عسكرة المواشي تؤجج النزاع المسلح في جنوب السودان

مربو المواشي باتوا يفضلون اللجوء إلى العنف لتسوية خلافاتهم بسبب حيازتهم للأسلحة.
الاثنين 2019/05/13
الأسلحة ساهمت في إعطاء بعد جديد لسرقة المواشي

جوبا - تؤثر تربية الماشية في كل جوانب الحياة لدى مربيها في جنوب السودان، وأحيانا تدفع حتى إلى العنف، فيما استبدلت رماح الرعاة برشاشات الكلاشنيكوف في حين رفع تدفق أموال النفط والجهات المانحة بعد استقلال عام 2011 أسعار الزيجات التي تستخدم الأبقار في المهور.

ويتكرر المشهد منذ قرون لدى مربي المواشي في جنوب السودان حيث تغطي أشعة الشمس الأولى الدخان المتصاعد من روث الأبقار الذي يتبخر ببطء ويبقي الذباب بعيدا عن المواشي.

وبصورة آلية يغطي الأولاد جلدهم بالرماد لإبعاد الناموس. وتستعد النساء لحلب الأبقار ويأخذ الرجال قطعانهم إلى المراعي في أسوأ فترة من موسم الجفاف.

وسرقة المواشي عادة موجودة في جنوب السودان منذ زمن بعيد، لكنها شهدت في السنوات الأخيرة تغييرات جذرية. فقد أدت حرب استقلال السودان ثم الحرب الأهلية منذ 2013 إلى إدخال أسلحة أوتوماتيكية إلى البلاد وأضرت بالآلية التقليدية لتسوية النزاعات.

وبحسب بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان قتل 218 مربيا في شهر يناير وحده في هجمات من هذا النوع.

وقال بوك دووت -وهو مرب في الـ25 من عمره، قرب أودييه (شمال شرق)- “من المستحسن اقتناء سلاح لأنه يساعد في حماية المواشي”.

وفي ثقافة قبائل النوير والدينكا -أهم مجموعتين لمربي المواشي في البلاد- يتم إطلاق أسماء على الأبناء الذكور تصف ميزات الثيران المفضلة لدى الأسرة وكتابة أغان تمجد هذه المواشي التي لها قرون طويلة مميزة.

وقال بينو شوير زعيم دينكا من مخيم أمادينغ خارج مدينة رومبيك (وسط) -إحدى المناطق الأكثر تأثرا بأعمال العنف المرتبطة بسرقة المواشي- “إذا كنت مريضا يمكنك بيع بقرة وتستخدم الأموال للعلاج”.

وأضاف “إذا توفيت امرأة وتركت رضيعا سيعيش لأن حليب البقرة سيستخدم في تغذيته”.

وسمعة الرجل وثروته مرتبطتان بحجم ماشيته التي هي بمثابة حساب مصرفي. ويبلغ ثمن كل بقرة حوالي 500 دولار.

وفي 1940 كان المتخصص البريطاني في الأنتروبولوجيا إدوارد إفنز-بريتشارد يؤكد على هيمنة المواشي في أذهان الشبان، وهذا ما كان أحيانا يحبط الباحث.

وكتب في أحد أبحاثه بعنوان “النوير” “كنت أحيانا أشعر باليأس لعدم التمكن من التحدث مع الشباب سوى عن المواشي والفتيات. وحتى موضوع الفتيات كان يفضي إلى التطرق للماشية”.

وقال زعيم النوير “بالنسبة لنا البقرة مصدر المال”. وأضاف شوير “في أوساط مربي الماشية النساء الممشوقات هن الأكثر شعبية”. وأكد أنه حصل على مهر من 250 رأس ماشية لأطول بناته.

ويوضح ماجوك مون من منظمة “سيفر وورلد” غير الحكومية أن “ثمن الزوجة” زاد إلى حد كبير منذ استقلال البلاد في 2011. واستفادت الشخصيات السياسية والضباط والوجهاء من مناصبهم “للحصول على أموال كبرى”، وساهموا في رفع السعر المتوسط للمهر من عشرين إلى مئة رأس ماشية.

وتدفقت كميات كبيرة من الأسلحة النارية إلى البلاد بين حرب الاستقلال ضد السودان والنزاع الداخلي الذي اندلع في ديسمبر 2013 على خلفية منافسة بين الرئيس سالفا كير -وهو من الدينكا- ونائبه السابق رياك مشار -وهو من النوير-.

وبحسب بيتر مشار من منظمة “سايف وورلد” عمد الجانبان إلى تعبئة المربين وتسليحهم.

وبسبب حيازتهم أسلحة، نسي المربون الأساليب التقليدية لتسوية الخلافات بفضل وساطة الزعماء القبليين، وباتوا يفضلون اللجوء إلى العنف. وبحسب شوير، ساهمت الأسلحة في إعطاء بعد جديد لسرقة المواشي.

ويرى تقرير حول عسكرة سرقة المواشي في جنوب السودان نشر في 2018 في “جورنال أوف انترناشونال هيومانيتاريان أكشن” أن كير ومشار “فقدا السيطرة على لصوص المواشي” الذين ساهما في مدهم بالسلاح.

ورغم الهدوء النسبي في جنوب السودان منذ توقيع اتفاق سلام جديد في سبتمبر 2018 لا تزال الخلافات قائمة بين مربي المواشي. وهجماتهم الدامية تتسبب في سقوط المزيد من الضحايا بين النساء والأطفال، وهي هجمات لم تعد لها علاقة بالحرب الأهلية.

وقال ديفيد شيرر الرجل الأول في الأمم المتحدة في البلاد “أصبحنا بعيدين عما كان يحصل في جوبا لدى النخبة” التي  اتفقت على تقاسم السلطة.

ويعتبر العامل الإنساني ماجوك مون أن المشهد الحالي لا يوحي بسلام دائم، فقد “ولد هذا الجيل ونشأ مع الحرب، (وأبناء هذا الجيل) يشكلون غالبية وهم الذين يقاتلون”.

5