عصام درويش الفنان الذي يستخرج من الواقع سحره

التشكيلي السوري يستعير تقنيات وسبل التعامل مع المادة غير أنه يعزف عن استعارة طريقة مسبقة في النظر لذلك نجح في وقت مبكر أن يكون حرا بلغته الأسلوبية.
الأحد 2018/03/25
عصام درويش مؤسس قاعات وصاحب أسلوب خاص في الرسم

كنت أظنه صاحب قاعة مهمة للعروض الفنية في دمشق فقط. أقصد قاعة عشتار التي أسسها عام 1987، وهي القاعة التي يحمل عنها وعن صاحبها الكثير من الفنانين العرب الأصدقاء ذكريات جميلة.

غير أنني حين التقيته قبل سنوات في عمّان، وكنا مدعوين إلى ملتقى فني، تعرفت عليه رساما مجتهدا تضفي تجربته على المحترف السوري شيئا مختلفا من الأبهة التي تنطوي على قدر كبير من التميز. كان علي يومها أن ألوم نفسي، ولكن ليس إلى درجة كبيرة. 

عصام درويش يوزع شغفه الفني بين جهتين بذكاء وإنصاف وخبرة يُحسد عليها. فهو من جهة ناشط فني تخصص في إقامة القاعات الفنية بكل ما ينطوي عليه ذلك النشاط من معرفة بأحوال السوق وصناعته ومتغيرات أحواله ومزاج زبائنه وهو من جهة أخرى رسام يسعى إلى التعريف بتجربته الفنية المغايرة لكل ما هو سائد في المحترف الفني السوري.

لقد أقام معرضه الأخير في مرسم فاتح المدرس الذي صار قاعة للعروض الفنية وهي فكرته.

عصام درويش يوزع شغفه الفني بين جهتين بذكاء وإنصاف وخبرة يُحسد عليها. فهو من جهة ناشط فني تخصص في إقامة القاعات الفنية بكل ما ينطوي عليه ذلك النشاط من معرفة بأحوال السوق وصناعته ومتغيرات أحواله ومزاج زبائنه وهو من جهة أخرى رسام يسعى إلى التعريف بتجربته الفنية المغايرة

في ذلك المعرض يظهر درويش بصفتيه. وهو ما لا يشكل عقدة له ولا لمَن يعرف درجة وفائه لأصدقائه من الفنانين ومستوى ثقته بالفن.

في الماضي أقام درويش معرضا مشتركا مع المدرس. كان المعلم في ذروة عاطفته وهو يحنو على رسام شاب، غير أن ذلك لا يمنع من القول بيقين كامل إن الرسام الرائد ما كان ليقدم على خطوة من ذلك النوع لو لم يكن واثقا من أصالة وعمق وقوة تجربة الفنان الذي يشاركه العرض.

وفاء درويش لمعلمه الذي اتخذ طابعا احتفاليا على المستويين المهني والأخلاقي لا يعني أنه كان متأثرا بتجربة ذلك المعلم.

 درويش هو الأكثر بعدا عن تجربة الرسام الرائد من بين أبناء جيله. وكان ذلك يُسعد المدرس. ومن المؤكد أنه كان السبب الذي يقف وراء ذلك المعرض المشترك.

الرسام الذي بدأ سرياليا عصفت به الحرب التي تشهدها بلاده بأقنعتها التي تمزج الواقع بالوهم. يمكن لما لا يُرى أن يكون جزءا من الحقيقة. وهو ما كان أساس قناعة الرسام التعبيرية.

في فن درويش يمتزج الواقع بظلاله
في فن درويش يمتزج الواقع بظلاله

المحلق برؤاه وبالآخرين

عام 1952 ولد عصام درويش في دمشق. تخرج من مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية. بعده درس الرسم في كلية الفنون التشكيلية لينهي دراسته أواخر السعبينات.

عمل في الصحافة منذ عام 1975 رساما ومصمما وكان في الوقت نفسه مهتما بكتابة القصص القصيرة والنقد الفني.

شغف درويش بإقامة قاعات العروض الفنية بدأ بعشتار 1 عام 1987 ليعود إلى عشتار 2 عام 1991 وما بينهما كانت صالة بلاد الشام 1989.

 كان إحياؤه لمرسم معلمه وصديقه فاتح المدرس عام 2001 بالاشتراك مع شكران الإمام زوجة المدرس، هو بمثابة تكريس لقوة الجمال الذاهبة إلى المستقبل. لقد منح درويش من خلال القاعة التي تحمل اسم المعلم والتي صارت تحتضن معارض لفنانين سوريين معلمه حياة جديدة.     

ما يميز درويش من بين الفنانين السوريين يكمن في ذلك الجزء الذي يبدو عاطفيا وحلميا في مظهره غير أنه في حقيقته ينطوي على ثقة لا حدود لها بالفن.

لا يتعامل درويش بمنة حين يرعى تجارب الآخرين. وهو حدث فريد من نوعه. ذلك لأنه غالبا ما ينحاز الفنان لفنه من غير أن يكترث بما يقدمه الآخرون. ولأن عصام قلب المعادلة فقد كان مدهشا كل ما يقدمه من أجل إسعاد الآخرين.

