"عشبة للأزرق" قصائد الأنا الخضراء

جرفت الحداثة الشعر إلى العقلنة والارتهان إلى التنظيرات والمعايير السابقة لكتابة النص الشعري واللاحقة له كذلك، فتوقف أغلب الشعراء عن كتابة ذواتهم بصدق، وإن كانوا يكتبونها بشكل مركّب دون وعي، ربما على الشاعر اليوم أن يعود إلى ذاته، وأن يكتب تجربته الخاصة، طبعا مع حضور الوعي لكن دون جعله المصدر الأول والأخير للشعر، فالشعر كتابة للأنا بالضرورة، كتابة صادقة إلى حدّ الاحتراق.
السبت 2015/06/20
القصائد تكشف رغبات الأنثى التي تسعى لتخلص من ذاتها الواقعية

سوسن حجة شاعرة سورية من مواليد 1988 جمعت نصوصها ضمن ألبوم شعري سمته “عشبة للأزرق” صدر مؤخرا عن دار أرواد بطرطوس بمقدمة طويلة من الشاعر العراقي محمد مظلوم، يسرد فيها طريقة تعامل الشاعرة مع اللغة والمخيلة ومعاينة الحمولات الدلالية.

ويعاين النصوص وفق منهجية نقدية جديدة من خلال التوغل في السيرة الروحية للشاعرة وعلاقتها مع البحر في زرقته ومع الطبيعة الساحلية التي نشأت منها.

ولكن ما يهم هنا بعيدا عمّا كتبه المظلوم هو المهارات الشعرية التي تتحلى بها كتابة سوسن، وسأقف عند التوصيفات والمعاينات الصورية التي صبغت أغلب صفحات المجموعة وجعلتها علامة شعرية ملفتة وجميلة، توصيف البحر وما يحمله من أسرار وتوصيف العشبة التي تلازم البحر ومدى تعامل الشاعرة بمفردات هذه التوصيفات، والتي غالبا ما تكون توصيفات بلاغية بحتة، قد لا نجد فيها ضالتنا الشعرية المرجوة، هذا على مستوى المعنى أو الدلالة التي ترجوها الشاعرة لتوصيلها إلى القارئ بعيدا عن التجربة الداخلية الروحية التي قصدها الشاعر محمد مظلوم في مقدمته.

في جانب آخر من “عشبة للأزرق” نقرأ قصيدة واحدة مكتوبة بدم واحد وبلحظات حياتية واحدة، قصائد مقتضبة ومركزة بشكل منضبط كأنه ملحمة تخييلية ذات حساسية شعرية عالية، استعملت فيها الشاعرة كل أسلحتها البلاغية وطوّعت أدواتها وكثّفت المعاني والدلالات على أكثر من جبهة لتنتظر بزوغ القصيدة وولادتها كقولها “أطلق رصاصتك/ أطلق حبك/ أطلقت ذئابك”.

في قصيدتها تقتحم الشاعرة عالما آخر هو عالم الأنثى في وضعيات مختلفة وسلوكيات جمالية واستيهامية تعرض فيها رغبات الأنثى منذ أن تتخلص من ذاتها الواقعية.

وتتفرغ لأناها وترجمتها شعريا بلغة تقليدية بعض الشيء وكتومة في أغلب الأحيان، وهي لغة درجت عليها الشعريات النسوية السورية في التسعينات،

حيث المباشرة والخفوت والاستسلام للخطابة ومناجاة الرجل (الأنا الآخر) بأداء لغوي مشدود ومعاد بطريقة يضيع معها القارئ ويجعله في موقع المتسائل عن جدوى انفلات الأنا وانجذابها إلى “هو”، وبعثرة صورة الأنثى شعريا بعيدة عن منجزها ولغتها وهويتها.

تعود سوسن الحجة إلى لملمة نصوصها المبعثرة في مقاطع طويلة، مبتعدة هذه المرة عن عقدة الـ”هو”، ومهادنته والقفز عليه من خلال التفرغ للعاطفة والمشاغل الخاصة والرسائل الشفهية بين كتابتها وذاكرتها، مستعينة بلعبة التكثيف والضغط والاقتصاد على المفردة الواحدة والجملة المؤلفة من كلمتين أو أكثر.

وهذا يعني أن الشاعرة أمام مزاج آخر ونفسية شعرية أخرى تفاجئ بها القارئ وتدهشه في أكثر من نص، خاصة تلك النصوص التي تتألف من عناوين منجزة مسبقا.

ما لا يختلف عليه اثنان هو أن نصوص “عشبة للأزرق” تحمل أفكارا ومواضيع ومخاطبات تميل أغلبها إلى الصدق والحميمية مع الأشياء والعوالم بأسلوب يغلب عليه الوقوف على الألم والغربة ووصف الدواخل والأحاسيس المفرطة، وكل ذلك دفــعة واحدة وطمــوح لا ينفك أن يتــوقف.

17