عشر رغبات جنسية.. تسع للمرأة وواحدة فقط للرجل

هيذر رافّو فنانة عراقية – أميركية تعيد صناعة العالم بالفن.
الأحد 2020/09/06
تسع شخصيات في سلسلة مَشاهِد

المونودراما نوع مسرحي يتصدر فيه ممثل واحد الخشبة ليقدم عرضا بخطاب مطول كشخصية مسرحية واحدة، لكن ليس كل عرض بممثل واحد يمكن تسميته بمونودراما، فهناك نمط آخر من العروض التي تكون بممثل واحد لكنه يؤدي أكثر من شخصية في أكثر من مشهد، وهنا جوهر الاختلاف، فمسرحية الممثل الواحد يمكن تقطيعها والتنويع في خطابها وشخصياتها ومشاهدها وأبرز مثال على هذا النمط المسرحي مسرحية “تسعة أجزاء من الرغبة” للكاتبة والممثلة المسرحية العراقية – الأميركية هيذر رافو.

قبل سبعة عشر عاما عرضت الكاتبة والممثلة المسرحية العراقية – الأميركية هيذر رافو، على مسرح “ترافيرس” في العاصمة الاسكتلندية إدنبرة، مسرحية بعنوان “تسعة أجزاء من الرغبة”، باللغة الإنجليزية، من تأليفها وتمثيلها وإخراج الأميركية جوانا سيتل.

وقد نال العرض شهرة واسعة، وأعيد تقديمه في لندن، وعدّه النقاد واحدا من أفضل خمسة عروض في العاصمة البريطانية خلال ذلك العام.

ثم شارك العمل في مهرجان الربيع بنيويورك أواخر العام 2004، وقُدّم في مسرح انسامبل بمانهاتن خلال العام نفسه، وفي مسرح غيفين في لوس أنجلس.

وحازت هذه العروض على الكثير من الجوائز المرموقة منها جائزة ”لوسيل لورتيل”، وجائزة “سوزان سميث بلاكبيرن”، وجائزة “ماريان سيلديس– غارسون كانين” للكتابة المسرحية، وجائزة “هيلين هايز”، وجائزة ”دائرة النقاد الخارجية”، إضافة إلى ترشيحات “دراما ليغ” للأداء المتميز.

عرض الممثلة الواحدة

اقتبست رافّو عنوان المسرحية “تسعة أجزاء من الرغبة”، كما تذكر، من نص تراثي يقول إن “الله خلق الرغبة الجنسية في عشرة أجزاء، أعطى تسعة منها للمرأة، وأعطى الجزء العاشر للرجل”، واستلهمت أحداثها من لوحة للرسامة العراقية الراحلة ليلى العطار، تصور امرأة عارية مقهورة تتشبث بشجرة جرداء، شاهدتها والتقطت صورة لها أثناء زيارتها لبغداد عام 1993، واستغرقت في جمع مادة نصها وكتابتها عشر سنين.

مسرحية "تسعة أجزاء من الرغبة" استلهمت أحداثها من لوحة للرسامة العراقية الراحلة ليلى العطار لامرأة عارية مقهورة
مسرحية "تسعة أجزاء من الرغبة" استلهمت أحداثها من لوحة للرسامة العراقية الراحلة ليلى العطار لامرأة عارية مقهورة

وهي تُصنّف ضمن مسرحية الممثلة الواحدة (One Woman Show)، تمييزا لها عن “المونودراما”، كون الممثلة تؤدي 9 شخصيات، في سلسلة مَشاهِد، هنّ نساء عراقيات مقهورات: واحدة رسامة جميلة اسمها “ليالي” (مأخوذ عن اسم ليلى العطار)، وهي المتحدثة الرئيسة، تروي تفاصيل إعدام واحدة من صديقاتها، ورمي جثتها طعاما للكلاب، وثانية امرأة بدوية اسمها “أمل” تحكي قصص حبها التعيسة، وثالثة صبية عمرها 9 سنين أوقفتها والدتها عن الدراسة بعد دخول بعض الجنود الأميركيين إلى مدرستها، وهي تجلس مذهولة أمام التلفزيون لمتابعة نشاطات الثقافة الشعبية الأميركية، ومشاهِد من الحرب، وتصف مقتل جدّيها.

المرأة الرابعة بائعة متجولة عاجزة وحدباء تصف أعمال السلب والنهب في بغداد، وخامسة شيوعية اسمها “هدى” عمرها 70 عاما لاجئة تعيش في لندن منذ العام 1963،  وسادسة “مُلّاية” تقود طقس البكاء واللطم على الجنائز.

وسابع النساء طبيبة حامل تتحدث عن حزنها على عدد الأطفال الذين ولدوا مشوهين نتيجة للحروب السابقة، وثامنة سيدة عجوز اسمها “أم غادة” ترشد الزائرين إلى أرجاء ما تبقى من ملجأ العامرية، الذي كانت أسرتها من بين 400 شخص قتلوا فيه خلال قصف أميركي له عام 1991، وتاسعة امرأة عراقية لاجئة في مانهاتن تحرص على متابعة  أخبار الحرب في العراق من خلال قناة “سي.أن.أن”، وتردد أسماء أقاربها وهي تشاهد تغطية لانفجار وقع في بغداد.

 ظهرت رافّو في كل مشاهِد العرض، حسب رأي النقاد، ممهورة بالحيوية، والتفاصيل التي لا تنسى، ومقياس الغنائية فيها مشروط بأدائها الآسر والفعال، الذي شكلته بدقة وحساسية المخرجة جوانا سيتل.

