عشوائية رئيس الاتحاد تورط الكرة الجزائرية في عزلة قارية

لم يشفع مرور قرابة العام على تنصيب خير الدين زطشي على رأس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، بالخروج من النفق الذي دخلته اللعبة بسبب هيمنة سياسة تصفية الحسابات بين الفاعلين فيها، والسقوط في مطب التسيير الهاوي لهيئة محترفة، وتوالي الأخطاء والانزلاقات في بيت الاتحاد، المرشح للانفجار قبل إكمال عهدته الحالية.
الأحد 2018/01/28
سوء قيادة زطشي للاتحاد يفتح باب الاختلافات

الجزائر - أشعل قرار رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم خير الدين زطشي، القاضي بفك الارتباط مع هيئة الرابطة الوطنية لكرة القدم، عبر فسخ عقد تسيير الدوري المحترف المبرم بينهما، فتيلا من الصراع ينذر بدخول الكرة الجزائرية نفقا يصعب الخروج منه، في ظل ردود الفعل القوية من الجناح المناوئ له، لا سيما وأن القرار يفاقم تصفية الحسابات، ويغذي مسلسل الخلافات والصراعات بين مسؤولي الهيئتين (خير الدين زطشي ومحفوظ قرباج).

وتضطلع الرابطة الوطنية بتنظيم وتسيير شؤون دوري المحترفين بقسميه الأول والثاني، منذ العام 2012، لما دخلت المنافسة الطابع الاحترافي، وسط انتقادات شديدة تكرّست بشكل لافت في الأشهر الأخيرة، على خلفية مشكلات في البرمجة والتحكيم وحل المنازعات، والتي كانت تعكس عمق الخلافات بين مسؤولي الهيئتين، بعد انتخاب الاتحاد الجديد في مارس الماضي.

وأثارت الخطوة المتخذة من طرف رئيس الاتحاد جدلا واسعا في الساحة الكروية المحلية، وطفت معها المشكلات والصراعات التي تحكم اللعبة على السطح، خاصة في ظل الغياب المستمر للانسجام والتوافق داخل المكتب الاتحادي، وحالة التململ التي تعيشها النوادي المحترفة، بسبب غياب الشفافية وتكافؤ الفرص بين الجميع.

وجاء فك الارتباط المنتظر بين الاتحاد والرابطة في أعقاب مسلسل من النكسات التي منيت بها الكرة الجزائرية على الصعيد القاري، وكان آخرها رفض “الكاف” لملف ترشح العضو الاتحادي بشير ولد زميرلي لعضوية المكتب القاري، بسبب عدم وصول الملف في الآجال القانونية، مما يبقي مرشح الاتحاد الليبي وحده في السباق عن منطقة شمال أفريقيا.

ولا يستبعد مراقبون للشأن الكروي، أن يكون توجه الاتحاد لفسخ عقد تسيير الدوري المحترف، من أجل التغطية على ما وصف بـ“الفضيحة”، و“الخطأ البدائي”، في الدفاع عن التمثيل الجزائري في الاتحاد القاري لكرة القدم، بعد استبعاد ملف العضو الاتحادي والرئيس السابق لنادي نصر حسين داي. وكان “الكاف” قد شدد على عدم توصله بأي ملف ترشح من الجزائر لانتخابات هيئة المكتب في الآجال القانونية، وأن الملف الوحيد الذي وصله هو ملف بشير ولد زميرلي، لكنه خارج الأجندة الزمنية القانونية، مما يبقي مرشح الاتحاد الليبي، وحيدا في السباق المنتظر على مقاعد الهيئة.

رئيس الرابطة المقال محفوظ قرباج هدد بتدويل قضيته عبر تقديم شكاويه إلى الهيئات الكروية الدولية من أجل استعادة حقوقه واستعادة الشرعية

عقوبات منتظرة

ينتظر مراقبون أن يسلّط الاتحاد الأفريقي لكرة القدم عقوبات على رئيس الاتحاد الجزائري خلال الاجتماع المنتظر لمكتبه التنفيذي المنتظر في نهاية الشهر الجاري ومطلع الشهر القادم بالمغرب، على خلفية ما وصف بـ“تجاوزات مخلة بالقوانين المسيرة للعبة ارتكبها خير الدين زطشي، على هامش تنظيم كأس أفريقيا للمحليين الجارية بالمغرب”.