درويش هو الأكثر بعدا عن تجربة الرسام الرائد فاتح المدرس من بين أبناء جيله. وكان ذلك يُسعد المدرس. ومن المؤكد أنه كان السبب الذي يقف وراء ذلك المعرض المشترك لكليهما

لقد كنت أشعر بتفاؤل كلما ذكر اسمه بسبب صديقي الرسام البحريني عباس يوسف الذي كان يذكره واحدا من أكثر رعاة الفن رقة في بلاده.

تلك المرأة التي تغطي وجهها بيديها لا يمكن أن تُنسى. لقد رسمها أمامي وتابعت تفاصيلها. وكان قد رسمها في أوقات سابقة. هي أيقونته التي انتهى إلى استسلامه لها بمحبة. إنه يقف بين يديها بخشوع وتأمل. يداها تعبران عن كل شيء يود الرسام الإبلاغ عنه.

 لقد شغف درويش برسم نساء بوجوه جميلة. السوريات اللواتي أحبهن وتوله بوصفهن تعبيرا عن صلته بحياة تنطوي على معان أقوى وأعمق من الجمال العابر.

امرأته اليوم لا تريد أن ترى ولا ترغب في أن يرى وجهها أحد. ثنائية تعبر عن الكثير من الأسى الذي اجتاح الحياة في بلاد الياسمين بعد تلك الحرب العبثية. احتجاج ناعم غير أنه جارح. أنيق غير أنه يضمر الكثير من الذعر.

ما حملته الصرخة الشهيرة التي أطلقها التعبيري النرويجي إدفارد مونخ سعى درويش إلى توظيفه تعبيريا، لكن من خلال الصمت. ما من امرأة تصرخ احتجاجا على العنف في لوحاته، غير أن كل شيء يؤكد أن هناك غضبا لا يكفي الصراخ للتعبير عنه.   

لقد رسم درويش هذه المرة نساءه بألم وقسوة متوسلا صلابتهن أن تكون طريقا للغفران. ربما سعى الرسام أن يكون واضحا أكثر مما يجب وهو الذي عُرف بإحالاته الرمزية ذات الطابع السريالي التي جعلته في واحدة من مراحله قريبا من السريالي البلجيكي رينيه ماغريت.

ما فعله عصام درويش يشي بالاعتراف بأن الواقع قد يكون أحيانا أكثر غرائبية من الفن. لذلك قرر أن يفتح عينيه على الواقع. وهو واقع يثقلنا بصمت المرأة التي قررت أن تغمض عينيها لكي لا ترى فجيعتنا أو لكي لا نرى تلك الفجيعة في عينيها.

لا تزال المرأة حسب درويش تحن علينا بالرغم من هزيمتنا.

واقع يثقلنا بصمت المرأة
واقع يثقلنا بصمت المرأة

الحر بلغته الأسلوبية

فن درويش ليس معقدا بالرغم من عمق الأفكار التي يطرحها وقوة الأسلوب التي تستند إلى دربة مدرسية عالية. يكتفي الرسام بالقليل من الأشياء ليصنع منها عالما شاسعا وهو ما يُشعر المتلقي بالراحة ويبعد عنه الاضطراب بسبب تقطع الخيوط التي يسببها غموض التجربة.

يشعر درويش بمسؤوليته عن جذب المتلقي إليه والارتقاء بذائقته الجمالية، لذلك نراه يلجأ إلى سريالية مخففة هي ما يسميها بـ“الواقعية السحرية”. وهي واقعية تصدر عن نزعة إنسانية أصيلة، ما يبعدها عن الخضوع لمنطق المعادلات التي يطرحها الواقع.

في واقعيته هناك الكثير من الأحلام التي تهب سكون المشهد حيوية الإحالة إلى ما لا يُرى منه. يمتزج في فن درويش الواقع بظلاله التي غالبا ما تكون أقرب إلى الحقيقة منه. وهنا بالضبط تتجسد ثقة الفنان بالرسم، كونه خلاصا من جهة ما يقترحه من حلول خيالية لمشكلات واقعية.

درويش ليس سرياليا تماما وبالقوة نفسها فهو ليس واقعيا تماما. كما أنه ليس رساما تجريديا تماما. وقد يبدو غريبا أن ذائقته الجمالية تميل إلى تيار ما بعد الانطباعية الذي أعجب بلوحات رساميه وكان تنقيطيا في واحدة من مراحله الفنية. غير أن ذلك لا يقدم إلا جزءا من الحقيقة.     

 فالفنان الذي لجأ إلى استعمال الحصى عام 2009 في معرض مشترك مع محمد الوهيبي مادة وسطحا للرسم يبدو عصيا على التصنيف الميسر. رغبته في أن يكون حرا ومستقلا تشده إلى مناطق تقع خارج حدود التصنيف المدرسي، وهو ما يمكن أن اعتبره نوعا من المقاومة للأساليب الجاهزة.

يستعير درويش تقنيات وسبل التعامل مع المادة غير أنه يعزف عن استعارة طريقة مسبقة في النظر. في ذلك العزوف يجد الكثير من حريته وهو الذي نجح في وقت مبكر أن يكون حرا بلغته الأسلوبية.

"واقعية سحرية" تصدر عن نزعة إنسانية أصيلة
"واقعية سحرية" تصدر عن نزعة إنسانية أصيلة

 

9