عصابات الشباب ظاهرة عدوانية تهدد المجتمعات العربية

انتشرت ظاهرة العنف بين الكثير من المراهقين، وبدأوا في تكوين مجموعات على هيئة عصابات تضم أفرادا من رفاق السوء، تنتشر في المدارس والأحياء السكنية، ولا يقتصر وجود تلك المجموعات على وسط مجتمعي أو شريحة اجتماعية وحدها، بل هي ظاهرة من الظواهر السلبية التي تجتاح المجتمعات العربية بكافة شرائحها، والتي تحتاج إلى مؤسسات كي ترصدها وتعتني بعلاجها.
الاثنين 2017/08/28
ظاهرة سلبية تجتاح المجتمعات

القاهرة - كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة عين شمس في مصر أن هناك علاقة بين نوع العمل وأسباب ارتكاب الجرائم، وتناولت كذلك العلاقة الطردية بين الإدمان وبين العنف مع توضيح العلاقة بين مشاهدة التلفزيون وارتكاب الجرائم، خاصة مع الأمية وسوء الظروف الاقتصادية وتطلعات الشباب التي يقابلها الإحباط دوما.

وأوضحت الدراسة أيضا وجود علاقة بين السمات الشخصية والسلوك العنيف لمرتكبي الجريمة، وأوجدت علاقة طردية بين الاستعداد للإصابة بمرض ذهني وزيادة احتمال ارتكاب جرائم العنف.

ويقول الدكتور كمال أحمد أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس إن السلوك العدواني ظاهرة ولدت مع العصر الحديث بمتغيراته وظروفه، فيولد الطفل ويبدأ فى تخزين المعلومات والسلوكيات بشكل أساسي من الوالدين اللذين يمثلان له القدوة والمثل الأعلى، وعلى ذلك فإن الزيجات الفاشلة تنجب دوما أطفالا عدوانيين يصبحون بدورهم شبابا غاية في العنف والعداء.

وأوضح أن وسائل الإعلام تلعب دورا غاية في الأهمية في توجيه سلوك الشباب، حيث تدفع كثرة أفلام وبرامج العنف التي تعرض في مختلف وسائل الإعلام الشباب إلى الاقتداء بذلك السلوك واتباعه.

وأكد أن علاج هذه المشكلة يبدأ من الوالدين اللذين يمثلان قدوة لأطفالهما، فلا بد أن يقتديا بحلو الكلام وهدوء الأعصاب وحسن الأخلاق ومن ثم يشب الطفل على أسس معينة وتتكون لشخصيته سمات وخطوط عريضة تخلق نوعا من الاتزان النفسي بداخله.

ويرى الدكتور فايز إبراهيم أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس أن الشباب يعيش مرحلة عمرية أساسية تسمى مرحلة المراهقة تبدأ من 12 إلى 18 عاما، وأحيانا تتجاوز هذا العمر لتصل إلى 25 عاما، وهذه المرحلة هي مرحلة التمرد على التقاليد والسلطة الأسرية، وتعبيرا عن هذا التمرد يلجأ الشباب إما إلى استخدام العنف والعداء وإما إلى اتباع كل ما هو غريب ولافت للتعبير عن استقلالهم ونضوج شخصيتهم.

ومن جانب آخر، يقول الدكتور إسماعيل كامل أستاذ علم النفس في جامعة عين شمس إن هناك مجموعة من الأسباب أدت إلى انتشار العنف لدى الشباب والمراهقين منها العنف الأسري، والمتمثل في الضرب المبرح للأبناء، ودوام التوبيخ والتجريح والنقد والتحقير، وعدم وجود أي عبارات للتشجيع والثناء والمديح، والتكليف بما لا يطاق أحيانا، ومحاولة بعض الآباء أن يحقق ابنه ما فشل هو في تحقيقه؛ كأن يجبره على سلوك عمل معين، أو دراسة شيء معين هو لا يحبه ولا يهواه وقد عد الكثير من العلماء النفسيين والمحللين والمتخصصين ذلك من أكبر أسباب العنف لدى الأبناء، إذ أن النشأة هي الأساس ولها الدور الأكبر في تشكيل نفسية الطفل.

