عصام الحضري "السد العالي" ابن الفلاحين الذي يتحدى المستحيل

السبت 2017/02/11
عصام الحضري حارس مرمى ينام يوميا في برميل من الثلج

القاهرة- المباراة النهائية من كأس الأمم الأفريقية الغابون 2017، شاءت لها الأقدار أن تسيل دموع حارس مرمى المنتخب المصري لكرة القدم، بعد أن فازت الكاميرون بالبطولة. وجاءت مصر كوصيف، فسألوه: لماذا تبكي وأنت الحارس المفضل الأسطوري لأفريقيا؟ فأجاب: أردت إسعاد الشعب المصري. ليرد عليه رئيس الدولة “ارفعوا رؤوسكم. فقد أسعدتم المصريين كلهم”.

وفي التاريخ المصري، كثيرًا ما تجد أبناء الفلاحين يتدفقون على القاهرة، ينحتون الصخر بحثًا عن فرصة، البعض منهم ينجح أحيانًا، إلا أن الكثيرين منهم غالبًا ما تتوقف عندهم الأحلام عند سقف محدد لا يتجاوزونه، وقلّ أن تجد منهم من يتقدم الصفوف الأولى ليصير علمًا يشير إليه الكبار والصغار بالبنان، لكن تلك القاعدة لها استثناءات، وعصام الحضري واحد من تلك الاستثناءات.

تبحث عن السرّ، فينفتح عليك سيل من التفسيرات اللانهائية؛ يحدثونك عن الإصرار والتحدي، والعناد والطموح الذي لا حدود له، وعدم الانكسار، ولسوف ترى ذلك كله في نظرة العينين الحادتين عنده، لكنك سترى ما هو أكثر، إنه الدأب والمثابرة، وبذل الجهد؛ خلال التدريب، والانضباط الذي يعجز عن بلوغه الصغار.

البداية كانت هناك، في حارات الفلاحين الضيقة المتربة والموحلة أحيانًا، حيث تكون الظروف كلها تعمل ضدك، في قرية “كفر البطيخ”، التابعة لمحافظة دمياط (وسط دلتا مصر)، يقول الحضري “نعم. أعترف. كنت تلميذًا فاشلًا. فحياتي كلها كانت لكرة القدم. كنت أخبّئ الكتب وأهرب من المدرسة لألعب في الشارع. وكانت أمي تداري عليّ (تحميني) من أبي الذي لم يكن راضيًا عمّا أفعل. لعبت الكرة الشراب (كرة صغيرة من القماش يلعب بها أبناء الفلاحين والحواري المصرية). وبعد اللعب كنت أغتسل في الترعة”.

أحيانًا، عندما تتابع حياة الناجحين القادمين من القاع في الدنيا كلها، تحسب أن المصادفة كانت وراء النجاح، إلا أنك لو تمعنت قليلًا، فسوف تكتشف أن الفرص تأتي لمن يستحقها، وأن موهبة الموهوبين هي ما تلعب الدور الأكبر، غير أن الموهبة وحدها لا تكفي أيضًا، بل يكون في شخصيات الناجحين شيء ما يقودهم عنوة إلى هذا النجاح.. يقول “كنت عايز أكون بني آدم”، أنت هنا أمام عناد وإصرار فطريين غريزيين، لا يتوفران لدى الكثير من الموهوبين، نعم. إنه التحدي.

السر في العناد

الإنجازات التي حققها الحضري مع الأهلي، يكفي التنويه إلى أن ما حققه منها فاق كل التصورات، ولم يسبقه إليها أحد من قبل، فقد أنجز 8 بطولات للدوري العام، و7 لكأس مصر، و4 لكأس السوبر المصري، و3 بطولات لدوري أبطال أندية أفريقيا، ناهيك عن كأس السوبر الأفريقي 3 مرات أيضا، علاوة على المركز الثالث لكأس أندية العالم في اليابان عام 2006

إذن بلغت شهرة ابن الفلاحين مسامع القائمين على نادي دمياط، الذي كان يكافح من أجل الوصول للعب ضمن صفوف أندية الدوري العام (الدوري الأول في مصر)، استدعوه، فأدهشهم، فصار الحارس الأول للنادي، كان ذلك في العام 1993. غير أن القصة لم تنته عند هذا الحد. فالمشوار مازال بعد في بدايته، “لم تكن معي آنئذٍ النقود الكافية لأركب المواصلات بين كفر البطيخ ومدينة دمياط.. والمسافة سبعة كيلومترات. كنت أمشيها على قدميّ ذهابًا وعودة. كنت أشقى كي يعطيني الله ما أريد”.

