عشرون عاما على ولادة أمازون: جيف بيزوس الرجل الذي يبيع كل شيء

السبت 2015/01/31
جيف بيزوس: نجاح مشروع أمازون هو التوقيت الجيد جدا

واشنطن – بعد عشرين عاما من العمل الذي بدأه ببيع الكتب، أصبح جيف بيزوس، وأمازون أيضا، موضوعا لعدد كبير من الكتب والمقالات، غير أن بيزوس يقول إنه “لا يمكنك تصديق كل ما يُكتب، سواء كانت علاقاتك الاجتماعية، قويّة أو ضعيفة، ففي الحالتين لا يمكنك تصديق ما يقال والتعويل عليه”.

لطالما مالت شخصية جيف بيزوس إلى إصلاح الأشياء. عندما كان طفلا يتعلّم المشي، حاول تفكيك سريره، وفي المدرسة الثانوية أسس أول مشاريعه التجارية، وهو مخيم صيفي تعليمي لطلاب المدارس الثانوية. بعد تخرجه بتفوق من جامعة برينستون في 1986، مع تحصله على شهادة في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب، بدأ بالعمل في وول ستريت، لكنه انسحب من عالم الأعمال المالية في 1994 ليصبح رجل أعمال ويخوض تجربة الأعمال التجارية. انطلقت شركة Amazon.com وكان نشاطها الوحيد حينها يتمثل في بيع الكتب على الإنترنت، إذ تمّ بيع النسخ الأولى في يوليو 1995.

خلال السنوات التي تلت ذلك، أصبح الموقع عملاقا في مجال التجزئة المتنوعة وبدأ بالعمل كمدير لمتجر كتب افتراضي.

وخلال عشر سنوات، نمت الشركة بشكل متسارع، وأضافت إلى “رفوف” بضائعها الافتراضية مجموعة واسعة جدا من المنتجات تشمل الأقراص المدمجة، والبرمجيات، والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، والملابس، والمجوهرات، والألعاب.

خلال هذه المدّة القصيرة نسبيا، كان لـ “أمازون”، من خلال رؤية بيزوس الطموحة، الأثر الأكبر على تطور قطاع التجارة الإلكترونية أو ما يعرف بمصطلح “إي كوميرس.

عمل بيزوس على جذب الزبائن عبر الأسعار المخفضة والعروض وخدمات التسليم السريع، مما ساعد على تحقيق نتائج اقتصادية فائقة. بيزوس تحدّث مع رئيس تحرير فورين بوليسي، جيديون روز، في نوفمبر الماضي، مؤكدا أن الصفات التي من المفيد امتلاكها لإدارة المشاريع هي القدرة على تقديم شيء أفضل.

وقدم بيزوس وصفة نجاح أكد فيها أن روحي المبادرة والابتكار هما مفهومان متقاربان جدا، وأن من أكثر الخصال إفادة لرجال الأعمال هي القدرة على تقييم الأمور من جديد، والنظر إليها بعيون المبتدئين.

على الرغم من النتائج السيئة الأخيرة، إلا أنّ بيزوس لا يزال هو "المدير التنفيذي الأفضل أداء"

ويقول بيزوس إن رجال الأعمال البارعين يميلون إلى العناد عندما يتعلق الأمر بمفهوم الرؤية، ولكنهم مرنون على مستوى التفاصيل، هم يحاولون باستمرار النجاح في تحقيق ما يسعون إلى إنجازه، ولكنهم مستعدون لإعادة صياغة التفاصيل حسب الحاجة كلما تعلموا أشياء جديدة من تجاربهم الفاشلة.

خصلة أخرى أساسية، وفق بيزوس، هي الشغف بالمشروع مهما كان، لأن ذلك ما يؤول بنا إلى تقديم أفضل المنتجات والخدمات. فالشغوفون يختلفون عن عقلية شخص يحاول فقط جني ثروة من تجارة الإنترنت.

وأكد بيزوس أن سبب نجاح مشروع أمازون هو “التوقيت الجيد جدا”، فرجل الأعمال الجيد ينطلق من فكرة أعمال يؤمن بقدرته على تحقيقها على مستوى عال من الثقة وبحجم معقول، ثم يقوم بالتأقلم مع الأوضاع.

