عشت هنا وعشت هناك

المعيشة بالنسبة للأسر سواء كانت في دول فقيرة وتعاني من الأزمات الاقتصادية والحياتية كدولنا العربية، أو في دول غنية مستقرة سياسيا، لا تختلف كثيرا إلا بصون كرامة الإنسان.
الجمعة 2018/04/06
معاناة واحدة

المقولة التاريخية الشائعة “كل الطرق تؤدي إلى روما” لم تعد صالحة أمام حلم أجيال من الشباب تتوق للوصول إلى جنة إيطاليا، فقد أصبحت أغلب الطرق التي يسلكها الشباب العرب محفوفة بالموت ولا توصل إلى الحلم المرسوم عن صورة أوروبا في خيال حلقات واسعة في المجتمعات العربية، بسبب الإجراءات المشددة التي تفرضها الحكومة الإيطالية على الراغبين في دخول أراضيها.

ومن حسن حظي أني سلكت الطريق القانونية للوصول إلى روما وقضاء أسبوع فيها، لم يكن كافيا لاكتشاف أسرار الإمبراطورية الرومانية المهيبة وفك طلاسمها المرمّزة وكأنها ألغاز عصيّة عن الفهم.

مدن قليلة في العالم تنافس مسقط رأس القديس فالنتاين، الراعي الرئيسي للعشاق في العالم، فهي مدينة لممارسة هواية المشي، وركوب الدرجات النارية، وقد تُبهرك بتفاصيل معمارها ومعالمها الأثرية والكنوز الفنية لعصر النهضة، والكنائس الباروكية المزيّنة برسومات ألمع الفنانين مثل مايكل أنجيلو التي تزين لوحاته سقوف كنائس الفاتيكان، ونماذج كثيرة من الفن الحديث والقديم.

ومن أهم المعالم الأثرية المنتدى الروماني (فوري روماني)، ومبنى الكامبيدوليو (مبنى البلدية اليوم) ومسرح الكولوسيوم، وساحة نافونا، والبانثيون (معبد الآلهة)، وضريح كاستل سانت أنجيلو، وحمامات كركلا، إضافة إلى الجسور التي تربط بين ضفتيْ نهر التيبر، والقنوات والسدود ونافورات المياه ذات الأشكال الفنية والرسومات المبهرة والمتناثرة في جميع أرجاء المدينة.

وهناك الكثير من المعالم التاريخية الموجودة في كل زاوية وفي كل متحف وحتى المتناثرة تحت الأرض، جعلتني أنهمك بكل ما أوتيت من شغف في محاولة سبر أغوارها، ولكنني لم أصل أبدا إلى نهايتها.

قد يكون للغرب أو الشرق السبق في بعض الاختراعات والاكتشافات ولكن لا أحد منهما قادر بمفرده على الحصول على النتائج المرجوة

ولكن إلى جانب هذه الرموز التاريخية والحضارية، تلوح مشاهد البؤس والشحاذين لتؤكد أن حياة البذخ الروماني لم يبق منها غير المباني التاريخية والأواني والقدور الفاخرة التي تملأ أروقة المتاحف.

العشرات من الأسر الإيطالية عضها الفقر في المدينة التي يفترض أن تكون في مقدمة دول العالم من ناحية الرفاهية والثراء، ودفعها غلاء المعيشة إلى رفع أصواتها بالشكوى والتذمّر، بل وهناك من هجر المدينة التي أصبحت بالنسبة إليه لا يستطاب فيها العيش وتثير الضجر بسبب حشود السائحين المتطفّلين على حياة أهل روما.

وقد حدثنا سائق الفندق عن المشكلات الاقتصادية والضرائب الحكومية التي تنغّص على الإيطاليين حياتهم وتجعلهم يعيشون في لهاث مستمر مع نسق الحياة السريع والمرهق صحيا ونفسيا.

اكتشفت أيضا بعد الأسبوع الذي عشته في روما برفقة زوجي أن السجية التونسية والإيطالية متشابهة رغم الاختلاف في اللغة والدين وبعض العادات والتقاليد، مما جعلني أقف على حقيقة أخرى لا يبدو أن ثمة خاسرين فعليين من الاعتراف بها، وهي أن الشعوب كيان واحد ولكنه أصبح منفصما عن بعضه بسبب الصراع التاريخي بين الشرق والغرب من أجل المصالح وغريزة الغزو والاحتلال.

قد يكون للغرب أو الشرق السبق في بعض الاختراعات والاكتشافات ولكن لا أحد منهما قادر بمفرده على الحصول على النتائج المرجوة، فمكافحة الإرهاب العالمي، واحتواء الأمراض السارية والخطيرة، والتغير المناخي، والاستقرار المالي العالمي من القضايا التي لا يمكن لطرف واحد أن يحلّها بمفرده.

منحتني زيارة روما حكمة أن المعيشة بالنسبة للأسر سواء كانت في دول فقيرة وتعاني من الأزمات الاقتصادية والحياتية كدولنا العربية، أو في دول غنية مستقرة سياسيا، لا تختلف كثيرا إلا بصون كرامة الإنسان في الدول الديمقراطية، أو بسلبها في دولنا العربية، ولكن معاناة المعيشة تكاد تكون واحدة.

21