عشائر العراق تطلق الثورة الكبرى ضد الإرهاب

الأربعاء 2014/06/11
آلاف العوائل العراقية تغادر الموصل واكتظاظ بشري عند مداخل كردستان العراق

بغداد – يشهد العراق، الذي خرجت فيه مدينة الموصل، ثاني أكبر مدنه، عن سلطة الدولة، تصاعدا في أعمال العنف منذ أكثر من عام. ويغذي أعمال العنف اساسا استياء السنة من سياسة الاقصاء التي تمارسها ضدّه التي يسيطر عليها الشيعة.

بعد الاجتياح الأميركي لبغداد في 2003، سادت العراق عمليات نهب وتخريب كبرى طالت متاحف بغداد وعديد المآثر العراقية، وعندما احتجّ العراقيون على صمت الإدارة الأميركية على هذه العمليات، أجابهم دونالد رامسفلد، وزير الدفاع الأميركي في تلك الفترة، واصفا تلك العمليات بـأنها “إيجابية وخلاّقة وواعدة بعراق جديد”.

هذا العراق الجديد يمثّل ركيزة أساسية في خطة "الشرق الأوسط الجديد" التي صاغتها الإدارة الأميركية، وتقوم بتفذيها وفق سيناريو “الفوضى الخلاّقة”. هذه الفوضى بدأت، في أفغانستان، ثم تشكّلت ملامحها بشكل أكبر في العراق، ثمّ تطوّرت لتتحوّل إلى “ثورات” أطلق عليها مصطلح “الربيع العربي”. والكلمة المفتاح في هذه الخطّة هي "الإرهاب".

تطرّق الباحث إياد هلال الكناني، في دراسة حملت عنوان “سياسة الفوضى الخلاقة الأميركية -الأصول الفكرية والأبعاد الدولية والإقليمية”، إلى هذه الفوضى وصفا إياها بأنها خلاّقة بالنسبة إلى المصالح الأميركية والغرب، وغير خلاقة، بل مدمرة بالنسبة إلى الأوطان والشعوب. ويتأكّد ذلك بالنظر إلى ما يجري في العراق اليوم من صراع متعدد الجوانب والجبهات.

يمثل الصراع الدائر في نينوى حدثا استثنائيا بالنسبة إلى الوضع الأمني في العراق


آليات "الفوضى الخلاقة"


تقوم سياسة “الفوضى الخلاقة”، التي تتجلى اليوم بصورتها الحقيقية وأجندتها الخفية لا في العراق فحسب بل وعلى امتداد منطقة الهلال الخصيب، على عدة دعائم أساسية لخّصها إياد هلال الكناني في:

إطلاق الصراع العرقي: إذ تقوم سياسة “الفوضى الخلاقة” على بث الشرخ العرقي الحاد في التركيبة التوافقية للأعراق والطوائف المشكّلة للمجتمع الهدف. وفي المثال العراقي لجأت الإدارة الأميركية في العراق إلى هذه الآلية، في البداية من خلال تحريض الشمال الكردي على الانفصال عن بقية البلاد، ثمّ في مراحل لاحقة بث الفرقة الطائفية بين الشيعة والسنة، خاصة بعد دخول إيران على الخط، ودعمها لنوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، المدعوم إيرانيا وأميركيا.

ضرب الاستقرار الأمني: إطالة أمد الاختلال الأمني، بحيث يشعر الناس أن لا مجال للعودة إلى الحالة التي كانت سائدة قبل الحرب. ومن أبرز الأمثلة على هذه النقطة، أن الوضع الأمني غير مستقّر في العراق الذي وصل اليوم إلى أعلى درجات الخطورة مسجّلا أعلى نسب وفيات في صفوف المدنيين العراقيين نتيجة التفجيرات والسيارات المفخخة وأيضا نتيجة الحرب الدائرة بين الجيش العراقي والعشائر من جهة وتنظيم “داعش” من جهة أخرى، هذا من الداخل، دون إغفال الأيادي الخارجية التي تحرّك خيوط اللعبةّ، فالولايات المتحدة ولئن انسحبت من العراق في الظاهر، إلا أنها لاتزال تمسك بخيوط اللعبة وتديرها بعد أن غادرت العراق وهي على ثقة بأنها تركت بلدا منهكا توازنه مختلّ ولن ينجح دون طلب الدعم والمساندة الخارجية الأميركية حتى ولو كان نظامه مدعوما من الغريم الأميركي إيران.

