عصابة الجنوب تحافظ على الكبرياء

كل المدن، وكل الفرق في فرنسا ستدين لأولمبيك مرسيليا وسترفع له القبعة، ستمنحه صوتها كي يواصل بمفرده الدفاع عن حقوق الكرة الفرنسية بالمراهنة على التتويجات والكؤوس.
الأحد 2018/05/06
أولمبيك مرسيليا ينعش آمال الفرنسيين بالتتويج في أوروبا

أولمبيك مرسيليا ينتفض، أولمبيك مرسيليا يقلب دفاتر تاريخه الأوروبي المتوهج ويضرب موعدا مع نهائي قاري جديد، أولمبيك مرسيليا ينعش آمال الفرنسيين بالتتويج في أوروبا.

هكذا كانت أغلب عناوين الصحافة الفرنسية الصادرة مباشرة عقب تأهل فريق مدينة الجنوب الفرنسي، لقد تغنى الجميع بما تحقّق، فضرب موعد في النهائي الأوروبي حتى وإن كان ضمن مسابقة الدوري الأوروبي التي لا تقارن بدوري الأبطال يعتبر إنجازا في حد ذاته لفريق عانى الكثير في السنوات الماضية، فتخلف لفترات عن الركب وغاب في زحام الفضائح والمشكلات، لكنه خرج مثل طائر “الفينيق” من تحت الأنقاض، ليكون في المشهد الختامي لهذه المسابقة.

هذا الإنجاز قد يدفع إلى التأكيد أن قدر الأولمبيك هو المحافظة على “شرف” الكرة الفرنسية، ومنحها باستمرار جرعة “أوكسين” في ظل هيمنة إسبانية مستمرة منذ سنوات على مسابقات الأندية الأوروبية.

قدر فريق مرسيليا ربما ارتبط بالنجاحات والتألق في عز الأزمات، قدر التصق حتما بطبيعة الجنوب “الثائر” والتائق دوما إلى الانعتاق من بوتقة الفشل والركود.

ألم ترتبط أغلب الثورات والانتفاضات في العالم عبر التاريخ الطويل بثورات “الجنوب”؟ في القارة الأميركية طبعت احتجاجات أهل الجنوب على جانب طويل من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، في الصين قاد بعض الثوار “الأحرار” ثورة جنوبية شاملة في بداية القرن الماضي، غيّرت واقع ذلك البلد وأنهت قرنا كاملا من “الذل” والدكتاتورية.

ربما هي الصدفة فقط طبعت طبيعة سكان الجنوب في شتى أصقاع العالم، فجعلتهم رافضين متمرّدين منتفضين وتوّاقين للثورة، وما يحصل دوما في مدينة مرسيليا بفريقها المتوهّج أحيانا والخافت أحيانا أخرى قد يندرج أيضا ضمن لعبة القدر التي صنّفت سكان الجنوب ضمن خانة الثائرين على الأوضاع السائدة.

اليوم أكد أولمبيك مرسيليا مكانه العالي في سلم ترتيب الفرق الفرنسية الناجحة أوروبيا، ففي السابق كان هذا الفريق صاحب السبق والريادة الفرنسية والأوروبية، بما أنه كان صاحب أول بطولة أبطال أوروبا بمسماها الحالي، أي دوري الأبطال، كان ذلك سنة 1993 عندما أبهر العالم واختطف اللقب الفرنسي الوحيد في هذه المسابقة بعد أن “قهر” الميلان الإيطالي.

أولمبيك مرسيليا سار على درب البروز أوروبيا، فكتب له أن يصل إلى محطة النهائي في الدوري الأوروبي بمسماه القديم، أي كأس الاتحاد الأوروبي، في مناسبتين سابقتين، الأولى كانت سنة 1999 بيد أنه خسر أمام بارما الإيطالي، أما الثانية فكانت سنة 2004، حيث واجه في النهائي فريق فالنسيا الإسباني لكنه خسر اللقب.

مرّت سنوات طويلة قبل أن ينتفض فريق الجنوب الفرنسي، ويصعد سلم هذه البطولة الأوروبية بكل ثبات ورقي، صعد لأنه يرفض النكوص إلى الوراء والانتكاسة، ولعله أراد أن يؤكد للكل أنه مهما ارتبط بالفضائح والمشكلات الإدارية إلى درجة أن البعض أطلق عليه اسم “عصابة” الجنوب، فإنه ما زال قادرا على رفع راية الكرة الفرنسية عاليا.

هو بلا شك تأكيد جديد على أن “عصابة” الجنوب ترفض الخنوع للفشل وتكره الاستسلام في لحظات الضعف، بل هي عصابة قادرة باستمرار على إحالة الضعف إلى نقطة انطلاق نحو الأمام.

هي “عصابة” جنوبية عانت الويلات لكنها لم تمت، وكأن مصيرها مرتبط بتجاوز كل العقبات، لتنير بانتفاضتها الأوروبية هذا العام شوارع كل المدن الفرنسية.

وفي الوقت الذي انطفأت خلاله أضواء العاصمة باريس بعد خروج “مهين” للنادي الثري جدا سان جيرمان من دوري الأبطال، أعادت “عصابة” الأولمبيك النور لمدينة الأضواء وأزاحت عتمة إخفاقات الأندية الفرنسية سابقا.

لقد فعلت هذه “العصابة” الأمر ذاته في كل أرجاء فرنسا، الفقيرة منها والغنية، بل إن العصابة الجنوبية حقّقت أيضا ما عجز عنه فريق إمارة موناكو الراقية، وربما يثأر له بعد خروجه المبكر من المسابقات الأوروبية هذا الموسم.

كل المدن، وكل الفرق في فرنسا ستدين لأولمبيك مرسيليا وسترفع له القبعة، ستمنحه صوتها كي يواصل بمفرده الدفاع عن حقوق الكرة الفرنسية بالمراهنة على التتويجات والكؤوس، هذه الفرق ستؤيد “عصابة” مرسيليا وتؤازرها حتى وإن لم ترغب في ذلك، لأن نجاح ممثل لفرنسا في نهائي الدوري الأوروبي سيعود بالنفع على الجميع وقد يزيد من مقاعد الأندية الفرنسية في مسابقتي أوروبا.

لقد كسر أولمبيك مرسيليا بإنجازه الأوروبي كل القيود السابقة، فالفرق الفرنسية غابت منذ حوالي 14 سنة، عندما وصل موناكو إلى المباراة النهائية لدوري الأبطال، غير أنه فشل في تحقيق إنجاز مماثل لما حققه الأولمبيك في بداية التسعينات.

لذلك سيتعيّن على الفريق الجنوبي أن يواصل تحطيم القيود، ويكون خصما قويا وعنيدا لمنافسه في النهائي أتلتيكو مدريد المتمرّس والمتعوّد بهذه المسابقة.

لكن من يدري فـ”العصابة” لا تهاب الخصوم حتى وإن كان عتادها متواضعا، ربما هي ميزة أخرى لطبيعة الثائرين القادرين بأبسط “الأسلحة” على الصمود طويلا ثم الصعود، ربما يفعلها فريق جنوب فرنسا ويتمكن من كسر الصورة النمطية التي كست المنافسات الأوروبية في الأعوام الماضية إثر هيمنة إسبانية غير مسبوقة، فالكبرياء الفرنسي لديه منافسون شرسون قادرون دوما على المحافظة عليه.

23