوم بصبر أيوب، وذات يوم من عام 1995، زعموا أن تكاليف الكلية المالية عالية واتخذوا قرارا بإغلاق الكلية فعلا لا قولا تحت ذريعة (نقص الأموال) في ميزانية الوكالة. فاوضتُ رئاسة الوكالة عدة مرات وأثبتُّ لهم قلة تكاليف الكلية، لكنهم ظلوا مصرّين على قرار الإغلاق، عندئذٍ قلبت الطاولة على رؤوسهم. وكل ما فعلته هو (الاحتجاج العلني) في الصحف على القرار. وخرجت مظاهرات شعبية بعمّان تؤيد موقفي، عندئذٍ اتخذ المفوض العام التركي (آلتر توركمان) للأنروا في (فيينا)، حيث مقر الأنروا قرارا (بفصلي، والتراجع عن قرار الإغلاق). المفارقة المضحكة أن (توركمان) فصل من عمله كرئيس لوكالة الغوث الدولية بتهمة (الفساد) بعد ستة أشهر فقط.


* أنت متهم بأنك عدو لرابطة الكتاب الأردنيين. والدليل القاطع هو أنك رفضت أن يتم هذا الحوار في مقر الرابطة وقلت لي: (أنا لا أدخلها).


أنا مؤسس هذه الرابطة عام 1973، ولكن رئيس الرابطة تحالف عام (1997) مع علي عقلة عرسان (رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا) من أجل (تجميد عضوية فلسطين) في اتحاد الكتاب والأدباء العرب، عندئذ أصدرت بيانا اعتراضيا على قرار رئيس الرابطة، ولما لم يتراجع، اضطررتُ للاستقالة آنذاك وما زلت مستقيلا، لكنني أتعاون مع الرابطة بين الحين والآخر. المشكلة هي ارتباك موقف الرابطة في (الموضوع السوري) المليء بالتناقضات. أما موقفي الشخصي فهو على النحو التالي: أنا مع الشعب السوري، والأرض السورية، وهي جزء من عقيدتي الشخصية، ومع وقف نزف الدم السوري، ومع الإصلاح الديمقراطي الجذري بالشكل الذي يقرره الشعب السوري. وضد الاستقواء بالأجنبي من قبل أي طرف كان. المهم هو عودة العقل الغائب.


* (11) ديوانا شعريا، و(25) كتابا في النقد الأدبي، والتاريخ، والفكر.. وقد صدر عن تجربتك الشعرية (30 كتابا نقديا) في العالم العربي. مع ذلك هناك من يتهمك بـ (الجفاف الشعري).


خليل حاوي، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي مثلا، أصدر كل واحد منهم (ستة دواوين فقط)، ومع هذا فهم من روّاد الشعر الحديث. لا أعتقد أن بدر شاكر السيّاب رائد الشعر الحديث قد أصدر (كمّيا)، أو (نوعيّا) أكثر مني، والمسألة لا تتعلق بالكثرة أو القلّة، بل بالخصوصية، وقد أقرّ النقاد بخصوصية تجربتي الشعرية.


أجرت الجلسة في عمّان: وداد جرجس سلُّوم

16