عشاق الكرة في الموصل يتوقون إلى متابعة فرقهم المفضلة

رغم الخراب والدمار يواصل نادي الموصل تدريباته بملعب المدينة على أرضية ترابية محاطة بمدرجات تملأها آثار القذائف والرصاص.
السبت 2020/10/24
فريق يأمل في تحقيق طموحاته

الدواعش لا يحبون الموسيقى ولا يحبون الرياضة، في الحقيقة هم لا يحبون الحياة، فقد حوّلوا ملعب الموصل لكرة القدم إلى معقل لهم ومخزن لأسلحتهم، وبعد دحرهم وجد عشاق رياضة كرة القدم صعوبات في مزاولتهم للرياضة، وبقيت جماهير الكرة تتطلع إلى متابعة فريقهم المفضل وهم في انتظار أن يتم إصلاح مدار الملعب المدمر.

الموصل (العراق)- تتحسر جماهير كرة القدم في الموصل على عدم متابعة فرقها المفضلة في ملعب استحال دماراً بعدما حوله تنظيم الدولة الإسلامية إلى مكان محرّم خلال ثلاث سنوات من الحكم بالحديد والنار.

يقول محمد فتحي، وهو مدرب الفريق المحلي لمدينة الموصل، إنه لم يعد قادرا على التعرف على الملعب “بعد تدميره، لم يبق في المدينة أي ملعب آخر لمزاولة كرة القدم، آثار الدمار التي تحيط بالمكان تتحدث عن كل شيء”.

ويعد فريق نادي الموصل من أشهر الأندية المشاركة في مسابقة الدوري العراقي قبل سقوطه في موسم 2010 – 2011، ويستعد الآن للمشاركة في تصفيات تأهيلية من أجل العودة إلى مصاف الدوري الممتاز.

تأسس نادي الموصل في العام 1947، وشارك فريقه الكروي في الدوري العراقي للمرة الأولى في موسم 1982 – 1983، وتواجد في المسابقة في 18 موسماً، وكان يعرف ملعبه بـ”المرعب” لسقوط غالبية الفرق الجماهيرية الكبيرة أمامه هناك.

لاعبون يتدربون بإصرار
لاعبون يتدربون بإصرار

بقيت تسمية ملعب ذاتها خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة، إذ يشير عمر الموصلي إلى أن “عناصر التنظيم كانوا يسمحون بممارسة كرة القدم مقابل دفع مبالغ لهم، ويعاقبون أي فريق يقدم على إقامة بطولة وتوزيع ميداليات”.

ومن أبشع الجرائم التي ارتكبها التنظيم في الموصل سنة 2016 إعدام ستة أطفال كانوا يلعبون كرة القدم، حيث قامت مجموعة إرهابية تابعة للتنظيم بتكبيل أيديهم وتنفيذ حُكم الإعدام باستخدام آلة لِحام موصولة بكابلات كهربائية لإنهاء حياتهم مباشرةً أمام الناس.

وقبلها أعدم التنظيم 13 شابا رميا بالرصاص أمام أنظار العشرات في حي اليرموك غرب مدينة الموصل لمشاهدتهم مباراة كرة القدم بين العراق والأردن في كأس أمم آسيا.

ويستذكر الموصلي (30 عاماً) “كنت أتابع مباريات كرة القدم بين اللاعبين الشباب في هذا الملعب، وبشكل مفاجئ كانت تحضر عربات عناصر تنظيم الدولة رباعية الدفع مع أسلحتهم، في منظر مخيف. فكنت أنسحب بهدوء”.

ويضيف “تحولت الأماكن تحت مدرجات الملعب أثناء احتلال المدينة إلى مخزن أسلحة لعناصر التنظيم، الذين قاموا بنصب منصات إطلاق قذائف أثناء عمليات التحرير داخل الملعب”.

يعد فريق نادي الموصل من أشهر الأندية المشاركة في مسابقة الدوري العراقي قبل سقوطه في موسم 2010 – 2011،

خلال فترة الحكم الظلامية، كان الجهاديون يجبرون اللاعبين على ارتداء سراويل طويلة تغطي الركبة، ويمنعونهم من ارتداء قمصان تحمل أسماء وشعارات أندية أجنبية، ويلزمونهم بإيقاف المباراة مع الآذان، لإقامة الصلاة.

لا تزال الندوب شاخصة في الملعب الذي كان يحتضن مباريات كرة القدم قبل اجتياح الجهاديين للمدينة في العام 2014، وعمقتها المعارك الشرسة خلال عمليات تحرير المدينة حتى طرد التنظيم المتطرف منها في يوليو 2017.

