عصبية رمضان شماعة مجتمعية تبرر الأخلاق المتدنية

حالة انفصام تعصف بالصائمين: العنف خلال شهر رمضان يكشف هشاشة التدين.
السبت 2018/05/19
مستلق في الجامع أو {مرمضن} في الشارع

تونس - صف سيارات طويل في شارع محمد الخامس، أهم شوارع تونس العاصمة، في أول يوم من شهر رمضان، يحاول أحد السائقين أن يجد ثغرة أمام سيارة تاكسي أملا في أن يربح بعض الوقت والمسافة، لم ترق الحركة إلى سائق التاكسي الذي أخرج رأسه من نافذة سيارته ليوجه له سيل سباب وشتائم من كل الألوان والأنواع.

سرعان ما وصل الأمر حد الطعن في الرجولة، الممنوع وفق التقاليد العربية، قال سائق التاكسي “انزل إن كنت رجلا وأرني ما عندك”.

لم يكن الآخر من “العاكسين” فتح باب سيارته، نزل منها شد خناق الرجل وسرعان ما بدأ الرجلان جولة من الملاكمة الحرة.

وبعد أن كالا لبعضهما ما تيسر من اللكمات والضربات. جاء أحد المترجلين لتهدئة الرجلين قائلا “صلوا على النبي نحن في رمضان شهر التسامح”.

كانت الصورة كاريكاتيرية لأبعد الحدود. لكن في تونس شهر رمضان “ليس شهرا للتسامح بل هو شهر للعصبية والمزاجية أو ما يعبر عنه بـ’حشيشة رمضان’ عند البعض”.

حشيشة رمضان

“حشيشة رمضان” ببساطة هي مرادفة لمعاني الغضب وعدم القدرة على تمالك النفس والتحكم في الأعصاب بحكم الصيام والانقطاع عن شرب المنبهات كالقهوة والبعد عن التدخين.

وراج هذا المفهوم منذ سنوات في المجتمعات المسلمة وإلى حد أن البعض بات يتشبث به كشماعة للتغطية على أخطائه السلوكية الفادحة.

تبرز “حشيشة رمضان” كجزء من موروث اجتماعي مبني على اجتهادات وتفسيرات مغلوطة وغير واعية لتأخذ كبديهة لدى البعض الذين يتشبثون بها لتبرير انسلاخهم عن أخلاقيات الشهر الكريم.

منذ اليوم الأول من شهر لا تنقطع قصص “المرمضنين” في تونس ومعظم البلدان العربية، ومسرحها الأسواق ووسائل النقل العمومية والمؤسسات العمومية والطرقات حتى البيوت، فأينما كان هناك شخص ما يؤمن بأنه صائم ومتوتر، فإن سيناريوهات الخلافات واردة في كل حين وقابلة للتأجج في أي لحظة.

ويقفز مؤشر الغضب في شهر رمضان، إلى مستويات غير مسبوقة. وقد سجل قسم طوارئ بمستشفى شارل نيكول بالعاصمة التونسية خلال رمضان عام 2014، نحو 2500 حالة عنف متفاوتة الخطورة وحالات وصلت إلى القتل.

وقال علي الشعباني، باحث مغربي في علم الاجتماع “عندما نتناول هذه القضية بالتحليل والدراسة نلاحظ أن تغييرا في سلوك بعض الأشخاص في شهر الصيام ينقسم إلى نوعين، الأول يكون مفتعلا، والثاني يكون واقعيا أو حقيقيا”. وبالنسبة للسلوك الحقيقي، فهو مرتبط أساسا بسلوكيات مزاجية، ويكون ناجما عن حالات مرضية.

لكن هناك سلوكات، يفسر الباحث في علم الاجتماع، “يمكن أن نلاحظها وتكون مفتعلة، إذ أن هناك من لا يعاني من هذه الأمراض أو الإدمان، ويلجأ إلى إظهار غضبه. وهذا النوع من الأشخاص لديه استعداد فطري للعنف، ويستغل فرصة الصيام ليبرر أفعاله”.

شهر رمضان يقدم فرصة للأفراد المسلمين لتعزيز قدراتهم على التحكم في ذواتهم وضبط أنفسهم

تبرز دراسات علمية وطبية أن الأطعمة التي يتناولها الناس تساهم إلى حد كبير في تحديد مزاجه، مبرزة أنه من الضروري اعتماد نظامٍ غذائي متوازن في رمضان.

وتحذر الدراسات نفسها من الإكثار من تناول البروتين والمواد الدهنية ليلا، إذ أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى نوم مضطرب تشوبه الكوابيس، وأخطر من ذلك يتسبب في تعكير المزاج طيلة اليوم التالي.

وتؤكد الدراسات أيضا أن البروتين والمواد الدهنية ينتج عنها حرمان الدماغ من الاستفادة من مادة السيروتونين، التي تلعب دورا أساسيا في صفاء المزاج والشعور بالسعادة، موضحة أن النشويات موجودة بكمية كبيرة في الخبز والحلويات والبطاطس، وينصح مختصون في التغذية بتناول السكريات الموجودة بكثرة في الحلويات والمشروبات التي تحتوي على السكر، ولكن بنسبة معتدلة ومعقولة لأنها تساعد الدماغ على الاستفادة من مادة السيروتونين، وتساهم في الحفاظ على مزاج معتدل خلال ساعات النوم ولدى الاستيقاظ في ساعات الصباح الأولى.

