عسكرة الذكاء الاصطناعي تمهد الطريق للحروب "الناعمة"

أسلحة ذكية قادرة على اختيار أهدافا معينة وتشتبك معها دون الحاجة إلى تدخل من العنصر البشري، بحيث يتم إحلالها محل الجندي شيئا فشيئا.
الأحد 2018/03/11
الأسلحة وجه سلبي للذكاء الصناعي

واشنطن - يمثل تطوير أسلحة بتقنيات الذكاء الاصطناعي مضمارا جديدا تتسابق فيه القوى العسكرية المؤثرة في العالم، لتصبح الغلبة في معارك المستقبل لمن ينجح أكثر في تطبيق هذه التكنولوجيا في ساحات القتال.

ووقعت غوغل عقد شراكة مع وزارة الدفاع الأميركية لعسكرة الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم الآلي  في خطوة يرى من خلالها الخبراء أن استثمار الخوارزميات والحوسبة السحابية قد يفتح السباق بين الدول على امتلاك الأسلحة الذكية التي ستجعل من أسلحة فيلم “ترمينايتر واقعية” لا تمل من القتل.

والأسلحة الذكية ستكون قادرة على أن تختار، حال تشغيلها، أهدافا معينة وتشتبك معها دون الحاجة إلى تدخل إضافي من العنصر البشري، بحيث يتم إحلالها محل الجندي شيئا فشيئا.

ويأمل المسؤولون عن التسليح في الولايات المتحدة أن تتم الاستفادة من تطوّر أنظمة الكمبيوتر الذكية، وتسخيرها للاستجابة بشكل آلي لظروف المعركة، واتخاذ قرارات معينة ضمن القواعد التي يضعها المبرمجون لها.

وتعمل غوغل سرا مع البنتاغون من أجل مساعدة أسطوله المكون من 1100 طائرة دون طيار على رصد الصور والوجوه والأنماط السلوكية، وتخطط الشركة العملاقة في مجال التكنولوجيا لتطوير الذكاء الاصطناعي بهدف تحليل لقطات الطائرات دون طيار.

 

على الرغم من أن الانتشار الواسع للهجمات الإلكترونية المقادة بالذكاء الاصطناعي لا يزال بعيدا قليلا كما يتوقع خبراء التكنولوجيا، إلا أن الدول بدأت تخطط وتتنافس على ملكية أسلحة ذكاء اصطناعي ستكون قادرة على ترجمة المعارك في فيلم ترمينايتر إلى الواقع. المخاوف من هلاك البشرية تزداد مع تطور الأسلحة الذكية، لكن البعض لا يستبعد أن توقع الدول على اتفاقية مقترحة باسم "اتفاقية جنيف الرقمية" للحد من النزاعات المقادة بالذكاء الاصطناعي

وذكرت وكالة أنباء “ذي انترسبت”، أن الهدف النهائي للشراكة هو تحسين الأداء القتالي من خلال مكننة عملية صنع القرار في تحديد مكان المقاتلين واستهدافهم.

وتأتي هذه الشراكة ضمن مشروع “بروجيكت مافن”، الذي انطلق بتاريخ 26 أبريل 2017، بهدف استخدام تقنيات متطورة قائمة على خوارزمية لمجابهة تزايد “المنافسين والخصوم”.

ووفقا لمذكرة البنتاغون، فإن هدف المشروع هو تسريع عملية استخدام البيانات الكبيرة والتعلم الآلي معا خلال حالات القتال وتسريع عملية تحليل البيانات التي تم جمعها. وقد وقع نائب وزير الدفاع السابق روبرت وورك على هذه المبادرة.

وقال روبرت وورك “التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي والنظم المستقلة المحسنة بشكل كبير يشير إلى تطبيقات جديدة أكثر رواجا بالحروب، تشمل التعاون بين الإنسان والآلة والفرق القتالية”، في حين أعرب عدد من العلماء والمنظمات عن مخاوفهم جراء تطوير الأسلحة المستقلة بصورة كاملة، ودعا بعضهم إلى فرض حظر على تطويرها واستخدامها.

وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها غوغل بالعمل مع البنتاغون، حيث أن الرئيس التنفيذي السابق للشركة الأم لغوغل “ألفابيت”، إريك شميت، ترأس “المجلس الاستشاري للابتكار الدفاعي، تحت إدارة أوباما.

وأثار هذا المشروع غضب بعض موظفي غوغل بشأن مشاركة التكنولوجيا مع الجيش، في حين قال آخرون إن المشروع يثير أسئلة أخلاقية حول التعلم الآلي.