هناك، في القاهرة، يبلغ نبوغه مسامع المسؤولين في النادي الأكثر عراقة وشهرةً في تاريخ مصر، الأهلي، تعاقدوا معه فأصبح واحدًا من أهم حراس المرمى بالقلعة الحمراء، جنبًا إلى جنب مع الحارس التاريخي للنادي أحمد شوبير، ويعود الإصرار ليغشى العينين من جديد، فتتحرك في الروح دماء الاستجابة للتحدي، يبرع الحضري ويتفوّق، فيصعد ليكون الحارس الأول للأهلي.

الحديث عن الإنجازات التي حققها الحضري مع الأهلي الكل يعرفه، ويكفي فقط التنويه إلى أن ما حققه فاق التصوّر، ولم يسبقه إليه أحد من قبل، لقد أنجز 8 بطولات للدوري العام، و7 لكأس مصر، و4 لكأس السوبر المصري، و3 بطولات لدوري أبطال أندية أفريقيا، ناهيك عن كأس السوبر الأفريقي 3 مرات أيضًا، علاوة على المركز الثالث لكأس أندية العالم في اليابان عام 2006، ومع كل ذلك لم يكن مشواره مع الأهلي مفروشًا بالورد، بل كانت الأشواك هناك تترقب وتنتظر.. وحانت لحظة النهاية.

الأزمة الأكبر

لو سألت الحضري، عن أهم تحدٍ واجهه في حياته، إلى جانب تصديه لأعتى هجمات المهاجمين المباغتين الذين أرادوا ألف مرة دك شباكه، فسيرد على الفور “أزمتي مع النادي الأهلي كانت التحدّي الأكبر”، وتفاصيل الأزمة معروفة للجميع، وتحدث عنها الحضري غير مرة، إلا أن ما يعنينا هنا، هو أن أزمة بهذا الحجم وتلك الحدّة كانت كفيلة بالقضاء على السد العالي، وإنهاء مسيرته، لكن متى كان طائر الفينيق يستسلم للفناء؟

“كل من بالأهلي في هذا الوقت (عام 2008) وقفوا ضدي ما عدا الكابتن الخطيب. أردت الاحتراف في الخارج؟ وماذا في ذلك؟ كثير من زملائي بالأهلي سعوا للاحتراف فسمحوا لهم. إلا أنا. يقولون عنّي إنني هربت؟ لا لم أفعل. بل كنت أقاتل من أجل حقّي. وهذا ما عوّدت نفسي عليه دائمًا. أن أقاتل”. وهكذا لا يخفي الحضري مرارته كلما أتى أحدهم أمامه على ذكر المدرب البرتغالي مانويل جوزيه الذي درب الأهلي لسنوات طويلة وحقق معه نجاحات لم يعرفها الأهلي من قبل.

“جوزيه كان وراء إنهاء مشواري مع الأهلي. ظللت أعاني معه طوال 4 سنوات. وسحب منّي شارة الكابتن. ولو أتيحت لجوزيه أيامها أن يذبح رقبتي لفعل. وللأسف، اتّفق معه في ذلك حسن حمدي”. غير أن للحكاية وجهًا آخر، تحدث عنه حسن حمدي الذي كان أيامها رئيسًا لمجلس إدارة النادي، قال “لقد ترك الحضري ناديه الذي صنع مجده وشهرته وهرب، وكنا حينها في منتصف الموسم الكروي، لن نسامحه، وكيف نفعل وهو الذي أساء إلى ناديه؟ لا. لن يعود الحضري إلى الأهلي طالما أنا رئيس للنادي”.

