عسكرة الفضاء لإحكام السيطرة على الأرض

الخميس 2014/07/24
انطلاق الصاروخ الأميركي "انتارس" من قاعدة تابعة لوكالة الطيران والفضاء الأميركية "ناسا"

لندن - خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، اكتسبت القوة الجوية–ثمّ الفضائية- أهمية متزايدة وفرضت نفسها كـ”ساحة قتال” أساسية. ولم يعد سباق التسلح في الفضاء ضربا من الخيال بل أضحى التنافس على أشدّه بين القوى التقليدية، والغنية، روسيا والولايات المتّحدة. هذا بالإضافة إلى دخول قوى جديدة صاعدة مجال الفضاء، وهي رغم “فقرها”، وتأخّرها فضائيا وعلميا مقارنة بالروس والأميركيين، إلا أنها حقّقت نجاحات باهرة في هذا السياق، كالصين والهند.

كان الفضاء ومازال لغزا محيرا ومكانا مغريا يشجع على الاستكشاف والاستثمار معا. إن طبيعة الفضاء الرحب وغير المستكشف تجعل السيادة عليه غير واضحة، وفي ذات الوقت توفر فرصا لبناء بنية تحتية عسكرية وتجارية. ومنذ تكوين فكرة استكشاف الفضاء في القرن العشرين مازالت المجموعة الدولية لم تفهم بالكامل المنافع والتحديات التي يقدمها الفضاء.

وأدى التقدم التكنولوجي الحديث وزيادة الاندماج بين قدرات الفضاء الخارجي في الأمن ومبادئ خوض الحروب إلى تغير طبيعة الأعمال الحربية إضافة إلى النظرة للأمن، وهو ما يؤشر إلى تحول الفضاء إلى مجال جديد للتنافس واستعراض التفوق. وتطرح مختلف البرامج الخاصة بالاستخدام العسكري للفضاء لدى عدة دول مثل الولايات المتحدة والصين نقاشا متجددا حول الحاجة إلى الحفاظ على الفضاء الخارجي باعتباره إرثا مشتركا وعدم السماح باستخدام أي أنظمة أسلحة فيه.

تشير دراسة صدرت عن مجلة “جيو انتليجينس″إلى أن اكتساب القدرات والإمكانيات الهادفة إلى السيطرة على الخصم ما فتئت تمثل الخاصية الأولية للحملات العسكرية. ويستشهد معدّ الدراسة بورقة بحثية بعنوان “الأمن الفضائي: بعض قضايا العسكرة والتسليح”، تقول إن الطائرات أحدثت ثورة في العمل الحربي في القرن العشرين إلى أن وصلنا إلى ‘السيطرة على الأجواء’ كمفهوم استراتيجي رئيس. وبشيء من التوسع، وعلى إثر إسقاط طائرة التجسس يو-2 انتقل الاهتمام نحو مراقبة أضمن إلى مجالات أعلى في الفضاء.

وأدى مبدأ الإنكار ذاته إلى صراعات من أجل السيطرة على الفضاء، وقامت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بتدريبات استخدمت فيها وسائل نووية وتقليدية مثل التجارب المضادة للأقمار الصناعية. وبناء على ذلك، يخلص الباحث الهندي آرون شاغال، إلى أن عسكرة الفضاء ليست ظاهرة مستجدة ناهيك أن كل المهام العسكرية المعتمدة على الفضاء نفذت خلا ل العشرية الأولى من عصر الفضاء، وهي المشاريع الآتية: ‘دعم الفضاء’ (إطلاق الصواريخ والتسيير اليومي للأقمار الاصطناعية في المدار)، و’تعزيز القوة’ صنف من العمليات الأوسع الذي يضم كل العمليات الفضائية الهادفة إلى تعزيز العمليات العسكرية الأرضية)، و’مراقبة الفضاء’ (ضمان تمكن الأصدقاء من الوصول إلى مجال الفضاء ومنع العدو من ذلك).