550 شخصا قتلوا في أعمال العنف اليومية في العراق منذ بداية شهر يونيو

إطلاق صراع العصبيات: هذه الآلية تكون عبر ضرب الدولة، بجميع مؤسساتها، واستبدالها بولاءات حزبية أو عشائرية متجزئة، قائمة على انتماءات قبلية، كتلك التي شهدها العراق بعد دخول الجيش الأميركي إلى بغداد. ويشهدها اليوم في ظل الحرب التي تخوضها العشائر العراقية ضدّ التنظيمات المسلّحة المنضوية تحت لواء تنظيم القاعدة.

يعيش العراق هذا الواقع بكل جزئياته، وقد تطوّرت تلك الفوضى الخلاّقة إلى استقطاب طائفي يتوقّع أن يشهد تصعيدا كبيرا في الأيام القادمة، خاصة وأن الحرب ضدّ الإرهاب توسّعت بعد أن رصد خبراء استراتيجيون عودة ميليشيات شيعية عراقية، كانت تقاتل في سوريا، إلى العراق لمحاولة ردع ثورة العشائر تحت ستار الجيش العراقي.

التعبئة الإعلامية: هذه الوسيلة كفيلة، على الأمد الطويل، بالنيل من العدو. فما تم تجريبه انطلاقا من ألمانيا الغربية السابقة باتجاه ألمانيا الشرقية السابقة، بالوسيلة التلفزيونية، ونجح في اختراق المعسكر الاشتراكي برمته، يتبع اليوم في المنطقة العربية عبر وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمسموعة والمكتوبة التي توجهها واشنطن وتستخدمها في مشروعها الاستراتيجي.

المحطات الزمنية الرئيسية منذ غزو العراق
2003

20 مارس: دخول القوات الاميركية والبريطانية للعراق.

09 ابريل: دخول الاميركيين الى بغداد وسقوط نظام صدام حسين.

02 اكتوبر: الولايات المتحدة تقر بعدم العثور على اي اسلحة دمار شامل.

13 ديسمبر: اعتقال صدام حسين قرب تكريت شمال بغداد.

2004

28 يونيو: قوات التحالف تسلم السلطة الى حكومة عراقية.

2005

30 يناير: انتخابات تشريعية قاطعتها اعداد كبيرة من السنة.

06 ابريل: انتخاب أول رئيس كردي (سني) في تاريخ العراق هو جلال طالباني.

15 اكتوبر: دستور جديد يحدد اطار الائتلافات الشيعية والسنية والكردية واقراره في استفتاء عام.

15 ديسمبر: فوز الائتلاف الشيعي في الانتخابات التشريعية.

2006

22 فبراير: تفجير مرقد شيعي في سامراء شمال بغداد يؤدي الى اندلاع اعمال عنف طائفية.

07 يونيو: مقتل أبو مصعب الزرقاوي زعيم فرع تنظيم القاعدة في العراق.

30 ديسمبر: إعدام صدام حسين.

2007

03 سبتمبر: انسحاب القوات البريطانية من البصرة جنوب البلاد.

2009

01 يناير: العراق يستعيد المنطقة الخضراء المحصنة.

30 حزيران/يونيو: القوات الاميركية تنسحب من المدن.

2010

07 مارس: ثاني انتخابات تشريعية، أطلقت أزمة سياسية في البلاد.

2011

22 مايو: نهاية التواجد العسكري البريطاني.

18 ديسمبر: اكتمال انسحاب القوات الاميركية.

19 ديسمبر: الحكومة العراقية تصدر أمر اعتقال بحق نائب الرئيس العراقي السني طارق الهاشمي.

2012

20 مارس: الزعيم الكردي مسعود بارزاني يلمح لامكانية الانفصال عن الحكومة الاتحادية، واتهام لرئيس الوزراء نوري المالكي بالتفرد بالسلطة.