وتحدثت مصادر مطلعة عن عقوبة إبعاد من هيئة الكاف لمدة عامين، فضلا عن غرامة بعشرين ألف دولار تنتظر الاتحاد الجزائري، وذلك طبقا للنصوص المسيّرة للعبة، بعد ملاسنات خير الدين زطشي مع الأمين العام للكاف مصطفى فهمي، وانسحابه من لجنة تنظيم كأس “الشان”، احتجاجا على ما أسماه بـ“عرقلة ملف ترشيح ممثل الاتحاد الجزائري في انتخابات المكتب التنفيذي”.

ولا يزال الاتحاد المحلي يتكتّم عن الاختلالات المسيئة لسمعة الكرة الجزائرية، وتحدث في موقعه الرسمي عن تلقي دعوة من الاتحاد الأفريقي للمشاركة في اجتماع الهيئة مطلع الشهر الداخل، في محاولة لنفي ما وصفه بـ“الإشاعات التي تتحدث عن عقوبات تنتظر الاتحاد الجزائري”. وتحدث مدير التوثيق والإعلام في الاتحاد ناصر باي عبود، عن “توصيات رفعتها اللجنة المختصة بشأن التعاطي مع وقائع معينة، تتعلق بالرئيس خير الدين زطشي، إلى المكتب التنفيذي والهيئة القيادية للنظر فيها، وأن الأمر لا يتعلق بعقوبات حسب ما تروج له بعض الأوساط”.

وأعاب مهتمون وإعلاميون على الاتحاد المحلي عدم الجدية في التعاطي مع مسألة سيادية، ووجهت انتقادات شديدة لخير الدين زطشي، على تفويت هذه الفرصة على البلاد للتواجد في الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، بسبب ما وصف بـ“أخطاء التسيير الهاوي”، والتفرغ لتصفية الحسابات والمصالح الشخصية، بدل الاهتمام بشؤون ومصالح الكرة الجزائرية. وأكدت مصادر مطلعة أن خير الدين زطشي كان قد دخل في ملاسنات كلامية مع مسؤولي الكاف في المغرب عشية انطلاق كأس أفريقيا للمحليين، وحاول الضغط بالتركيز على تاريخ إرسال الملف وليس تاريخ الوصول، كما انسحب من لجنة تنظيم “الشان” دون تقديم مبررات للهيئة الوصية.

وقالت تلك المصادر إن “سبب تأخر إيداع ملف المرشح الجزائري، هو تأخر الاتحاد في حسم العملية بسبب الخلافات الشخصية حول المرشح، ولم يتم إرسال الملف إلا في الساعات الأخيرة، أملا في تدخل السلك الدبلوماسي في القاهرة لإيداع الملف لدى مصالح الكاف، إلا أن إجراءات الإرسال (البريد السريع)، وعدم تفاعل موظفي السفارة مع بريد الاتحاد، حالا دون وصوله في 24 ساعة الأخيرة من المهلة القانونية”.

وبغية تلافي التبعات الناجمة عن الخلاف مع هيئة الكاف، بادر رئيس الاتحاد إلى نفي دخوله في ملاسنات مع مسؤولي الكاف في المغرب، وأرجع عودته للبلاد وعدم المشاركة في لجنة التنظيم، إلى “مسائل شخصية”، إلا أنه شدد على أن هيئته ستتقدم بشكوى لدى محكمة التحكيم الرياضي للدفاع عن حقوقها، وهو ما يلمح لدخول الكرة المحلية في تجاذبات مجانية مع الهيئات القارية والدولية، قد تنعكس سلبا على مشاركة النوادي والمنتخبات في المنافسات التابعة لها.