وقد يكون عنف أحد الأبوين أو كليهما ناتجا عن تربيتهما الأولى فيصبح الوالد عنيفا ويتعامل مع أبنائه كما عومل، أو بسبب تعاطيهما أو أحدهما المخدرات والمسكرات التي تعد من أسباب العنف في البيوت، وكذلك جراء الثقافة الخاطئة أو سوء الفهم باعتقاد الأب أن الغلظة في التعامل هي الرجولة وهي القوامة، وهو لا شك مفهوم خاطئ.

نشر ثقافة التراحم والتفاهم ونبذ التشدد والاعتماد على العقل وتقديم الأذكياء ومدحهم يساعد في نبذ الاعتماد على العضلات

ويعتبر الشعور بالنقص من أسباب العنف، ويشتد هذا الشعور عند الأيتام، أو الأبناء غير الشرعيين، وهؤلاء إن لم يحاطوا برعاية وعناية ينشأون ناقمين على مجتمعاتهم، فيكثر فيهم التجبر والعصيان والانحراف.

وربما كان الشعور بالنقص ناتجا عن سوء تربية في البيت أو سوء معاملة من مدرس أو مسؤول، ولهذا نلفت أنظار المربين خصوصا المدرسين، أن يحذروا جرح الطلاب ووسمهم بالنقص لأن ذلك سيدفعهم في الغالب إلى الانتقام، فإن لم يستطيعوا الانتقام من أساتذتهم تحول ذلك إلى عنف يمارسونه مع أصحابهم ليغطوا ما مسهم من إهانة وتحقير.

ويرى كامل أن الإعلام له الدور الأكبر في نشر ثقافة العنف بين الشباب، فمشاهدة أفلام الرعب أو الحركة “الأكشن”، ولون الدماء التي تغطي كل شيء، مع تبجيل أصحاب البطولة في هذه الأفلام والمسلسلات، حتى يتوهم الشاب أن البطولة في الضرب والقتل والسلب والنهب، وتصبح هذه الثقافة هي السائدة، خصوصا حين يتقمص الصبي دور البطل ويعيش معه في عقليته دون النظر إلى التاريخ الذي يحكي عنه الفيلم أو المسلسل، أو النظر إلى الاختلاف بين الواقع المعيش وزمن القصة المرئية، ولكن شئنا أم أبينا هي ثقافة تتسلل إلينا وإلى شبابنا.

وأهم من هذا كله أن الإعلام جعل هؤلاء هم القدوة، يتصدرون صفحات الجرائد والمجلات، ويعتلون المنابر الإعلامية، ويستضافون على موائد برامجها، وكأنهم أبطال حقيقيون مما يجعل الأبناء يتمنون أن يكونوا أمثالهم فعلا.

وأضاف كامل موضحا “من ضمن المسببات انتشار البطالة بين الشباب وعدم توفير فرص للعمل مما يصيبهم بالشعور بالإحباط وخيبة الأمل واليأس من المستقبل، وعدم القدرة على فتح بيت وتكوين أسرة مع تأخر سن الزواج المتزامن مع مشاهد العري في القنوات، مما يؤدي إلى الكبت الداخلي، والذي يعبر عنه غالبا في صورة من صور العنف الخارجي.

وقد يزيد عنف الخطاب الديني عند بعض المتصدرين والمتحدثين باسم الدين، والشحن الزائد عن الحد، أو مطالبة المدعوين بما لا يطيقونه، وعدم مراعاة حال الناس وواقعهم وحدود إمكانياتهم، التوتر عند المتقبلين من الشباب ويزيد منسوب العدوانية والعنف لديهم.

ولا شك أن الحد من مشكلة العنف والعدوانية لدى الشباب يكون بمعالجة مجمل هذه الأسباب والبحث عن نشر ثقافة تربوية عند الآباء والمربين والمدرسين في كيفية التعامل مع النشء وتوجيههم بعيدا عن الشدة والعنف.

كما أن نشر ثقافة التراحم والتفاهم ونبذ التشدد والاعتماد على العقل وتقديم الأذكياء ومدحهم يساعد في نبذ الاعتماد على العضلات في حل المشكلات. لا بد من نشر سياسة الحوار بين الشباب والجهات المعنية، ودراسة المشكلات بكل شفافية وترك الفرصة للشباب ليتحدث عن نفسه وعن حاجاته، وأن يكون المسؤولون عنهم ممن هم أقرب إلى أعمارهم وأفهامهم وعقولهم وأعرف بمتطلبات مرحلتهم، مع الشفافية والصدق في إيجاد حلول حسب الإمكانيات المتاحة والمتيسرة لدى الدول دون الوعود البراقة.

21