09 سبتمبر: صدور حكم بالاعدام بحق الهاشمي اثر ادانته بالوقوف وراء ثلاثين هجوما وقتل حوالى مئة شخص.

2013

23 ابريل: مواجهات في الحويجة شمال العراق بين قوات الأمن ومحتجين مناهضين للحكومة.

2014

4-2 يناير: مسلحون ميسيطرون على الفلوجة واجزاء من مدينة الرمادي في محافظة الانبار.

6 يونيو: مدينة الموصل تخرج عن سلطة القوات الحكومية.

يمثل حال العراق اليوم، أبرز دليل على فاعلية هذه الآلية، حيث تتضارب الأنباء عن حقيقة المسلّحين الذين يسيطرون على محافظة نينوى، وخلافا لما يتردّد من أن متشددين من تنظيم “داعش” يسيطرون على معظم أنحاء الموصل، تؤكّد مصادر ناطقة باسم العشائر في العراق أن أبناء العشائر العراقية نجحت في استعادة الموصل وطرد مقاتلي “داعش” وأيضا رجال نوري المالكي من المدينة.

وقالت التقارير إن محافظة نينوى، الواقعة في شمال العراق، عند حدود إقليم كردستان والمحاذية لسوريا سقطت بأيدي مجموعات جهادية متمردة الثلاثاء في حدث استثنائي يهدد بكارثة أمنية كبرى وبفتح ممر جديد لتنظيمات متطرفة تنشط عند الحدود العراقية السورية.

وفي ضوء هذا الحدث، دعت الحكومة العراقية البرلمان، الذي سيعقد جلسة طارئة الخميس، إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وأعلنت عن وضع قواتها في حالة التأهب القصوى، كما تعهدت بتسليح كل مواطن يتطوع لقتال “الإرهاب”، مشيرة إلى قرار بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وخططها.

ويمثل الصراع الدائر في نينوى حدثا استثنائيا بالنسبة إلى الوضع الأمني في العراق بشكل عام لما تحظى به هذه المحافظة من أهمية استراتيجية نظرا إلى حجمها وإلى موقعها القريب من إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي.

كما أن مدينة الموصل عاصمة الشمال العراقي تقع على بعد كيلومترات فقط من الحدود مع سوريا، حيث تفصل بينها وبين معبر اليعربية الفاصل بين العراق وسوريا منطقة تسكنها عائلات سنية لها امتدادات عشائرية وعائلية على الجانب الآخر من الحدود.

والموصل ثاني مدينة تفقد القوات العراقية السيطرة عليها منذ بداية 2014 بعد الفلوجة (60 كلم غرب بغداد) الواقعة في محافظة الأنبار والتي تسكنها غالبية من السنة أيضا.

وقال مصدر مسؤول في وزارة الداخلية العراقية إن “مجموعات من المسلحين سيطرت أولا على مبنى المحافظة في الموصل وعلى القنوات الفضائية وبثت عبر مكبرات الصوت انها جاءت لتحرير الموصل وأنها ستقاتل فقط من يقاتلها”. وتابع “مدينة الموصل خارج سيطرة الدولة وتحت رحمة المسلحين”.

وفيما لم يحدد المصدر الجهة التي ينتمي إليها المسلحون، قالت مصادر أمنية عراقية إن هؤلاء المسلحين ينتمون إلى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، بينما تؤكّد مواقع ووسائل إعلام تابعة لمجلس العشائر السنة العراقية أن ثوّار العشائر في العراق، مدعومون برجال المقاومة ضد الغزو الأميركي وعناصر من الجيش العراقي السابق، هم من يسيطرون على الموصل بعد أن قاموا بطرد رجال نوري المالكي من المحافظة.

وفي وقت لاحق، قال رئيس البرلمان أسامة النجيفي إن “كل محافظة نينوى سقطت في أيدي المسلحين”، مضيفا أن “مسلحين يتوجهون إلى محافظة صلاح الدين”، وهي محافظة تسكنها أيضا غالبية من السنة وتقع إلى الجنوب من نينوى وإلى الشرق من الأنبار.