الاتحاد الأفريقي لكرة القدم ينتظر أن يسلط عقوبات على رئيس الاتحاد الجزائري خلال الاجتماع المنتظر لمكتبه التنفيذي المنتظر نهاية الشهر الجاري ومطلع الشهر القادم بالمغرب

وذكرت مصادر متابعة أن رئيس الاتحاد يكون قد وضع مسألة فك الارتباط مع الرابطة على رأس جدل أعمال المكتب المقرر الأحد الماضي بمدينة سطيف (300 كلم شرقي العاصمة)، كخيار لبسط نفوذه على الفعاليات الكروية والتخلص من البؤر المناوئة، بعد سحب البساط من الرئيس السابق للرابطة محفوظ قرباج، وتعويضه بلجنة مسيّرة مؤقتة إلى غاية نهاية الموسم الجاري.

تدويل القضية

الظاهر أن ردود الفعل القوية التي خلفها القرار ووقوع الرجل في خروقات قانونية، سيعمقان متاعبه ومسلسل هفواته الداخلية والخارجية، خاصة بعد تهديد رئيس الرابطة المقال محفوظ قرباج، تدويل قضيته عبر تقديم شكاويه إلى الهيئات الكروية الدولية من أجل استعادة حقوقه واستعادة الشرعية. وعبر محفوظ قرباج، المدعوم من طرف رؤساء نوادي القسمين الأول والثاني من دوري المحترفين، عن رفضه لقرار رئيس الاتحاد، ووصفه بـ“الخارق للقوانين والنصوص”، وأنه “لن يفرط في حقه وفي الثقة الموضوعة في شخصه”، في إشارة إلى سيناريو مطروح بقوة حول تمرد رؤساء النوادي على مسؤولي الاتحاد.

ويعمل مقربون من زطشي على التهوين من العقوبات المنتظرة من الكاف، بدعوى “عدم استفادة الجزائر من علاقات طيبة سابقة بين الطرفين في الحفاظ على مصالح النوادي والمنتخبات، وأن تواجده في الهيئة لن يقدم ولا يؤخر في الوضع”، وهي المبررات التي يحذر منها فاعلون في الكرة المحلية قياسا بـ“حضور البلاد في المحافل القارية والدفاع على مصالحها، ودخولها في عزلة تزيد من انحدار نواديها ومنتخباتها في المنافسات القارية والعالمية”.

وفي هذا الشأن أشارت مصادر مطلعة لـ“العرب”، إلى أن “الجهات الفوقية التي فرضت خير الدين زطشي رئيسا للاتحاد لم تعد مرتاحة لفشله المستمر في احتواء مشاكل اللعبة التي توظفها كمسَكّن للاضطرابات الاجتماعية، وقد تضطر إلى البحث عن بديل له”، وهو ما تجلى من الامتعاض الذي بدا في تصريحات وزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي، تعليقا على سحب البساط من رئيس الرابطة.

وشكلت عملية استقدام لاعبين جدد في الميركاتو الشتوي للنوادي التي لم تسدد ديونها، رغم الإقرار السابق بحرمان كل فريق تفوق ديونه أكثر 100 ألف دولار، من استقدام أي لاعب في الميركاتو، القشة التي قصمت ظهر البعير بين مسؤولي الاتحاد، والرابطة الوطني لكرة القدم، بسبب ما اعتبر “تلاعبا من قرباج بالقرارات الصادرة عن المكتب الاتحادي”.

وعرفت بداية عهدة الاتحاد الجديد، أكبر نكسة كروية في الجزائر، حيث أقصيت النوادي والمنتخبات من المنافسات القارية والدولية، إضافة إلى المشاركة المتواضعة في نهائيات كأس أفريقيا. وفشلت مولودية الجزائر واتحاد العاصمة في بلوغ أدوار متقدمة في المنافستين القاريتين، كما أقصي المنتخب المحلي أمام نظيره الليبي من خوض نهائيات كأس “الشأن” الجارية في المغرب، أمام المنتخب الأول، فقد خرج من الدور الأول في نهائيات كأس أفريقيا، وفشل مبكرا في بلوغ نهائيات كأس العام 2018 بروسيا، فضلا عن اضطراب كبير في الأطقم الفنية لتلك المنتخبات.