يشير فتحي الذي يدرب فريق نادي الموصل منذ 15 عاما “كنا نأمل أن تمتد يد العمران لتعيد الحياة إلى هذا الملعب، لكن للأسف لم تدرك الحكومة المركزية أن كرة القدم هي التي تعيد الحياة إلى المدن والناس والشباب، فبقي الحال هكذا”.

وتبلغ سعة ملعب نادي الموصل لكرة القدم 20 ألف متفرج، وهو أكبر الملاعب الثلاثة في المدينة بعد ملعب الجامعة بسعة ثمانية آلاف متفرج ويخضع حالياً للصيانة، وملعب الدواسة وسعته ألف شخص وحالياً خارج الخدمة.

لكن رغم الخراب والدمار، يواصل فريق كرة القدم لنادي الموصل تدريباته لأكثر من حصة أسبوعياً، على أرضية ترابية محاطة بمدرجات تملأها آثار القذائف والرصاص.

الدواعش لا يعرفون إلا التدمير
الدواعش لا يعرفون إلا التدمير

يقول فتحي “نضطر لإجراء تدريباتنا هنا، لأن الفريق يلعب الآن في الدرجة الأولى، بعدما ودع الدوري الممتاز منذ عشرة أعوام، ويتحمل رئيس النادي وبعض أعضاء الإدارة أعباء تأمين مستلزمات الفريق”. فليس التدمير الذي طال ملعب نادي الموصل هو الذي حرم اللاعبين من ممارسة كرة القدم فيه فقط، بل للفساد دور كبير في هذا الحرمان، وفق ما يقول الإعلامي طلال العامري.

ويلفت العامري المقيم في الموصل إلى أن ملعب النادي يعود إلى منتدى شبابي تابع لمديرية الشباب والرياضة، وقد أخذت إحدى المنظمات الدولية على عاتقها إعادة إعماره “لكن أحد المستثمرين سيطر عليه بموافقة وزارة الشباب والرياضة قبل عامين لاستثماره، وأوقف أعمال التطوير فيه”. وأضاف العامري أنه بعد اعتراض الاستثمار بسبب شبهات الفساد، وجه وزير الشباب والرياضة الحالي عدنان درجال بإيقاف تلك الإجراءات بانتظار حسم الأمر.

الدواعش كانوا يجبرون اللاعبين على ارتداء سراويل تغطي الركبة، ويمنعونهم من ارتداء قمصان تحمل شعارات الأندية

لمع نجم أكثر من لاعب من الموصل في سماء الكرة العراقية، أبرزهم لاعب الوسط الهجومي لمنتخب العراق في مونديال المكسيك 1986 حارس محمد، فضلاً عن هوار ملا محمد الذي ساهم في حصول العراق على كأس آسيا 2007، إضافة إلى مدافع منتخب أسود الرافدين الحالي أحمد إبراهيم. وفي مركز مدينة الموصل أكثر من 15 فريقاً شعبياً لكرة القدم.

ولافتقار المدينة، وهي كبرى مدن محافظة نينوى الشمالية وتعد أربعة ملايين نسمة، إلى ملاعب كرة قدم، يضطر عشرات الشبان من عشاق اللعبة الشعبية الأولى في العالم إلى ممارستها على ملاعب ترابية غير نظامية.

ففي ساحة المستقبل المشرق في حي البكر في شرق المدينة، يتجمع يومياً عدد كبير من الأشخاص لمتابعة المباريات. يقول مدرب فريق المستقبل ميثم يونس (34 عاماً) إن “هناك العديد من اللاعبين المتميزين في الفرق الشعبية، لكن للأسف ليس لدينا ملاعب نظامية، لذلك يفتقد اللاعبون إلى فرص إظهار إمكانياتهم ومواهبهم”.

شهد ملعب نادي الموصل آخر مباراة كرة قدم على أرضه قبل احتلال المدينة في العام 2014، جمعت فريق الموصل بفريق البيشمركة من محافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق، ضمن مباريات دوري الدرجة الأولى.

ورغم إقامة مباراة عقب التحرير بين فريقي الموصل والكرخ، انتهت لمصلحة صاحب الأرض على ملعب جامعة الموصل، لا يزال يونس ينتظر اليوم الذي ستعود فيه صيحات وهتافات الجماهير إلى ملعب أم الربيعين.

17