عشائر الأنبار تلوذ بداعش من بطش الميليشيات الشيعية

سياسات التهميش التي مورست بشكل ممنهج ضدّ المكوّن السني في العراق، والتي بلغت مداها في ظل الحرب القائمة على تنظيم داعش، هيأت الأرضية للتنظيم لتصيد أنصار له ومقاتلين في صفوفه من بين الناقمين على تلك السياسات والمتخوفين من نتائجها.
الجمعة 2015/06/05
الميليشيات في نظر شرائح واسعة من العراقيين غول لا يقل فتكا عن داعش

الفلوجة (العراق) - فاجأ شيوخ عدد من عشائر محافظة الأنبار المتتبعين للشأن العراقي بإعلان مبايعتهم الصريحة لتنظيم داعش وإعلان الولاء الطوعي له والاستعداد للقتال في صفوفه.

ورغم ما تمثّله المبايعة من منعرج في سياق الأحداث بالمحافظة ذات الغالبية السنية وما يمكن أن يترتّب عنها من نتائج، إلاّ أنه يعسر فهم خلفياتها وأبعادها بمعزل عن الظروف المحيطة بها والسياق السياسي الأشمل الذي أفضى إليها.

وجاءت المبايعة تحديدا من عشائر تقطن الفلّوجة التي تشهد مناطق فيها مواجهات شكا السكان من استخدام القوات المسلّحة والميليشيات الشيعية خلالها القوّة المفرطة بشكل عشوائي بما في ذلك القصف على مدينة الفلوجة ذاتها دون تمييز بين مسلّحي تنظيم داعش والمدنيين الذين توالى سقوط الضحايا في صفوفهم.

وتعيش محافظة الأنبار عموما مقدّمات حرب شاملة ضدّ تنظيم داعش تقودها الميليشات الشيعية التي نجح قادتها في الزج بها في المعركة متجاوزين رفض سكان المحافظة بسبب مخاوفهم من حملة انتقام طائفي سبق لتلك الميليشيات أن بدأتها ضدّ السكان السنّة في مناطق أخرى شاركت في استعادتها من يد تنظيم داعش.

وما يثير حنق أبناء عشائر الأنبار ويدفع قسما منهم إلى مساندة تنظيم داعش أن ما تحظى به الميليشيات الشيعية من دعم سياسي ومن تسليح وتمويل، يقابله حرمان شبه كامل لأبناء العشائر من أبسط وسائل الدفاع عن أنفسهم ما يجعلهم عرضة لجرائم تنظيم داعش التي بلغت حدّ ارتكابه مجازر في حقهم.

ويواجه أبناء محافظة الأنبار اليوم معضلة تتمثّل في أنهم وضعوا أمام خيارين لا يقل أحدهما سوءا عن الآخر، هما الاستسلام لتنظيم داعش أو التعرّض لانتقام الميليشيات.

ولا يعتبر تهميش سنّة العراق أمرا آنيا مرتبطا بظروف الحرب ضد داعش، لكنّه طبع مسارا سياسيا كاملا متواصلا منذ مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي للبلد، وتميز بسيطرة الأحزاب الشيعية على مواقع القرار وتحوّل زعمائها إلى وكلاء لإيران عاملين على توطيد نفوذها في البلاد.

عشائر الأنبار أمام معضلة الاختيار بين الاستسلام لداعش أو التعرض لانتقام الميليشيات الطائفية

ويستغل تنظيم داعش هذا المعطى ليجلب إلى صفوفه الناقمين والمتضررين من السياسات الإيرانية في العراق.

ويقول مراقبون إن تنظيم داعش يستفيد بشكل عملي من رعونة تلك السياسات في كسب آلاف المقاتلين إلى صفوفه، فضلا عن استفادته بشكل عملي ومباشر من انهيارات الجيش العراقي وانسحاباته المتكرّرة، وآخرها من مدينة الرمادي، في الحصول على ترسانة من الأسلحة أتاحت له قدرا كبيرا من القوّة.

وخلال إعلان مجلس شيوخ عشائر قضاءي الفلوجة والكرمة بمحافظة الأنبار العراقية ولاءه لتنظيم الدولة الإسلامية ومبايعـة زعيمه أبوبكر البغـدادي “على السمـع والطاعـة”، أشار المجلس بشكل غير مباشر إلى الدور الإيراني السلبي في العـراق، قائلا في بيانه المصور الذي بثه على شبكـة الأنترنت: “هذا القرار جاء بعـد المداولة والاجتماعات المتعددة بين شيوخ ووجهاء قضاءي الفلوجة والكرمة، والخروج بقرار موحد مفاده الوقوف مع تنظيم الدولة الإسلامية، كونه القوة الوحيدة التي تقف بوجه الحكومة الصفوية وميليشياتها”، في إشارة إلى حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي المتهمة بالفشل في تحقيق المصالحة الوطنية وفي الابتعاد عن دائرة التأثير الإيراني.

وقال أحمد درع الجميلي المتحدث الرسمي باسم مجلس شيوخ ووجهاء القضاءين أمس في بيان مصور، إن المجلس “اجتمع وقرر مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية ومبايعة أمير التنظيم أبوبكر البغدادي على السمع والطاعة”.

وتلا الجميلي بيان المجلس، فيما كان يقف بجانبه العديد من الشيوخ والوجهاء.

وأرجع قرار المبايعة إلى أنه “كان نتيجة الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها الميليشيات بحق أبناء السنة في محافظات صلاح الدين وديالى والأنبار، والقصف المستمر الذي يطال أغلب المدن السنية ويخلف الآلاف من القتلى والمعاقين”.

واتهم البيان الحكومة والبرلمان العراقيين والمسؤولين السنة في الحكومة بـ“المشاركة في قتل الأبرياء والسماح لإيران بالتدخل السافر وقتل أبناء السنة تحت مسميات وشعارات طائفية كاذبة”.

وفي رده على سؤال من وكالة الأناضول حول إمكانية القتال جنبا إلى جنب مع تنظيم داعش ضد القوات العراقية، قال الجميلي إن “تنظيم الدولة الإسلامية وفر لنا كافة الاحتياجات من آليات وأسلحة وعتاد”.

وأشار إلى أن “هناك المئات من الشباب الذين بايعوا أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي وهم اليوم مستعدون للقتال جنبا الى جنب مع تنظيم الدولة الاسلامية وأعدادهم في تزايد، وهناك رغبة حقيقية لدى الجميع في قتال الحشد الشعبي والصحوات في الأنبار”.

ولفت الجميلي، إلى أن “أبناء الكرمة كانوا يقاتلون الجيش والقوات المساندة لها تحت عناوين ومسميات مختلفة مثل جيش المجاهدين وجيش رجال الطريقة النقشبندية وجيش ثوار العشائر والمجالس العسكرية، لكنهم اليوم توحدوا وصاروا يقاتلون تحت مسمى واحد وهو تنظيم الدولة الإسلامية”.

وتواجه الميليشيات الشيعية المنضوي أغلبها تحت الحشد الشعبي اتهامات من القوى السياسية السنية بارتكاب جرائم قتل وخطف وإحراق مساجد وغيرها في المناطق التي تدخلها بعد طرد مقاتلي داعش منها.

وأعلن العراق رسميا قبل نحو أسبوعين، انطلاق عملية تحرير الأنبار من قبضة داعش، بعد أكثر من أسبوع على إحكام التنظيم سيطرته على مدينة الرمادي.

ورغم خسارة التنظيم للكثير من المناطق التي سيطر عليها العام الماضي في محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين لكنه مازال يسيطر على أغلب مدن ومناطق محافظة الأنبار.

3