وكان بشير ولد زميرلي، قد عبّر لوسائل إعلام محلية، عن استيائه الشديد من قرار الإقصاء من خوض انتخابات عضوية مكتب الكاف، وألمح إلى مناورات داخلية عملت على عرقلة ملف ترشحه، واعترف بأن قرار الترشح لم يتبلور لدى مكتب الاتحاد إلا في الساعات الأخيرة لنهاية المهلة القانونية.

وأبدى تعلقه بأمل التحقيق الذي وعد رئيس الاتحاد بفتحه للوصول إلى الأسباب الحقيقية التي حالت دون وصول ملف ترشح ولد زميرلي إلى الهيئة الأفريقية في الآجال الرسمية، فضلا عن تدخل المحكمة الرياضية لصالحه، وهو أمر مستبعد بحسب مختصين وإعلاميين، كون الاتحاد المحلي هو من يتحمل مسؤولية العملية.

عهدة الاتحاد الجديد فتحت بأخطاء واختلالات بدائية، تنم عن أسلوب الهواة في تسيير شؤون دوري محترف، حيث غلبت العشوائية والارتجال على قرارات رئيس الاتحاد

وكان وزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي، قد أعرب عن استياء شديد من فشل هيئة خير الدين زطشي في الحفاظ على المكاسب والحضور الجزائري في المحافل القارية، واعترف لأول مرة بـ“احترافية” الرئيس السابق محمد روراوة في إدارة شؤون الاتحاد، وفي تراكم الخبرات لديه، فيما يتعلق بكواليس إدارة شؤون اللعبة على المستوى القاري.

وكان ولد علي، أكبر الداعمين للرئيس الجديد، وأحد الضاغطين في مارس الماضي في كل الاتجاهات من أجل قيادته للاتحاد، إلا أن الخذلان المتكرر للهيئة الجديدة لشؤون اللعبة، والدخول في نفق مظلم قد يدفع الرجل إلى مراجعة حساباته، بعدما ثبت عجز خير الدين زطشي عن الاضطلاع بشؤون اللعبة التي تراهن عليها السلطة لضمان الاستقرار الاجتماعي وإلهاء الرأي العام عن القضايا والمسائل الحقيقية للمجتمع.

عجز عن الإصلاح

عجز الاتحاد الجديد عن إصلاح الاختلالات التي كان ينتقد على أساسها رئيس الاتحاد السابق محمد روراوة، وفي مقدمتها مشكلات تنظيم الدوري ومحاربة الفساد، وظاهرة العنف في الملاعب، وانحياز التحكيم وترتيب النتائج.. وغيرها، وهو ما اعترف به الرئيس السابق لنادي اتحاد بسكرة محمد ساعو، حول ما أسماه بـ”كلنا يبيع وكلنا يشتري”، في أحد اجتماعات الجمعية العامة للاتحاد.

ويرى متابعون أن عهدة الاتحاد الجديد “فتحت بأخطاء واختلالات بدائية، تنم عن أسلوب الهواة في تسيير شؤون دوري محترف، حيث غلبت العشوائية والارتجال على قرارات رئيس الاتحاد، بداية من التعاقد مع المدرب الإسباني المغمور لوكاس ألكاراز للإشراف على المنتخب الأول، وتعيين فضيل تيكانوين مديرا فنيا للمنتخبات الوطنية، فضلا عما وصف بـ’فضيحة الكوطة’ التي عمقت الصراع المفتعل بين لاعبي الدوري المحلي واللاعبين الناشطين في الدوريات الأجنبية”.

وتثير المفاضلة التي يحظى بها بعض النوادي التي انتخب رؤساؤها في مكتب الاتحاد، وهما على وجه التحديد اتحاد العاصمة (ربوح حداد)، ونصر حسين داي (بشير ولد زميرلي)، فضلا عن نادي بارادو (خير الدين زطشي)، استياء باقي النوادي الأخرى وتمهد لانفجار داخلي قد يدخل اللعبة في فوضى غير مسبوقة، حيث أبدى البعض منها تخندقه مع جناح رئيس الرابطة محفوظ قرباج في صراعه مع مسؤولي الاتحاد.

كاتب جزائري

22