800 سلاح مضاد للأقمار الصناعية في الفضاء الخارجي

تتطور الأمور الآن إلى المستوى الموالي من تسليح الفضاء من خلال التنصيب الفعلي لأسلحة تهدف من ورائها الولايات المتحدة إلى الحصول على أسبقية عسكرية حاسمة مع تفكير الصين في الشيء نفسه. إذن يبدو التسليح الخطوة المنطقية الموالية في هذا الصراع الدائم من أجل السيطرة على ميدان المعركة الأعلى. وبالرغم من أن فكرة وضع أسلحة في الفضاء أو استخدامها بالاعتماد على الفضاء موجودة في روايات القرن العشرين، لم يتحول هذا المفهوم إلى واقع إلا مع انتهاء الحرب الباردة.


ما هو سلاح الفضاء


تتعدّد مفاهيم ‘عسكرة الفضاء” وتختلف، حيث لا يوجد تعريف محدّد لعسكرة الفضاء. ويشمل النقاش مسألة هل يتوجب على المجتمع الدولي تعريف السلاح بالاعتماد على مكانه أي على الأرض والبحر والجو أو في الفضاء، أم بالاعتماد على هدفه المرسوم. لذلك هناك إمكانية وجود سلاح فضاء- فضاء، فضاء- أرض، أرض- فضاء وأرض- أرض (عبر الفضاء).

ويمكن أن تكون هذه الأسلحة وسائل قتل حركية تدمر عن طريق الارتطام (مثال الصاروخ الصيني المضاد للأقمار الصناعية) أو ‘خيوط برق من الرب’ (وهو مقترح بإطلاق نوع من البرق من الفضاء لأهداف متمركزة على الأرض)، صواريخ حاملة لرؤوس حربية تقليدية، إلخ. زيادة على ذلك، تكتسب الأقمار الصناعية الصغيرة جدا-التي صممت لأداء دور دفاعي أو لعمليات القرب الشديد مع الأقمار المضيفة- دورا مزدوجا حيث يمكن استعمالها كأسلحة فضاء (لتدمير أقمار الخصوم عن طريق رش الدهن على اللوحات الشمسية أو منظار الرؤية في آلات التصوير، إلخ).

محطات رئيسية في تاريخ استكشاف الفضاء

تعريف آخر يرى أن عسكرة الفضاء تعني استخدام الفضاء لدعم العمليات الأرضية والبحرية والجوية، وتحيل هذه العبارة على تطوير المكتسبات التي ستركز في الفضاء مع بنية تحتية أرضية للاستخدام العسكري مثل التحذير المبكر والاتصالات والتحكم والسيطرة والمراقبة (الاستشعار عن بعد) والوسائل التقنية الوطنية التي يمكن استخدامها لأغراض التثبت ولأغراض الجوسسة والاستخبارات. وباختصار تساعد عسكرة الفضاء على تحسين التحكم والسيطرة والاتصالات والجوسسة الاستراتيجية والميدانية الحربية وتوجيه الأسلحة نحو أهدافها.

التعريف الموالي متفق عليه بين خبراء المجال وقد وفّره جون لوغسدون، مدير ‘معهد سياسة الفضاء’ التابع لجامعة جورج واشنطن ولاتحاد العلماء المهتمين وهو:

* تصف عسكرة الفضاء الحالات التي يستخدم خلالها الجيش الفضاء في الاضطلاع بالمهام المنوطة بها.

* تسليح الفضاء: وضع نظم في الفضاء من شأنها أن تهاجم هدفا يقع في الأرض أو في الجو أو في الفضاء نفسه.


عسكرة الفضاء


ووفقا لاتحاد العلماء المهتمين، يوجد حاليا أكثر من 800 سلاح مضاد للأقمار الصناعية في الفضاء الخارجي، 400 من هذه الوحدات تابعة للولايات المتحدة الأميركية، 8 تابعة لروسيا و35 للصين. حوالي 60 بالمئة من هذه الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية تؤدي مهاما مدنية، 21 بالمئة تقوم بوظائف عسكرية، وحوالي 19 بالمئة يتمّ استخدامها في مهام مختلطة/مزدوجة. وتنتمي الأقمار الصناعية التابعة للنظام العالمي لتحديد المواقع إلى هذه الفئة الثالثة.