وقالت متحدثة باسم الشركة لوكالة بلومبرغ، إن غوغل تشارك تقنيات البرمجة العالية مع الجيش لـ”الاستخدامات غير الهجومية فقط”، موضحة أن “الاستخدام العسكري للتعلم الآلي يثير بطبيعة الحال المخاوف، ونحن نناقش هذا الموضوع الهام داخليا ومع الأطراف الأخرى”.

ويرى خبراء التكنولوجيا أن مثل هذه الخطوة ستزيد من تنافس الدول وخاصة روسيا والصين والولايات المتحدة على تطوير أسلحة الذكاء الاصطناعي لتحقيق التفوق العسكري وبناء جيوش بجنود آلية وأسلحة التحكم الذاتي فيما يشبه الحرب الباردة التي جرت في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، حيث سعت كل من موسكو وواشنطن لامتلاك أسلحة نووية كافية لقتل سكان العالم لعدة مرات.

ونظرا لفاعلية أسلحة الذكاء الاصطناعي وتكلفتها المنخفضة ستفتح الطريق أمام معظم الدول لبناء جيوشها والتسلح بالجنود الآليين، وأجهزة التحكم الذاتي.

ومن المتوقع أن تنخفض تكلفة أسلحة الذكاء الاصطناعي، ما يعني أنها ستتحول إلى ماكينات قتل قادرة على إحداث أسوأ الحروب عن  طريق استخدام تعديلات واختراقات يمكن الوصول إليها بسهولة عبر الإنترنت، وتطوير جنود آليين وروبوتات قادرة على اتخاذ القرارات بنفسها.

ويرى جيمز بارات، مؤلف كتاب “آخر اختراعاتنا: الذكاء الصناعي ونهاية البشرية”، أننا على بعد سنوات قليلة من سيناريو فيلم “ترمينايتر” الذي يتولى فيه الروبوت خوض الحروب بشكل كامل، مؤكدا وجود سباق مستعر لتطوير أسلحة ذكية.

تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي سيجعل بالإمكان اتخاذ قرارات بالاعتماد على بيانات أكثر وبسرعة أكبر، ما يمكّن الإنسان التعامل معها، ولعل إجراء بحث بسيط حول استخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيقات مختلفة جدا مثل الطائرات دون طيار والعربات ذاتية القيادة وأمن الشبكات سيثير القلق من أن العالم على شفا حرب باردة جديدة وقودها الذكاء الاصطناعي.

العالم على بعد سنوات قليلة من سيناريو فيلم "ترمينايتر" الذي يتولى فيه الروبوت خوض الحروب بشكل كامل

ويمنح الذكاء الاصطناعي  القدرة على إيقاف أو منع هجوم بطائرات دون طيار عبر تدمير وحدة التحكم الخاصة بها، وذلك لأن التحكم المادي والإلكتروني يتم توزيعه ولا يكون مركزيا.

وينطبق الأمر نفسه على الأسلحة الإلكترونية والتي تُستخدم خارج نطاق شبكة الاتصال، وبذلك فإن استخدام أنظمة التحكم بالذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى ردود أسرع وأدق.

يمكن خلال الهجمات التي يشارك فيها الذكاء الاصطناعي أن يُطلق أسلحة إلكترونية أو فعلية بشكل مباشر تقريبا، متخذا القرار حتى قبل أن يدرك الإنسان سبب إطلاقها، بحيث يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تغير الأهداف والتقنيات بسرعة أكبر بكثير من الإنسان وبتحليل أفضل للمعطيات.

سباق محموم حول عسكرة الذكاء الاصطناعي، حيث اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إمكانية استخدام روسيا لسبل الذكاء الاصطناعي لإعادة التوازن في موازين القوى الذي أوجدته الولايات المتحدة بصرفها عشرة أضعاف ما تصرفه روسيا على الدفاع سنويا.

وأعلنت الصين عن خططها لتصبح رائدة في الذكاء الاصطناعي بحلول 2025 لتتحدى الهيمنة الأميركية على القطاع، في ظل تصاعد التوترات الدولية بشأن التطبيقات العسكرية للتكنولوجيا.

السباق التسلح الذكي ترافقه تحذيرات خبراء أشاروا إلى أن الأبعاد الأخلاقية والعواقب غير المقصودة التي يمكن أن يؤدي إليها استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الدفاعي تبدو جلية.

17