الحضري يحمل في رصيده ما يزيد على 140 مباراة

والآن. ها هو حمدي قد غادر الأهلي. فهل يعود الحضري لنادي الشياطين الحُمر؟ وهو الذي لم يخف أبدًا رغبته في العودة، وحلم العودة مازال يراوده في صحوه ومنامه، بل يصرّ على أنه يسعى إليه الآن، بل وقال ما هو أكثر “الرئيس السابق مبارك أراد عودتي لكنّهم رفضوا. ولولا أن مبارك أراد إنهاء المسألة بيني وبينهم وديًا لكان أرغمهم على ذلك. فمبارك كان يحبّني. وزرته بالمستشفى. ولست نادمًا على ذلك، فمبارك خدم مصر كثيرًا”. إذن ها هي نبرة التحدي والإصرار والعناد تطل من الروح الوثابة من جديد.. روح الحضري الذي لم يتورّع عن وصف جوزيه بالفاشل، بقوله “جوزيه لم ينجح مع أيّ ناد درّبه غير الأهلي”.

سألوه مؤخرًا: ما سر تألقك وأنت اقتربت من الخامسة والأربعين؟ فأجاب مبتسمًا “أبدًا. ليس هناك سرّ ولا حاجة. أنا فقط أعشق المغامرة، ولا حدود لطموحي. فضلًا عن اجتهادي في التدريب وأثناء المباريات. وقبل كل شيء. هناك توفيق الله. وأقول لكلّ من يطالبونني الآن بالاعتزال إن كرة القدم لا تعترف سوى بالقدرة على العطاء، فلو أعطيتها أعطتك”.

لقب “السد العالي” الذي أطلقه عليه محبوه لم يكن نابعًا من مجرد الإعجاب فحسب، ويخطئ من يظن أن اللقب قُصد به فقط أن الحضري مثله مثل السد العالي في أسوان، الذي يتصدى للفيضانات القادمة من بحيرات إثيوبيا فتهلك الحرث والنسل، ويصد هجمات المهاجمين، إذ لا مانع من أن يذهب المراقب إلى أن اللاشعور الجمعي المصري قصد أيضًا -عن غير عمد- الإشارة إلى تلك المعركة حامية الوطيس من جانب الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، في مواجهة الغرب الذي رفض الإسهام في بناء السد العالي، فسارع جمال إلى تأميم قناة السويس. وكانت معركة تميزت بالتحدي والإصرار والعناد. بالضبط كما يفعل الحضري.

أهمية الحضري عند المصريين، تتجاوز مجرد تحقيق الإنجازات على مستوى كرة القدم، فكم شهد المستطيل الأخضر من لاعبين، وإنما الإنجاز الأهم، هو ما يمثله الحضري للجيل الجديد من الشباب، الذين لم يسمعوا عن الصمود والتصدي إلا في كتب الدراسة، حيث أن الحضري بعمره الذي بلغ الرابعة والأربعين، يقدّم لهم درسًا في معاندة الظروف، والعض بالنّواجذ على الفرصة كلما واتتك، ولعل ذلك ما يبرر عشق الشباب – بل والكبار- له.

سيظل سؤال هؤلاء الشباب المبهورين هو: كيف حافظت على حيويتك الدائمة تلك؟ كيف تنجح إلى الآن في التصدي للركلات والقذائف الصاروخية، فتوقفها وتحول بينها وبين مرماك كما لو كنت في العشرين من العمر؟ كيف، أصلًا، تظل واقفًا هكذا على قدميك؟ يجيب “إنه الإخلاص والتفاني في أداء كل ما أكلّف به. ولا تنسوا الانضباط في المواعيد، وفي الطعام، وفي السلوك الشخصي اليومي”.