مشروعية استعمال الأقمار الصناعية لأغراض عسكرية جاءت في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية في سنة 1962 حيث اتفقت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على استعمال أقمار الرقابة من أجل تعزيز الأمن الدولي والتخفيض من مخاطر الحرب العرضية والضربات الاستباقية. زيادة على ذلك، وعلى عكس معاهدة أنتاركتيكا لسنة 1969 التي تستدعي أن تكون النشاطات في تلك القارة “حصريا لأهداف سلمية”، تسمح معاهدة الفضاء الخارجي لسنة 1967 بأن “يكون الفضاء مجالا مفتوحا للاستكشاف والاستعمال من كل الدول باستثناء تركيز أسلحة في الفضاء”.

تم استخدام الأقمار الصناعية لتعزيز العمليات الحربية في:
◄ عملية عاصفة الصحراءالكويت والعراق (1991)

◄ عملية القوة المتكتلة كوسوفو( 1999 )

◄ عملية الحرية الدائمةأفغانستان(2002)

◄ حرب العراق في 2003

ويعتبر الفضاء ملاذا فقط طالما لم تنشر أسلحة هناك، وتشعر الولايات المتحدة أن الوقت قد حان للعمل بأحكام الفصل 51 من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على أنه “يمكن لدولة ما أيضا استخدام القوة العسكرية لحماية نفسها من الأعمال العدائية”. وعندما يتم الربط بين هذا والفصل الثالث من معاهدة الفضاء الخارجي الذي ينص على “أن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يمتدان ليشملا استكشاف واستخدام الفضاء الخارجي”، بإمكان أي دولة القيام بمهام مراقبة الفضاء وتطبيق القوة الفضائية لحماية ممتلكاتها في الفضاء.

أقيم الدليل على استخدام الأقمار الصناعية لتعزيز العمليات الحربية دون شك في العشرية الأخيرة في عملية عاصفة الصحراء (الكويت والعراق 1991)، وعملية القوة المتكتلة (كوسوفو 1999)، وعملية الحرية الدائمة (أفغانستان 2002)، وحرب العراق في 2003. نظرا لتنامي مجال المكتسبات الفضائية في التفكير العقائدي لمعظم القوى العسكرية، وبالأخص الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند، سينظر أي خصم محتمل لأي قدرة فضائية مساهمة في الجيش المقابل باعتبارها جزءا من القوات الموجهة ضدها. والنتيجة الطبيعية المنجرة عن إدماج الفضاء في النشاط العسكري هي جعل الفضاء بيئة أكثر عدوانية.

بيد أنه يتضح التحول في التفكير العسكري الأميركي والذي بدأ يتجلى في الوثائق المسربة خلال السنوات الأخيرة المتعلقة بالتخطيط والسياسات حيث تتوقع تطوير ونشر الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية والأسلحة المركزة في الفضاء. وتهدف هذه المنظومات الجديدة إلى تحقيق أربع مهام عامة:

* الدفاع عن الأقمار الصناعية الأميركية وضمان حرية التحرك لاستخدام مجال الفضاء

* الحيلولة دون اكتساب الخصوم القدرة على استعمال مكتسباتهم في الفضاء

* اعتراض الصواريخ البالستية باستخدام أجهزة اعتراض مركزة في الفضاء

* مهاجمة أهداف على الأرض أو في الجو باستعمال أسلحة مركزة في الفضاء

ويؤكّد الخبراء أن توجهات الولايات المتحدة لتسليح الفضاء ستقود إلى تنافس وصراع دوليين.

في هذا السياق، تسعى روسيا والصين إلى تمرير مبادرة في الأمم المتحدة تحول دون وقوع سباق تسلح في الفضاء الخارجي. وكانت موسكو وبونغ يانغ تقدّمتا بمسوّدة محدثة لمعاهدة دولية حول حظر نشر السلاح في الفضاء الخارجي إلى مؤتمر حول نزع السلاح يقام برعاية الأمم المتحدة.

7