عسر توحيد المعارضة الجزائرية

الخميس 2017/06/08

في هذا الأسبوع دعا رئيس الوزراء السابق والأمين العام حاليا لحزب طلائع الأحرار علي بن فليس مجددا أحزاب المعارضة الجزائرية إلى اليقظة وإلى توحيد رؤيتها للوضع السياسي الراهن وصرح بأن “هناك مشاورات ستنطلق بين أحزاب المعارضة”، لكنه لم يحدد تاريخ إجراء هذه المشاورات ومضمون برنامجها وأسماء الأحزاب التي ستشارك فيها.

فماذا يريد بن فليس من وراء هذه الدعوة؟ وهل يستطيع هذا الرجـل، الذي كـان في الماضي القريب أحد الأحصنة القـوية التي راهن عليها النظـام لتسويق سيـاساته وفرض هيمنته، أن يقنع تشكيلات أحزاب المعارضة الأخرى بأن توحد سلوكها تجاه النظام الحاكم وأحزابه؟

ينبغي تسجيل ملاحظة وهي أن تحرك بن فليس، في هذا الوقت بالذات، هو رد فعل على الهـزيمة السـاحقة التي منيت بها أحزاب المعارضة التي شـاركت في الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرا وخرجت منها خالية الوفاض، علما أن حزبه قد التزم بوعد عدم المشاركة فيها لسحب المصداقية منها، وهنا نتساءل هل يمكن أن تنجح دعوة بن فليس وأن تؤدي إلى تدارك أحزاب المعارضة لأخطائها السابقة المتكررة، وأن تشرع في لم شملها وتجاوز تناقضاتها وطموحاتها الفردية، أم أنها ستبقى انفعالية ومتباينة حينا ومشتتة حينا آخر؟ وهل يمكن أن تقفز هذه الأحزاب على الأثر السلبي الذي خلَفه فشل تنسيقية المعارضة التي شكلتها منذ عدة شهور ولكن سرعان ما تبخرت التفاهمات التي تمخضت عنها مباشرة قبيل الدخول في الانتخابات التشريعية؟

بعد كل ما حدث ما الذي يجمع الآن بين هذا العدد الضخم من الأحزاب المدعوة معارضة والتي تفتقد إلى رأسمال أساسي متعدد الأبعاد وهي توحيد الموقف الاستراتيجي والمبدئي من النظام الحاكم ومن أحزاب الموالاة، ووحدة الصف، وبناء الرصيد الشعبي الكافي على مستوى الجزائر العميقة.

لا شك أن عدم توفر أبعاد هذا الرأسمال لدى أحزاب المعارضة هو الذي شل إمكانية بروز تكتل أحزاب المعارضة كقوة سياسية فاعلة لها حاضنة شعبية تقيم علاقة تفاعل مصيري تمكنها من فتح ثغرة في جدار النظام الحاكم وأحزابه التي بقيت على مدى سنوات طويلة تتحكم في البنية الكلية لمراكز صنع القرار في الرئاسة والجيش والأمن بما في ذلك البرلمان والحكومة والمجلس الدستوري، وكل مؤسسات الحل والربط في المحافظات وكذلك وسائل الإعلام التي تصنع الرأي العام الوطني.

وفي الحقيقة فإن صنع تكتل المعارضة الحزبية في الفضاء السياسي الجزائري ليس بأمر سهل، لأن المشكلة الأساسية في الحياة السياسية الجزائرية، منذ السماح بالتعددية الحزبية إلى يومنا هذا، تتمثل في أن المعارضة الجزائرية لم تتشكل نواتها الصلبة في الفضاء الشعبي كقوة مضادة، بل هي بنت شرعية للنظام الحاكم أي أنها قد ولدت بين أحضانه وبتحريك منه.

إن جبهة الإنقاذ الإسلامية، مثلا، قد شكل النظام الجزائري بذراتها الأولى في صورة عناصر إسلامية ضد الحركة الثقافية واللغوية الأمازيغية وضد الحزب الشيوعي الجزائري الذي كان يعمل في السر.

وأكثر من ذلك فإن جزءا مهما من العناصر الأصولية الإسلامية البارزة التي صار لها نفوذ داخل جبهة الإنقاذ أو في تشكيلات حزبية إسلامية أخرى يخرج من المعاهد الإسلامية التابعة لمنظومة التعليم الأصلي التي أنشأها ورعاها النظام الجزائري وجعلها مستقلة عن منظومة التعليم العادي خاصة في عهد الوزير الراحل مولود قاسم نايت بالقاسم، مؤسس تقليد الملتقيات الإسلامية الجزائرية الشهيرة التي كانت تستقطب المثقفين والفقهاء والأيديولوجيين الإسلاميين العرب وغير العرب.

لا شك أن من يدرس خلفية وطرق إنشاء النظام الجـزائري للتعددية الحزبية بعد إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية يدرك أن ولادة ما نسميه اليوم بأحزاب المعارضة لم تكن بمنأى عن أساليب النظام في سعيه لتحقيق الهيمنة وتسويغ الشرعية له ولمؤسساته التي تتحكم في البلاد.

إن دراسة هذه الخلفية هي أكثر من ضرورية للإجابة عن السؤال الملح وهو لماذا لم تبرز في الجزائر أحزاب راديكالية خارج عباءة النظام ولها برنامج فكري وعملي نابع من العلاقة العضوية مع الضمير الوطني الشعبي؟

كاتب جزائري

9