عشوائية في عقل الأحزاب المصرية

الاثنين 2015/01/19

على مدار خمسة أشهر أخفقت الأحزاب السياسية المدنية بمصر، في التوافق على صيغة تضمها في قائمة وطنية، لدخول الانتخابات البرلمانية المقبلة، والفوز بأكبر نسبة من مقاعد مجلس النواب، وقطع الطريق على تسرب عناصر إخوانية غير معروفة، وفجأة دبت الحياة في جسد غالبيتها، بعد لقاء جمع قيادات فيها مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، ناشدهم خلاله التوافق على قائمة انتخابية واحدة.

الدعوة أو الطلب أو المناشدة الرئاسية، فهمها كل حزب على طريقته، منهم من اعتبرها إلزامية، وبدأ يبذل جهودا مضنية لتلبيتها حتى لا يتهم بالتقاعس، وعدم الاستجابة لرغبات الرئيس، وبالفعل لم تتوقف عجلة الحوارات والمناقشات في صفوف عدد كبير من الأحزاب، التي التقت السيسي (19 حزبا على مدار يومي 12 و13 يناير الجاري)، منذ خروج ممثليها من قصر الاتحادية، أملا في أن يثبت كل حزب أنه لا يعارض الرئيس.

ومنهم من اعتبرها غير إلزامية، لأنها جاءت عرضية وغير مخطط لها، حيث أشار إليها الرئيس، في معرض شكوى بعض القيادات الحزبية، من حصول القائمة الانتخابية لكمال الجنزوري مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية على مزايا تفضيلية من الدولة، بصورة أوحت أن السيسي يقف خلفها، وأنها أصبحت ممثلة له، في هذه اللحظة نفى الرئيس وجود علاقة بينه وقائمة الجنزوري، ثم جاء حديثه عن الخطوط العامة لقائمة موحدة.

ربما يكون استخدام رئيس الوزراء الأسبق الجنزوري لبعض الممتلكات العامة لعقد اجتماعاته، وضمه لعدد من المسؤولين السابقين والحاليين، هو الذي دفع القيادات الحزبية لبث هواجسها في حضرة الرئيس، وإحراجه لنزع الغطاء صراحة، بل وتوجيه طعنة سياسية تفقد قائمة الجنزوري التوازن الذي بدت عليه مؤخرا.

المهم أن انخراط الأحزاب التي التقت الرئيس مؤخرا، في البحث عن قائمات مشتركة لتشكيل قائمة وطنية، كشف مجموعة من التناقضات داخلها، فقد فشلت خلال الفترة الماضية في الوصول لمعالم مشتركة تلتف حولها، وبدا الدخول والخروج من التحالفات عملية كوميدية، فما إن ينضم حزب لقائمة حتى يخرج منها لأخرى، أو يهرب بعيدا، لأنه لم يجد المكاسب التي يريدها، واستمر الدوران في فلك القائمات، حتى انتهى الحال إلى وجود ثماني قائمات، تتصارع في ما بينها، وتضم قوى وأحزاب سياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولا يزال معظمها مفتوحا على مصراعيه للصراعات فكيف سينجح 19 حزبا، التقوا الرئيس، في التوافق حول قائمة واحدة؟

الواضح أن الأحزاب المصرية تعيش حالة من التخبط والارتباك، وأثبتت على مدار الأشهر الماضية أن العيوب التي تنخر هياكلها مرضية، والفجوات داخلها يصعب سدها بسهولة، فرغم سقوط نظام حسني مبارك، الذي اتهم دوما بتخريب الحياة السياسية في مصر، منذ حوالي أربع سنوات، إلا أن الأحزاب القديمة والحديثة، فشلت في تكوين قواعد شعبية متينة، تمكنها من أن تصبح أرقاما رئيسية في معادلة الحكم أو المعارضة.

الأحزاب تفرغت لتصفية الحسابات، ومحاولة الحصول على مزايا حزبية وشخصية، حتى وصل بها الحال إلى أن تتناحر، ولا تصل إلى اتفاق حول أجندة وطنية لمواجهة التيار الإسلامي، الذي نجح بفضل ضعف منافسيه أساسا، في دخول البرلمان السابق، وينافس على دخول البرلمان القادم وسط تعرضه لهزات قصمت ظهره سياسيا.

بدلا من أن تستغل الأحزاب الدعوة للتكاتف الوطني، قام البعض بتوظيفها في تكسير عظام الجبهة الوطنية، التي يقودها الجنزوري، وحققت تفوقا نسبيا، مقارنة بقائمات أخرى، من حيث عدد الأحزاب، والأسماء السياسية الكبيرة التي انخرطت فيها، وجرى الاستفادة من إشارة السيسي على أنها بمثابة تخل واضح عن أي دعم رسمي، غير مباشر، للرجل وقائمته، الأمر المتوقع أن يؤثر شعبيا عليها، حيث كان قطاع كبير في أوساط الرأي العام يتعامل مع قائمة الجنزوري، باعتبارها الصيغة التي يدعمها الرئيس السيسي، أو ما يسمى ضمنيا بـ“حزب الرئيس”، لأن الدستور المصري الجديد يمنعه من رئاسة أي حزب، ورفض أكثر من مرة أن يكون له “ظهير سياسي”، ويعتبر نفسه ممثلا لجميع الأحزاب والقوى السياسية والوطنية.

الحاصل أن إشارة السيسي، يبدو أنها كانت ترمي إلى فك الارتباط الذي شاع حول علاقته بقائمة الجنزوري، خاصة بعد أن تعرض الأخير لانتقادات كثيرة من فئات شبابية مختلفة، حيث ضم عددا كبيرا من رموز الحزب الوطني المنحل، الأمر الذي وضع السيسي في خانة اتهامات تشي بسماحه لرموز من نظام مبارك بالاقتراب من نظامه الحالي، بطريقة بدأت تغضب قوى مختلفة.

بالتالي انتهز الرئيس فرصة اللقاء المفاجئ مع ممثلي بعض الأحزاب، لتوصيل رسالة قاطعة ومزدوجة، تخص قائمة الجنزوري التي أثيرت حولها الشبهات، والأخرى تتعلق بعدم فتح الأبواب أمام رموز الحزب الوطني، وتحميلهم على الكاهل السياسي للرئيس، ليظل خطابه متسقا مع ما قاله سابقا، بخصوص عدم سعيه لأي ظهير سياسي له داخل البرلمان، ليس لأنه يكره فكرة الظهير، لكن لأنه على ثقة أن تشكيلة مجلس النواب سوف تكون غير متجانسة، ما يمنحه فرصة للإمساك بخيوط كثيرة، في ظل الانعدام المتوقع لوجود قوة حزبية مهيمنة على البرلمان المقبل.

الطريقة التي تدير بها الأحزاب اللعبة السياسية، تركت انطباعات أنها عشوائية وغير منظمة، ويكفي أنها لم تفلح في التفاهم من تلقاء نفسها، وجرت وراء أول إشارة قذف بها الرئيس في وجهها، رغبة في التقرب منه، فأي برلمان هذا الذي تمثله قوى ليس لديها حد أدنى من الشعور بطبيعة المصلحة الوطنية، في مرحلة غاية في الحساسية؟


كاتب مصري

9