عصام العريان.. سلاح الإخوان الطائش

الأحد 2013/11/03
عصام العريان.. الرجل الأقوى داخل الجماعة

"لا أحد يمكنه صناعة ثورة فوتوشوب على غرار ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومطالبة الفريق السيسي للرئيس محمد مرسي بالتنحي، وهم يعيش فيه البعض"، كانت هذه الكلمات هي آخر ما قاله الرجل الأقوى داخل حزب "الحرية والعدالة"، الذراع السياسية لتنظيم الإخوان المسلمين، في مقاعد السلطة، أثناء تعليقه على المظاهرات التي اجتاحت ميادين مصر، لتشكّل تحولا تاريخيا جديدا، في حالة المخاض التي تمر بها المنطقة، منذ بدايات العام قبل الماضي.

عصام العريان، الذي عكست تصريحاته يوم 2 يوليو الماضي، قناعات عميقة شكلت بدورها العقل الجمعي لأعضاء الهيكل التنظيمي المعقد والمتشابك للإخوان المسلمين، منذ نشأة الجماعة على يد حسن البنا، في عشرينات القرن المنصرم، طالما مثّل حالة فريدة لاصطدام التنظيم المحافظ بالمجتمع المحيط به، وشكّل مع مهدي عاكف، المرشد السابق للجماعة، وجها قبيحا كان مكتب الإرشاد يلجأ إليه في لحظات الضعف أو التراجع المتكررة.

تصفية حسابات

لم يكن العام الذي سيطر خلاله الإخوان المسلمون على السلطة في مصر عاما لجني الثمار بالنسبة إلى العريان، الذي يحلو له أن يلقّب بـ "الدكتور"، كما كان ينظر إلى هذه الفترة أعضاء آخرون داخل التنظيم، ولكنه كان عاما لتصفية الحسابات مع المجتمع، الذي مثّل للإخوان طوال مشوارهم السياسي العقبة الأولى أمام نشر أيديولوجيا فكرية وتنظيمية لم يعتد عليها المصريون رغم طبيعتهم المحافظة.

اختار العريان أن يدخل في صراعات مع الإخوان تارة ولنصرتهم تارة أخرى، واختلطت أوراقه الداخلية والإقليمية والحزبية معا، واشتبك مع إعلاميين وقضاة ورجال أعمال وبرلمانيين، وتوسعت دائرة خلافاته مع شخصيات حزبية وعامة، فكانت قضايا "السبّ والقذف" هي السمة المميزة التي تسيطر على ملف "الدكتور عصام" في أروقة المحاكم المصرية.

لم يتوقف الأمر على المعارضين فقط، فقد هاجم رجل الإخوان "الشرس" رئاسة الجمهورية نفسها، وقال في تصريح شهير إن "الرئاسة تعاني من الارتباك" وهي الأزمة التي انتهت بالإطاحة به من الفريق الاستشاري للرئيس المعزول محمد مرسي. بعدها مباشرة دخل في معركة انتخابية حامية مع سعد الكتاتني، رئيس البرلمان المصري السابق، على رئاسة الحزب وخسرها، بعد توجيهه انتقادات لاذعة للكتاتني، ما اعتبرته دوائر إخوانية "خروجا عن النص" استوجب اعتذار العريان لاحقا.

تخبط إقليمي

في ذات الوقت سيطرت توجهات العريان ورؤاه للقضايا الخارجية، التي طالما اتسمت بالتناقض والانعزالية، على كثير من مواقفه المعلنة، ما تسبب في إحراج كبير لتنظيم الإخوان المسلمين في مناسبات عديدة.

فقد كانت مبادرة "الدكتور عصام"، التي أعلن عنها في ديسمبر- أيلول من العام الماضي، ودعا فيها يهود مصر الذين هاجروا إلى اسرائيل بالعودة مجددا، سببا في فتح أبواب واسعة أمام حالة جدل مجتمعي غير مسبوق، وتسببت في تصاعد الاستهجان الشعبي ضد الإخوان المسلمين، خاصة أن تلك التصريحات جاءت بعد مرور شهرين فقط على تسريب خطاب، كان الرئيس المعزول قد أرسله إلى نظيره الإسرائيلي شيمون بيريز، يصفه فيه بالصديق الوفيّ، ويتمنى بين سطوره "دوام الرخاء والاستقرار لدولة إسرائيل".

لكن التصريحات التي أطلقها العريان في شهر يونيو من العام الجاري، أثناء اجتماع مشترك ضم لجان الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي في مجلس الشعب المصري، قبل حلّه، لمناقشة قضية المعتقلين في الإمارات بتهمة انتمائهم لتنظيم الإخوان، كانت بمثابة القنبلة التي أطلقها في وجه العلاقات بين القاهرة وأبوظبي، بالإضافة إلى أنها مثلت كذلك نقطة فاصلة للعلاقة بين التنظيم ودول الخليج، التي قررت بعدها تمزيق ورقة الإخوان.