محطم الأرقام القياسية

محمد حسام “ميدو”، اللاعب الدولي المصري السابق، ومدرب نادي وادي دجلة الذي يحرس الحضري مرماه حاليًا، يؤكد أن الحضري “عايش للكرة، ولحلمه، ويريد الاستمرار في تحطيم الأرقام القياسية”، ويضيف “إن للحضري شقتين سكنيتين، إحداهما بعيدة عن النادي، وهي التي يعيش فيها مع زوجته وأبنائه، والأخرى قديمة قريبة من مقرّ النادي، وهو يعيش في القديمة وحده، بعيدًا عن أهله، لأنه يريد توفير الوقت للتدريب بدلًا من تضييعه في الانتقالات، وقد لا يعرف الكثيرون أن الحضري، بعد عودته إلى المنزل، ينام في برميل من الثلج ليريح عضلاته المجهدة، ويحافظ على لياقتها، استعدادًا للتدريب القادم”.

أهمية الحضري تتجاوز مجرد تحقيق الإنجازات، فكم شهد المستطيل الأخضر من لاعبين، وإنما الأهم ما يمثله للجيل الجديد من الشباب. فالحارس المتميز يصر الآن على الذهاب إلى موسكو للمشاركة في نهائيات كأس العالم، إنها أمنية الحضري الأخيرة

على ذكر الأسرة، فإن من الدلائل على أن الحضري يعيش للكرة فقط، أنه لم يسمع المصريون أبدًا عنه ما يشينه في حياته الشخصية، وهو، على حد قول صابرين زوجته التي أنجبت له أربعة أبناء، 3 بنات وولد سماه ياسين “رجل عائلة من الطراز الأول. ويحافظ على بيته”، وهل هذا مستغرب من رجل كل ما يبتغيه من الحياة تحطيم الأرقام؟

وأنت تسمع الحضري يتكلم، لن تغيب عنك “لكنة” الفلاحين الدمايطة (أهل دمياط)، وستقول لنفسك: صحيح هذا واحد ابن ناس فلاحين، فعلت به الدنيا ما فعلت، وعلا شأنه، ودار في البلدان والأندية ما دار، وسافر إلى بقاع الدنيا كلها، لكنه مع ذلك يظل ابن الفلاح الذي لا يتوقف عن الفخر بأصله وفصله وقريته التي أنجبته كفر البطيخ، حيث وُلد في 15 يناير عام 1973.

كما حقق الأسطورة في مشواره الكثير من الانتصارات، كانت له انكساراته كذلك، ويكفي أنه بعد تركه النادي الأهلي، ثم إخفاقه مع نادي “سيون” السويسري، راح يتقلب بين الأندية، فلا ينجز ما أنجزه مع الأهلي. صحيح أنه عندما سافر إلى السودان، ليحترف في صفوف نادي المريخ هناك، حقق معهم بطولة الدوري، إلا أن احترافه في الزمالك لم يكن ناجحًا، وعانى كثيرًا مع النادي الأبيض الذي لم يلعب له إلا 4 مباريات فقط، وكان انتقاله إلى وادي دجلة بعد ذلك المحطة الأخيرة، لكن هل يهدأ أو يستكين من أدمن الفوز والوجود في دائرة الضوء دائمًا؟ لا طبعًا، فطائر الفينيق سيظل يأبى الخضوع للزوال.

عاد الحضري ليكون احتياطيًا للحارس الأول للمنتخب الوطني أحمد الشناوي (حارس مرمى الزمالك)، خلال البطولة الأفريقية الأخيرة في الغابون. لكن -ولأن الحظ يأتي لأصحابه والساعين إليه- يصاب الشناوي في الدقائق الأولى للمباراة الأولى، ومن قبله أصيب إكرامي (حارس الأهلي)، فلا يبقى أمام مصر سوى فتاها المخضرم، الحضري، ليلعب مباريات البطولة كلها فيتألّق ويصدّ ويفوز. قبل أن يبكي على خسارة المركز الأول في النهائي. يصر الحضري الآن على الذهاب إلى موسكو، للمشاركة في نهائيات كأس العالم، إنها أمنيته الأخيرة، فهل ستسعفه اللياقة، والمهارة، والدأب، والمجهود الذي لا يكل ولا يمل للسفر إلى هناك؟

14