عصابات "دفع الثمن" اليهودية تضع إسرائيل أمام مفترق طرق

الخميس 2014/01/30
انتهاكات هذه العصابات تتمتع بحصانة ضد أي رادع قانوني

غالبا ما تتمتع هجمات عصابات المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين بحصانة فعلية تقي مقترفيها من أي رادع قانوني إسرائيلي. وبعض من هذه الهجمات المعروفة بـ “دفع الثمن” استهدفت شخصيات أمنية إسرائيلية أيضا. وتشمل هذه الجرائم هجمات ضد المدنيين الفلسطينيين، واقتلاع الأشجار، وتدنيس المساجد والكنائس، وتدمير السيارات والممتلكات الخاصة، ويقع أغلبها داخل الأراضي المحتلة.

وتحصل هجمات “دفع الثمن” وسط تباين كبير في موازين القوى بين مجتمع إسرائيلي متسلط بقوة الاحتلال وآخر فلسطيني خاضع تحت نير هذا الاحتلال. وتتضمن هذه العصابات عناصر من المجتمع الوسطي الإسرائيلي فضلا عن الاستيطاني، وكلها تعمل خارج نطاق القانون، ودون مباركة مباشرة من الدولة. مع ذلك يبدو أن تل أبيب غير قادرة على تفعيل كامل سلطتها ضد هذه العصابات.

وما يمنح هذه العصابات هذه الحصانة هو انتماء أفرادها إلى الهوية الجامعة لليهود في إسرائيل. أما الفلسطينيون في الأراضي المحتلة فيعيشون تحت حكم الجيش الإسرائيلي، دون التمتع بحق المواطنة ضمن نطاق أية دولة.

وبالمقارنة، فإن عصابات “دفع الثمن” هم مواطنون إسرائيليون يتمتعون بكل ما يلحق هذه الصفة من حقــــوق ومسؤوليات.

هذه الحال جعلت من الفلسطينيين سكانا دون حماية وهدفا سهلا لهذه الهجمات. هذه الهجمات تضع إسرائيل والاحتلال أمام معضلة أخلاقية وسياسية. فلا ينبغي لأية دولة أن تسمح لحالة الفلتان والفوضى أن تسود. بل يتعين عليها أن تطبق القانون ضد هؤلاء الهمج لتقوية ضحايا هذه الهجمات، وبما يُرسل رسالة ضمنية بأن الفلسطينيين المضطهدين بالاحتلال متساوون أمام القانون.

إن بقاء هذه التركيبة من انعدام المساواة من الناحيتين الهيكلية والقانونية بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعطي حافزا لاستمرار حالة الامتناع عن ملاحقة هجمات “دفع الثمن” بفعالية. بالطبع فإن بعضا من هذه الهجمات قد خضع للمقاضاة لمنع خلق شعور من سيادة مناخ الفوضى اللامحدود وللتذكير بسلطة الدولة. ولكن حتى لو كان هذا الحد من الرد يدفع إلى الطمأنينة عند الإسرائيليين، فإنه لا يفعل الشيء نفسه عند الفلسطينيين.

بالطبع هناك أيضا هجمات فلسطينية ضد الإسرائيليين في الأراضي المحتلة. ولكن يتفق الجميع تقريبا على أن قوات أمن السلطة الفلسطينيية تستحق الثناء على ما تقوم به إذا ما أخذنا بعين الاعتبار القدرات المحدودة وصغر مناطق النفوذ نسبيا والتحديدات الإسرائيلية.

ينظر المستوطنون الإسرائيليون المتطرفون إلى أنفسهم على أنهم طلائع الحركة اليهودية التي تدعو إلى تشكيل “إسرائيل العظمى” وهم بذلك يرون أنفسهم أعلى من سلطة القانون. ويتم التعبير عن ذلك ليس فقط من خلال هجمات “دفع الثمن” بل أيضا عن طريق تشكيل نقاط استيطانية في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، فضلا عن انتهاكات أخرى تتحدى سلطة الدولة الإسرائيلية باسم مشروع التوسع وضم الأراضي. وغالبا ما يتغاضى كثير من المسؤولين والمؤسسات الإسرائيلية عن هذه الجرائم، ولأسباب أيديولوجية ودينية وإثنية.

وتجد إسرائيل نفسها اليوم أمام مفترق طرق، كما حصل مع مجتمعات أخرى مرت بتحديات مماثلة في العصور السابقة. مطلوب منها أن تطبق سلطة القانون من خلال معاقبة هؤلاء الأفراد المتطرفين، ولكن هذا قد يعني أيضا مراجعة الامتيازات التي يتمتع بها هؤلاء المستوطنون في الأراضي المحتلة.

إن المجتمع الإسرائيلي قادر على الوقوف بقوة بوجه هؤلاء المتطرفين.

وهذا واقعيا سيصب في مصلحة إسرائيل من خلال فرض السيطرة على هؤلاء المجرمين. أما ضريبة عدم فرض القانون فستكون عالية ومؤذية لإسرائيل نفسها. على إسرائيل أن تقرر في ما إذا كانت ستسمح لأقلية إجرامية أن تقوم بفرض أجندتها على الأغلبية فيها.

وانتقد كثير من الساسة الإسرائيليين وقادة المجتمع هجمات “دفع الثمن” الإجرامية. ولكن الكلام وحده لا يكفي. بإمكان إسرائيل أن تقوم بأكثر من ذلك، وينبغي عليها فعل أكثر من ذلك لمجابهة الخطر الذي تفرضه جماعات عنفية خارجة عن القانون.

هذه الجماعات هي نتاج الأيديولوجية والقيم المتطرفة المسؤولة عن اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين. إذا سمحت إسرائيل لهذه الحركة المتبرعمة بالنمو فإنها تخاطر بالسماح ببروز شريحة من مجتمعها تتخذ من العنف أسلوبا لمقاومة أية فرصة لتحقيق السلام مع الفلسطينيين، كما يتضح من بعض الهجمات والتهديدات التي طالت قوات الأمن الإسرائيلية نفسها.

واجب إسرائيل الإخلاقي والقانوني يفرض عليها توفير الحماية للفلسطينيين الذين يعيشون تحت نير الاحتلال. وأكثر من ذلك، فإذا أرادت إسرائيل أن تكون دولة ديمقراطية ويهودية فعليها أن تُنهي الاحتلال وتسمح بتشكيل دولة فلسطينية مستقلة. عصابات “دفع الثمن” ترى نفسها، وهي فعلا كذلك، طليعة شريحة من المجتمع الإسرائيلي تفضل المخاطرة بمجابهة قطاعات المجتمع اليهودي الأخرى على التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين.

تحت هذه الظروف، وبالرغم من مظالم الاحتلال، فإن الفلسطينيين والإسرائيليين بالنهاية يعيشون جنبا إلى جنب.

يتعين على الطرفين وقف أية هجمات ضد الآخر، لأسباب أمنية تتعلق بالطرفين، ولكن أيضا للمحافظة على فرصة السلام.

وعلى المدى البعيد، فإن السيطرة على هذه العصابات المتطرفة ستمثل مقدمة لإنهاء التركيبة التي تسمح بانعدام المساواة التي يفرزها الاحتلال من خلال السماح للفلسطينيين بإنشاء دولتهم المستقلة. وعلى المدى القصير، فإن أقل شيء على إسرائيل فعله هو فرض قانونها على مواطنيها من المستوطنين داخل الأراضي المحتلة.

رئيس منظمة “فريق العمل الأميركي من أجل فلسطين” - واشنطن

7