عشر دقائق

الأحد 2015/06/14
البسمات تتضاءل حتى تختفي خلف ظلال الشمع

هل لديك حقائب تتسع للجدران؟

يوم آخر تحت وطأة الحرب، لا شيء مختلف، توتر، وجوه مكفهرة تشتاق نوما، أطفال ممتنة لمعركة جمعتهم، هدوء حذر.

رنين الهاتف يمزق الصمت، يوقظ أطراف الحركة بنا، يقفز أقربنا ليرد.

- ماذا أنتظر

صرخ بوجه ممتقع ثم ألقى السماعة وأكمل

- أخلوا المنزل سيقصف بعد عشر دقائق هيااااااااااااااااا.

بات المكان أقرب لإناء ينضح ببذور الذرة المجنونة “الفشار” التي تتطاير بلا وعي، وحدي الثابت في مداري والأفكار كواكب تدور حولي تدوخني.

عشر دقائق سابقة، كنت أعدّ الشاي صامتة، أحتاج كمية كبيرة من الفناجين وخزانتي فارغة، الماء مقطوع وأغلب الأغراض متسخة، كم أحترم الكؤوس البلاستيكية في هذه اللحظة.

يتكتم الشاي على أنفاس شاربيه خشية أن يقضّ مضجع الترقب، غرفة محنية الظهر، تضج بكمية بشر أكبر من حجم خاصرتها الكهلة، نساء تتكئ على جدران متشققة الجبهة، أطفال صرعي الإرهاق في أحضانهن، رجال أحرقتهم السجائر وأعياهم ثقب السواد المشتعل بغبار دقائق مقتولة ، شيء من مخلفات الوقت.

- ميعاد الولادة قد اقترب ولا أعرف ماذا أسمي الطفل

محاولةً قتل الصمت.

- نسميه هدنة.

- بل نسميه حرب.

- دمار.

- بقعة ضوء.

- انتصار.

- وطن.

- كهرباء.

وهنا فقط قَدّت العتمة الضحكات، انقطعت الكهرباء مجدداً، تتضاءل البسمات حتى تختفي خلف ظلال الشمع، كاد كل شيء يعود إلى رتابته لولا تلك المكالمة، تباً لا بد أن نخلي في عشر دقائق.

ماذا سأفعل في عشر دقائق؟

ماذا سأحمل معي في عشر دقائق؟

لابد أن أحمل محفظة نقودي، سأحتاجها لتضيء بعض شحوب اللجوء، أوراقي الرسمية فهي مُعرفي الوحيد أمام قانون يكفر بما دون الورق، ملابس أحتاج ملابس فوحدها تزملني من حقد البعوض وفاشية الشمس، كُتبي لا بد أن أنقذها فطالما أنقذتني من ضيق الأفق، سريري ذاك المجاهد طالما احتمل تنكيلي غضبي وشخير النوم، وسادتي حضن الدموع الشجي، درج الأسرار، كما اعتدت أن أسميه يحوي كل هدية نلتها وكل حلم وأمنية لم تطلها روحي، غرفتي كم أعشق غرفتي تروي عني ما لا تعرفه أمي.

الجدران المزركشة بخطوط عمري، يا الله ماذا سأحمل وماذا سأترك للموت، لم أكن يوماً بضع أوراق تعريفية ومحفظة نقود وأنفاس، بل ذاكرة هي وحدها أنا، فإن خرجت دونها سأعيش عارية، أسيرة (الزهايمر) طيلة ما تبقّى من عمر.

- ماذا تنتظرِ هيا احملي في حقيبتك أي شيء وغادري لم يتبق وقت.

- هل لديك حقائب تتسع للجدران؟

- ماذااااااااااا هل جننتِ.

- لن أغادر.

دقت الساعة معلنة انتهاء المهلة.

كاتبة من فلسطين مقيمة في غزة

15