وإجابة عن سؤال “كيف أدركت أن موقع أمازون سيصبح هذا العملاق؟” قال إن السر يكمن في أن تخطو خطوة واحدة في كل مرة. هناك مؤشرات أولية على أننا نقوم بشيء عظيم حتى من البداية.

وقد توخت خطة الأعمال الأصلية فقط الكتب، كما شملت ربما زيادة شركة صغيرة نسبيا، ولكن بعد فترة وجيزة من إطلاقنا الموقع، بدأنا بالفعل ببيع الكتب في خمسين دول وهو عدد كبير ومحترم، وسرعان ما سبقنا خطة الأعمال الأولية بمراحل كثيرة.

ثمّ، وبعد سنوات قليلة، عندما كنا لا نزال شركة صغيرة، أرسلنا رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى حوالي ألف عميل بشكل عشوائي وسألناهم: “إلى جانب الأشياء التي نقوم ببيعها حاليا، ما الذي ترغبون في أن نبيعه؟” فعادت الإجابات إلينا متضمنة أشياء لا يمكن تصورها. ومن ثمة، في سنة 1998 تقريبا، بدأنا ندرك أنه ربما علينا أن نبيع تشكيلة عريضة جدا من الأشياء باستخدام الأساليب التي كنا رائدين فيها.

وكانت الشركة أعلنت نهاية العام الماضي، بعد طول انتظار، عن إطلاق نسختها من الكتاب الإلكتروني “كندل” بنسخة غير محدودة، أي أنها ستكون “قراءة إلى حد الإشباع،” وفقا لأمازون.

أمازون ساهمت في تطور قطاع التجارة الإلكترونية

وعن مفاتيح تشغيل المؤسسات التجارية الكبيرة على طريقة إدارة الأعمال الفردية يقول إن ثقافة الشركات واختيار الأفراد مستلزمات مرتبطة ببعضها البعض، ولتتمكن شركة في حجم أمازون من مواصلة الابتكار والتغيير وبناء أشياء جديدة لابد أن تكون هناك ثقافة تدعم الرغبة في خوض التجربة، والاستعداد للفشل. أعتقد أنه من المفيد جدا أن تكون لنا ثقافة الهوس بالعمل. إشارة، ربما أراد بيزوس من ذلك، إغفال أن هذا أدى بالضرورة إلى خلق الهوس ذاته لدى المستهلك.

ويؤكد بيزوس أنه “ليست هناك وصمة عار مرتبطة بالفشل في الولايات المتحدة الأميركية. وهو ما ينبغي أن نفخر ونسعد به إلى أقصى حد”.

وعن ازدهار مجال الأعمال الحرة وتدقيقا إدارة الأعمال الفردية في البلدان الأخرى، وإن كان ذلك يمثّل مصدر قلق للأميركيين، أكد بيزوس أن ذلك عظيم بالنسبة إلى العالم، “لأننا ننتفع جميعا من كل اختراعــات الآخرين.

إذا قدم شخص ما في آسيا اختراعا جديدا لعلاج بعض أنواع السرطان، فسنستفيد نحن جميعا من ذلك. فالمجتمع يتحسن بتكاثر الاختراعات”.

وبدأت أمازون بالتعثّر خلال الأشهر الستّة الأخيرة من العام 2014، وذلك بسبب عدد من المشاريع الجريئة، ولكن المنطوية على مخاطر. ويرجح موقع “وايرد” أن سبب تراجع “أمازون” الأساسي يكمن في جوهر عمل الشركة وسبب وجودها، أي بيع الكتب والوسائط السمعية والبصرية الأخرى، والذي بدأ بالتقلب والتراجع مؤخرا، والسبب الرئيسي، حسب الموقع، أن الناس لم يعدوا يرغبون في شراء الأشياء على الدوام، بل أصبحوا يفضلون استئجارها.

وما يدعو إلى السخرية هنا، أنّ أمازون ذاتها ساهمت في خلق هذه المشكلة عندما أتاحت للمستخدمين عرض كتبهم المستعملة للتأجير في الموقع بسهولة.