وتتشارك نينوى والأنبار مع سوريا في حدود بطول نحو 600 كلم، علما أن سقوط المحافظة الشمالية الثلاثاء يأتي في وقت تخوض فيه قوّات المالكي في الأنبار حربا أخرى ضدّ ما قالت إنهم مقاتلون من تنظيم “داعش”.

واعتبر محللون أن ما حدث له دلالة بالغة، فخروج نينوى عن سلطة الحكومة، إلى جانب الأنبار والموصل سيخلق أزمة كبرى في البلاد وسيتطوّر إلى صراع طائفي وحرب أهلية دامية. وتسلط أحداث نينوى الضوء مجددا على عجز القوات الأمنية والعسكرية التي يبلغ عددها نحو مليون عنصر، عن وقف التدهور الأمني المتواصل منذ أكثر من عام، والذي يغذيه الاستياء السني من السلطات التي يسيطر عليها الشيعة، والنزاع في سوريا المجاورة.


ثورة العشائر


يتميز العراق بتعدد العشائر العراقية والتي تمثل أطياف الشعب العراقي من عرب وأكراد وتركمان وديانات متعددة، فمنهم المسلمون بطائفتيهم الشيعية والسنية ومنهم المسيحون وغيرهم. وقد كان للعشائر دور بارز في مختلف المراحل والأطوار التاريخية والحروب التي خاضها العراق، وهي اليوم تؤكّد أنها ستواصل العمل على تحرير العراق من الصفويين، إشارة إلى إيران، وضدّ الجهاديين والإرهابيين مثلما قادت المقاومة العراقية ضدّ الجيش الأميركي.

ويشارك رجال العشائر السنية، التي كانت لها الهيمنة ذات يوم في العراق، وتعد الطائفة الرئيسية في نينوى والموصل والأنبار وغيرها من مدن العراق، الدولة الإسلامية في العراق والشام مشاعر الرفض لحكومة المالكي بقيادة الشيعة. لكن زعماء العشائر يحاولون سلوك طريق بين الجيش ومقاتلي القاعدة. وقد حمّلت العشائر سياسة المالكي، داخل العراق من جهة، وموقفه من الحرب الدائرة في سوريا من جهة أخرى، مسؤولية تفجير الاحتقان الطائفي في العراق.

وطالب علي حاتم السليمان، رئيس مجلس ثوار العشائر في الأنبار (غربي العراق)، زعماء الكتل السياسية في العراق بالاستعجال باستبدال نوري المالكي، رئيس الحكومة، وإلا ستكون الأنبار محرقة. وقال السليمان (وهو أمير قبائل الدليم العراقية)، إن “مشكلة الأنبار أصبحت عقيمة، وعلى زعماء الكتل السياسية الاستعجال باستبدال المالكي، وإلا ستكون الأنبار محرقة إذا عاد المالكي مرة أخرى إلى السلطة”. وأضاف أن “العشائر لن تتفاهم مع المالكي ما لم يسحب قوات الجيش من المحافظة، وسبق أن نصحنا شيوخ العشائر قبل السياسيين بأن المالكي ليس صادقا مع أهل الأنبار في إنهاء أزمتها”.

ومضى قائلا: “المالكي حتى اليوم لم يستوعب حجم الدمار الذي أصبح عليه العراق بصفة عامة ومحافظة الأنبار على وجه الخصوص”.

وأشار السليمان إلى أنه “منذ بداية الأمر طرحنا على الحكومة الجلوس على طاولة الحوار لقتال داعش سويًا ولم تلتفت إلينا”، موضحا أنه “لن نقبل بأن يملي المالكي علينا شروطه ولن نعترف بالمؤتمر الوطني الذي دعا إليه، فأكثر من مبادرة طرحناها لكن لم يستجيبوا”، لافًتا إلى أن “المشكلة لن تنتهي بالأنبار ما لم تسحب قوات الجيش منها”. واتهم السليمان المالكي بأنه “هو من أدخل تنظيم داعش إلى الأنبار، بعد أن تم تهريب عناصره من السجون”.

7