وحينما كانت تنتقل من شخصية إلى أخرى لا تختفي بقية الشخصيات كليا، بل تظل أصواتها في الخلفية، مستخدمة إياها في مزيج من التناقضات: حية وخافتة، متطورة وساذجة، مغرية وفاترة، لكنها تشكل، من خلال ترابطها، صورة جماعية قوية للمعاناة والمحنة.

 كتب النقاد الأميركيون العشرات من المقالات عن هذا العرض، أكد فيها أغلبهم أنه عرض جدير بالمشاهدة، يظهر فيه أداء هيذر رافّو حاذقا مفعما بالعمق والتشويق، ويتسم نصه بالذكاء والاهتمام بالتفاصيل الشخصية الدقيقة. ومن بين العديد من جماليات العرض القدرة على تغيير، ليس فقط الشخصية، بل درجة السرعة في الحركة التي تعطي له طابعه الخاص العنيف المثير للغضب.

ورأى بعض هؤلاء النقاد أن العرض مثال على الكيفية التي يمكن للفن فيها أن يعيد صنع العالم. كما لفت العرض اهتمام الكثير من وسائل الإعلام إلى رافّو، فظهرت في العديد من المقابلات في البرامج التلفزيونية والصحافة الأميركية.

تجارب سابقة ولاحقة

ظهرت هيذر رافّو في كل أعمالها ممهورة بالحيوية والتفاصيل التي لا تنسى ومنتصرة للنساء المغيّبات
ظهرت هيذر رافّو في كل أعمالها ممهورة بالحيوية والتفاصيل التي لا تنسى ومنتصرة للنساء المغيّبات

كتبت هيذر رافّو أول نصوصها متأثرة بمسرحية “للفتيات الملونات اللواتي اعتُبرن منتحرات..” للكاتبة المسرحية والشاعرة الأميركية إنتوزاكي شانغ، واختيرت واحدة من ستة كتّاب شاركوا في كتابة مسرحية حول التطورات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط والصراعات في لبنان وفلسطين والعراق.

كما كتبت نص أوبرا “الفلوجة” حول معركة الفلوجة الثانية التي حدثت عام 2004، وقدم العرض عام 2012. وفيه يتحدث جندي أميركي شاب اسمه “كريستيان إيليس” عن معاناته الشديدة خلال الحرب، وكيف عاد إلى أهله محملا بالصراع النفسي والفزع من الأهوال التي عاشها هناك.

مسرحية نورا

 وكانت آخر تجربة لها بعنوان “نورا” أخرجتها جوانا سيتل، أيضا، عام 2018، وأنتجتها فرقة مسرح شكسبير بالتعاون مع شركة “أوكتوبوس ثياتريكالس”، وشارك في تمثيلها، إلى جانب رافّو التي أدت دور “نورا”، الممثل البريطاني من أصل مغربي نبيل الوهيبي بدور “طارق”، داليا أزاما بدور “مريم”، ماثيو ديفيد بدور “رافا”، لوجان سيتل ريشارد بدور “يزن” وأليكس ني كويزي في تسجيل الأصوات/ الترجمة، وقدّمت عرضها الأول، على مستوى الشرق الأوسط، في مركز الفنون بجامعة نيويورك أبوظبي، حيث تعمل المخرجة أستاذة مساعدة فيها.

تتمحور المسرحية حول مواضيع تتعلق بالأسرة، وحقوق المرأة، ومفهوم الأمومة، عبر شخصيتي زوجين عراقيين مهاجرَين في نيويورك هما “نورا” وزوجها “طارق” يستقبلان ضيفة مميزة، خلال موسم الأعياد، هي لاجئة عراقية شابة اسمها “مريم”. لكن وصول الضيفة يحدث تغييراً كبيراً في الأجواء الاحتفالية، ويرغم المضيّفَين على مواجهة مخاوفهما القديمة، والتساؤل حول ما أصبحا عليه وكيف وصلا إلى ما هما عليه الآن.

تسلط رافّو في المسرحية الضوء على القصص الشخصية للنساء الأميركيات من أصل عربي في معالجة جديدة لمسرحية “بيت الدمى” لهنريك إبسن، وهي دراما كلاسيكية تروي قصة أم تكافح لتحقيق التوازن بين واجباتها وهويتها بوصفها امرأة مستقلة. وقد أشاد القائمون على مركز “دي سي مترو ثياتر آرتس” بهذه المسرحية قائلين إنها “تنتقل بسلاسة بين الفكاهة والنقاشات الجادة، وتمثل واحدة من أفضل المسرحيات الواقعية خلال الأعوام القليلة الماضية”.

وتستحضر المسرحية إلى الأذهان الكثير من المواضيع التي يتردد صداها، والتي تتناول التغيير الثقافي لدى الجاليات العربية، ومفهوم الهوية، والهجرة، وطابع العلاقة بين الجنسين، والتضحيات التي يقدمها الفرد من أجل أسرته.

يُذكر أن هيذر رافّو ابنة مهندس مدني عراقي مهاجر إلى أميركا، ولدت ونشأت في مدينة أوكيموس بميشيغان، وحصلت على البكالوريوس من جامعة ميشيغان والماجستير في الأدب من جامعة سان دييغو، وشهادة في المسرح من الأكاديمية الملكية للدراما في لندن. وقد تُرجمت مسرحيتها “تسعة أجزاء من الرغبة” إلى العربية والفرنسية والبرتغالية (في البرازيل) والتركية، ومثلت نسختها العربية الفنانة العراقية ليلى محمد وقدمت العرض في أميركا عام 2012.

معاناة النساء المقهورات
معاناة النساء المقهورات

 

13