عشر بقرات وقطيع من الماعز

السبت 2015/03/14

كشفت نتائج إحصائية (كولسترولية) باذخة، أن الإنسان العادي الذي ينتمي إلى مملكة البشر آكلي لحوم الحيوان، من ذوي القلوب الغليظة والشهية المفتوحة على مصراعيها، في إمكانه أن يستهلك، على مدار دورة حياته السعيدة، قرابة 7 آلاف حيوان، من ضمنها 2400 دجاجة و10 إلى 12 بقرة، فإذا ما بلغ من العمر أرذله، وهي المرحلة التي تقف عند سن الخمسين عاما في العالم العربي وتتعدى سن التسعين لعموم سكان كوكب الأرض، يكون الإنسان العادي ذاته قد التهم، إضافة إلى الأبقار والدجاجات المسكينات، 30 رأسا من الأغنام بلحمها وشحمها وعظامها مع 80 ديكا روميا متوسط الوسامة و5 آلاف سمكة منزوعة الصدف، فضلا عن فصيل من الأرانب المشاكسة وسرب من الإوزات الناعمات والبطات المترهلات، وأطباق معقدة من الروبيان البحري ذي الحجم الكبير، لتتم رحلة الحياة اللحمية دورتها برعاية قطيع بري من الماعز بمذاق عنيد لا يختلف عليه إثنان. لهذا، قد يتجاوز المجموع 7500 روح حيوانية مهدورة قرابينها على موائد يومية لا حصر لها.

هذه الأرقام، رصدتها حملة “فيجيتيرين كالكوليتر”، وهي مجموعة من الناشطين البريطانيين من ذوي الذائقة النباتية التي تنادي على الدوام بالتقليل من استهلاك اللحوم رحمة بمخلوقات الله من الكائنات خفيفة الظل، التي لم ترتكب جرما واضحا لتستحق هذه العقوبة الرهيبة.

لكن حملاتهم هذه لم تجد يوما أذنا صاغية، بل إن النتائج والأرقام التي خرجوا بمحصلتها فرحين ونشروا حبل غسيلها على الأثير الإلكتروني قد أثارت شهية مزيد من عشاق اللحوم، الذين فضلوا استقبال بشائر الموت بمصاحبة أمراض القلب والشرايين التي تعلق في متاهاتها بقايا حيوانات نافقة مغلوبة على لحومها، عن الموت على حد السكين وعلى أيادي حثالات بشرية لم يتم تصنيف فصائلها بعد ضمن مملكة عالم الحيوان.

وبعد أن تسنى لأصحاب الشرايين المسدودة التحقق من أعداد الخراف والماعز التي نفقت في أمعائهم، تنبهوا إلى أن ما تفضل من زمن لن يتسع إلى مزيد من الدجاجات والديوك، لهذا أطلقوا سيقانهم للريح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتوجهوا من فورهم صوب مطعم أخير ما زال يقدم لحومه الإنكليزية الفاخرة على قدم دجاجة وساق خروف، أعد وجباته خصيصا للراغبين في الانتحار بعد منتصف ليل شتائي طويل.

بيد أن هذه الإحصاءات الحيوانية، بإمكانها أن تسترعي انتباه شرذمة قليلة من أنصار حقوق الحيوان وهم في طريقهم إلى الانقراض مع تزايد أعداد المطالبين بجمعيات بديلة لحقوق الإنسان، وربما تستفز عددا لا بأس به من المتفذلكين المتخصصين في برامج الحمية.

لكنها لا تقع في دائرة اهتمام المارة في الشارع من الفقراء والمعدمين، الذين لا يعنيهم أمر الحيوانات ولحومها في شيء طالما ابتعدوا بمسافة أمان كافية عن الموائد العامرة.

الموضوع برمته لن يحرّك عاطفة مكبوتة تجاه حيوانات ما زالت تؤدي، في نظر المعتدلين، مهنتها الطبيعية على أكمل وجه، وهي تضحي بأعز ما تملك من أجل إسعاد أبناء آدم التعساء الذين يقضون معظم أوقاتهم وهم مسمرون على شاشات التلفزيون التي تعج بمشاهد الشواء وروائحه المنبعثة من اللحوم البشرية، ريثما يأخذون أماكنهم، هم أيضا، في طوابير العقاب الذي صار يتعقبهم في كوابيسهم، ذبحا وسلخا وتقطيعا.

21