كما أن البث المباشر للميديا في موقع أمازون أصبح أيضا سهلا، حيث يمكن للمستخدم مشاهدة أي فيديو من الخدمة السحابية للموقع، من دون أن يضطر إلى شراء الفيديو وتحميله على جهازه، وهو لا يزال يدفع رسم هذه الخدمة، ولكنها بالطبع أقل من ثمن الشراء.

الجدير بالذكر أن بيزوس اشترى في العام الماضي الصحيفة الأميركية العريقة “ذا واشنطن بوست” ضمن صفقة بلغت قيمتها 250 مليون دولار، وهو يحتل المرتبة 19 على “قائمة مليارديري فوربس.

وعلى الرغم من النتائج السيئة الأخيرة، إلا أنّه لا يزال هو “المدير التنفيذي الأفضل أداءً”، وفقا لمجلة “هارفرد بيزنس ريفيو”.

أمازون ساهمت في تراجع إيراداتها عندما أتاحت للمستخدمين عرض كتبهم المستعملة للتأجير في الموقع بسهولة

وعن سؤال “هل تشعر بالقلق بشأن ما أطلق عليه البعض ‘موت الابتكار’ أو ‘الركود العظيم؟’” يقول بيزوس: “نحن نعيش في وقت حيوي، حيث معدل التغير ومعدل الابتكار مرتفعان جدا. هو لا يتساوى في جميع فئات الاقتصاد أو قطاعاته، لكننا نرى الكثير من الابتكار في بعض القطاعات، وأتوقع أن يستمر ذلك في المستقبل. إن أهم ما في الأفكار هو أن كل فكرة جديدة تقود إلى أفكار أخرى جديدة.

لا يتعلق الأمر بالسعي إلى جني الثروات بل على عكس ذلك تماما، فعلى سبيل المثال، أدى هرع الناس إلى المناجم في 1849 للحصول على الذهب في كاليفورنيا، إلى نفاد الذهب بسرعة أكبر. الأفكار ليست كذلك، الأفكار تولد دائما أفكارا أخرى”.

ويقول بيزوس إن شركته تمنح الكثير من القوة لبعض الشركات الصغيرة، “على سبيل المثال، شركة الأطراف الثالثة للبائع التي أسسناها، لدينا الملايين من صغار الباعة الذين مُنحوا بطاقة عبور إلى عقارات البيع بالتجزئة التابعة لنا، وهم يملكون اليوم الفرصة لمنافستنا والبيع جنبا إلى جنب مع شركاتنا. مهدت هذه التكنولوجيا الطريق للملايين من الشركات الصغيرة”.

وكمثال على ذلك شرح قائلا: “كيندل هو برنامج آخر للخدمة الذاتية التي ساعدت مجموعة هامة من المبدعين الكتّاب الذين لم يتمكنوا أبدا من توزيع مؤلفاتهم. لذلك فإن أوس (شركة أمازون المختصة في خدمات الويب، شعبة الحوسبة السحابية) و بحكم أنه يحول المصروفات الرأسمالية الثابتة في حساب التكاليف المتغيرة، فقد مثّل دعما هائلا لمئات الآلاف من الشركات الصغيرة التي تستخدمه بهدف خفض تكاليف مركز البيانات وزيادة السرعة.

وتبيع أوس خدمات لمطوري البرامج ومهندسي البرامج والشركات التي يعملون فيها، وقد أصبحت اليوم مشروعا كبيرا جدا ومثيرا بالنسبة إلينا، كما أنه جزء هام للغاية من البنية التحتية للإنترنت في الكثير من الشركات والوكالات الحكومية. وبعد عشرين عاما من العمل الذي بدأه ببيع الكتب، أصبح جيف بيزوس، وأمازون أيضا، موضوعا لعدد كبير من الكتب والمقالات.

هل يقرأ كل ما يُكتب عنه، وكيف يرى تناول الإعلام لمشروعه المستمر؟ يقول بيزوس عن ذلك: “نالت أمازون معاملة جيدة، وعلاقتها بالإعلام متوازنة. بالنسبة إلي ومن يعملون معي، نحاول إبقاء الأمور مستقرّة. لا يمكنك تصديق كل ما يُكتب، سواء كانت علاقاتك الاجتماعية، قويّة أو ضعيفة، ففي الحالتين لا يمكنك تصديق ما يقال والتعويل عليه”.

18