تكفير الجميع

تعلقت كاميرات المحطات التلفزيونية ومراسلو الصحف من جميع دول العالم، بعضو مكتب الإرشاد ونائب رئيس حزب الإخوان أثناء اعتصاميْ رابعة العدوية وميدان النهضة، ضد ما أسماه الإخوان "عودة نظام يوليو والانقلاب على الشرعية". فقد شبه العريان المعتصمين في رابعة العدوية بـ "أصحاب النبي"، وكفّر (كعادته) قوات الجيش والشرطة التي كانت تضرب حصارا محكما على أماكن الاعتصام، مشبّها ما يحدث في ميدان رابعة بالقاهرة، بما جرى من حصار للصحابة من قبل قريش في شعاب مكة لمدة ثلاث سنوات.

بعد مولده في 28 إبريل 1954 بنحو إثنتي عشرة سنة انتقل محمد حسين العريان مع أسرته من قرية ناهيا بمركز إمبابة في محافظة الجيزة للعيش في القاهرة، واستقرت الأسرة في حي الدقي الراقي بجنوب العاصمة. ومن ثم كان على الطفل عصام، الذي أنهى لتوه مرحلة دراسته الإبتدائية، أن يلتحق بإحدى المدارس الإعدادية في الحي الجديد، وكانت مدرسة الأورمان الإعدادية النموذجية، من أشهر المدارس في العاصمة وقتذاك التي تستقطب أبناء الطبقة المتوسطة، ومن ثم وجد عصام نفسه بين صفوفها.

شكل اِلتحاق عصام بكلية الطب جامعة القاهرة، تحقيقا لرغبة العائلة، نقطة تحول جوهرية في مسار الحركة الإسلامية في الجامعات المصرية. فقد ساهم العريان في وضع اللبنة الأولى لنشاط الإسلام السياسي بين الطلاب، وتدرج في المناصب الطلابية حتى أصبح أميرًا للجماعة الإسلامية في جامعة القاهرة ثم منسِّقًا لمجلس شورى الجامعات في الاتحاد العام للجمعيات والجماعات الإسلامية في نهاية السبعينات، والذي ترأَّسه عمر التلمساني، الذي أصبح فيما بعد مرشدا لجماعة الإخوان المسلمين.

مرحلة إعادة البناء

في ذلك الوقت، كان تنظيم الإخوان يمر بمرحلة إعادة البناء من جديد، بعد الإعصار العنيف الذي عصف به أواخر حكم عبد الناصر. فقد اعترف علي عشماوي، أحد قادة التنظيم البارزين في مرحلة الستينات، في مذكراته التي نشرها بعد إطلاق سراحه في عهد السادات، أن الإخوان حاولوا قتل جمال عبد الناصر في 1954، وكرروا نفس المحاولة مرة أخرى في 1965، وتحدّث أيضا عن ما أسماه "مجموعة البحث العلمي" التي كانت تضم خريجي الإخوان في كليات العلوم أقسام الكيمياء والفيزياء والأحياء، وخريجي كلية الهندسة وكذلك باحثين في المركز القومي المصري للبحوث والطاقة الذرية، وكانت مهمة هذه المجموعة إجراء البحوث والتجارب على صنع الأحزمة الناسفة والقنابل والمواد السامة، خصوصا وأن إحدى خطط الاغتيال كانت تشتمل على بدائل وخيارات عديدة من بينها اغتيال عبد الناصر بالسم.

وفي شهادة أخرى اعترف القيادي الإخواني أحمد عبد المجيد، في كتابه الصادر عام 1991 "الإخوان ومعركتهم مع عبد الناصر"، أنه بحث خطة اغتيال عبد الناصر مع سيد قطب، وأشار إلى اللقاء السري الذي انعقد في منزل علي العشماوي، بحي شبرا في القاهرة، والذي حضره الشيخ عبد الفتاح إسماعيل والشيخ محمد فتحي الرفاعي، وقد طُرح في هذا اللقاء التكليف باغتيال عبد الناصر، على أن يقوم بهذه المهمة ما بين 20 إلى 30 انتحاريا، بعد استئذان المرشد العام للتنظيم في ذلك الوقت، حسن الهضيبي، الذي وافق على تنفيذ العملية مباشرة.

دفعت هذه المحاولات إلى اتخاذ عبد الناصر قرارا بالقضاء نهائيا على التنظيم، وفي 30 يونيو 1965 ألقت الشرطة المصرية القبض على محمد، شقيق منظّر الجماعة ومفكرها الأول سيد قطب، وعلى إثر ذلك أرسل قطب رسالة للمباحث العامة يحتج فيها على اعتقال شقيقه، ما أدى في النهاية إلى اعتقال سيد قطب نفسه وآخرين من قادة التنظيم، وصدر الحكم على قطب و7 آخرين بالإعدام شنقا في تهمة التحريض على حرق معامل حلوان وإسقاط الحكومة، على غرار ما حدث من قبل في حريق القاهرة 1951.

توالت البرقيات من مختلف دول العالم ومن عدد من الزعماء العرب إلى عبد الناصر، تطالبه بإلغاء حكم الإعدام عن سيد قطب. ففى 28 من أغسطس 1966 تلقت رئاسة الجمهورية المصرية رسالةً من الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، يتوسط فيها للعفو عن سيد قطب، وأوصل سامي شرف (مدير مكتب عبد الناصر في ذلك الوقت) البرقية له في ذلك المساء، فكان رد عبد الناصر حاسما "أعدموه في الفجر.. بكرة، وإعرض عليّ الرسالة بعد الإعدام"، ثم أمر بإرسال برقية اعتذار للملك فيصل.

إحياء التنظيم

لكن السادات، الذي تولى السلطة بعد وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر-أيلول 1970، كان يعتمد في استراتيجيته الداخلية على إيجاد حلول يمكن من خلالها إيقاف مدّ التيار الناصري الذي كان رجاله مازالوا يسيطرون على أذرع الدولة المصرية ومؤسساتها، ففتح المعتقلات وأفرج عن قادة الإخوان المسلمين، ومهد الطريق للعمل السياسي أمامهم في الجامعات، وهو ما مثّل لهم فرصة سانحة لإعادة بناء التنظيم، الذي كان قد فقد كل قواعده تقريبا، ودخل في مرحلة موت إكلينيكي كامل.

لم يكن المجتمع المصري في ذلك الوقت قد أفرز حركات بديلة عن الإخوان المسلمين بعد، وكانت "الجماعة الإسلامية" (التي حمل الإخوان اسمها حتى منتصف الثمانينات) هي اللاعب الوحيد الذي يحتل المشهد، لكن هذا التنظيم الوليد كان يعاني من تفكك البنية الأساسية التي تعتمد على القاعدة الجماهيرية، ومثّل انعدام الخبرة عاملا رئيسيا في تحركاته، التي اقتصرت حينئذ على الجامعات، التي شكلت مسرحا للأحداث السياسية في غياب الأحزاب، طوال فترة السبعينات.

كان من ضمن أبرز الوجود التي بدأت تظهر على الساحة إلى جانب عبد المنعم أبو الفتوح أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية الأوائل، وعضو مكتب الإرشاد السابق في تنظيم الإخوان المسلمين، حلمي الجزار وإبراهيم الزعفراني.. وعصام العريان.

لكن فوزه بمقعد في مجلس الشعب المصري عن دائرة إمبابة في 1987، رغم عدم تمكّن المجلس من إتمام فصله التشريعي، الذي تم حله لاحقا تطبيقا لحكم المحكمة الدستورية العليا عام 1990، مثل لعصام العريان فرصة محورية في مرحلة إعداده لتولي مناصب قيادية داخل التنظيم.

غير أن النصف الثاني من حقبة التسعينات شهد أطول فترة اعتقال لعصام العريان ضمن المناسبات الست التي اعتقل خلالها، قبيل صعود الإخوان إلى السلطة في مصر. فقد قضت المحكمة العسكرية بالأشغال الشاقة على العريان لمدة خمس سنوات بتهمة إدارة جماعة محظورة والانتماء إليها، انتهت في عام 2000.

ولكن يبدو أن "مخلب الإخوان" الحاد انكسر على صخور نظام مبارك بعد تكرار اعتقاله في مناسبات عدة، وبدأ يتبنى سياسة المهادنة التي انتهجها التنظيم في مواجهة النظام خلال السنوات العشر التي سبقت اندلاع الثورة، ففي عام 2008 تدخل العريان، الذي كان يشغل منصب الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء (إحدى أكبر النقابات في مصر) منذ عام 1986 وحتى الآن، لدى نحو 14 طبيبًا، أثناء اعتصامهم بمقر النقابة للمطالبة بتطبيق "قانون الكادر" للأطباء، لمنعهم من الهتاف ضد مبارك وحاتم الجبالي، الذي كان يشغل منصب وزير الصحة آنذاك، حين حضر الوزير إلى النقابة لتكريمه، وكان الإخوان يسيطرون على غالبية مجلس النقابة وقتها.

وطوال هذه السنوات من العمل "تحت الأرض" الذي صاحبته موجات اعتقالات متتابعة لاحقت جميع قيادات الإخوان، كان ابن عطاء الله السكندري، العلاّمة الصوفي الذي عاش في الإسكندرية تحت حكم الأيوبيين، هو المرجع الأول للعريان، الذي كشف عن ميوله الصوفية الشاذلية بعد انضمامه للإخوان مباشرة.

فكما كان العلامة الملقب بـ "قطب العارفين وترجمان الواصلين ومرشد السالكين" محور دروس العريان الفقهية التي كان يلقيها لشباب التنظيم في المعتقل، ظهر مجددا عبر إحدى عباراته الشهيرة، والتي كانت آخر ما كتب العريان على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك بعد اعتقاله مباشرة في "الفيلا 86" فجر الأربعاء الماضي "لا يشكّكنّك في الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعين زمنه، لئلا يكون ذلك قدحا في بصيرتك وإخمادا لنور سريرتك. من حكم ابن عطاء الله السكندري. اطمئنوا، وإلى لقاء".

7