ونشرت مجلة “ساينتيفيك أميركان” العلمية قائمة بالتغيرات التي تطرأ على جسم الإنسان خلال شهر رمضان، تضمّنت تفسيرا للسلوك العصبي لبعض الصائمين.

وتشير الدراسة إلى أن الناس المتجهّمين خلال رمضان، يعود سبب سلوكهم إلى تغيرات قد لا تكون واضحة تماما، ففي حين وجدت بعض الدراسات أن السبب يعود إلى زيادة التعب مع نهاية يوم من الصيام، أظهرت دراسات أخرى أن المزاج السيء في رمضان هو نتيجة لأنماط النوم إضافة إلى التدخين.

كذلك، أجريت دراسة على مجموعتين من المدخنين وغير المدخنين، وكان معدل سوء المزاج عاليا عند المجموعتين معاً، لكنه كان أعلى عند المدخنين.

إلى ذلك، توضح المجلة أن خلل النوم سبب في العصبية، إذ أن النوم مرتبط بدرجة حرارة الجسم والميلاتونين، وهو الهرمون الذي يدفع لانخفاض الحرارة وعادة ما يتبع إيقاع الساعة البيولوجية في الجسم. وتؤكد الأبحاث أن الذروة الليلية من الميلاتونين، تتضاءل وتتأخر طوال شهر رمضان، فضلاً عن تغيرات في بداية إفراز هرمون الإجهاد، الكورتيزول. كما بيّنت الدراسات تغييرات في إيقاع الساعة البيولوجية لكل من درجة حرارة الجسم وتركيبة النوم، ما يؤدى إلى صعوبة في النوم وفترات نوم أقصر، وتغيرات في حركة العين السريعة.

ولا تقتصر أسباب العصبية في شهر رمضان عند هذا الحد بل إن هناك أسبابا أخرى، فقد أثبتت دراسة بريطانية أن للماء دورا كبيرا في عمل الدماغ، حيث أنه يشكل 75 بالمئة من الدماغ، وقد يكون نقص الماء خلال ساعات الصيام مسؤولا بشكل أساسي عن اضطراب وظائف خلايا الدماغ، مما يؤدي إلى زيادة العصبية والتوتر وضعف التركيز، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى الهلوسة، ويكون ذلك في الحالات الشديدة، ويرجع ذلك إلى أن الدماغ يفرز بعضا من المواد كرد فعل على نقص المياه، وغالبا تكون هذه المواد لها دور مهم في زيادة التوتر والعصبية بشكل كبير، كما أن الدماغ يعتمد على الجلوكوز في حصوله على الطاقة، وقد يؤدي نقص الجلوكوز في الدم إلى زيادة العصبية والانفعال.

شهر الخير والبركة
شهر الخير والبركة

لا دخل للصيام

بشكلٍ عام، يقدّم شهر رمضان وصيامه فرصة كبيرة للأفراد المسلمين لتعزيز قدراتهم على التحكم في ذواتهم وضبط أنفسهم.

ولو عدنا إلى كتب الدين، لوجدنا أنّ أحد الأسباب التي تبرّر الصيام وتدعو له، هي قدرته على تدريب الأفراد على ضبط نفوسهم وكبح رغباتهم وشهواتهم لفترةٍ من الزمن. وبتعريفٍ قريب من تعريف علماء النفس الأوروبيين الحديثيين، فقد توصّل ابن حزم إلى أنّ ضبط النفس يتم

بردعها عن الطبع الغضبيّ والشهواني؛ فالنفس لها نوازع الشهوة ونوازع الغضب، والفرد إنْ استطاع أن يمنع نفسه عن هذين المنزعين استطاع أن يحقق الراحة النفسية المنشودة. على أنه يجب أنْ نعي أكثر أنّ ما وراء فكرة الصوم ليست فقط الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات الجنسية وحسب، وإنما هي فرصة لتدريب النفس أكثر على التحكّم بالرغبات الآنية والاندفاع وراء تحقيقيها بشكلٍ فوريّ وعاجل، مهما كان نوع تلك الرغبات، سواء على سبيل الطعام أو الجنس أو الكلام أو الأفكار أو العواطف وغيرها.

ويقول فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس بالقاهرة إن “من أهم مظاهر الصيام أن يكون المرء حسن الخلق وعفيف اللسان وكريم الطباع لا يعرف الانفعال والغضب طريقا إليه، فهو قادر على أن يتمالك نفسه ويضبط سلوكه فلا يعتدي ولا يظلم، وإن اعتدى عليه أو ظلم، فلم يفرض علينا ديننا أن نتعسف أو نفرط في معاملة الناس تحت مسمى ‘إننا صائمون’، بل على العكس تماما فإن الفظاظة والغلظة منهي عنهما”.

ويضيف “أما الذين يتحججون بأن شدة الجوع أو الظمأ أو الامتناع عن المنبهات أثناء الصيام، وراء الانفعال وسرعة الغضب والعصبية في رمضان، مما يكون دافعا لسوء معاملة الناس، فهؤلاء واهمون في اعتقادهم هذا، وهذه السلوكيات المرفوضة المذمومة لا علاقة للصيام بها، ولا يمكن إطلاقا أن يكون الصيام دافعا لها.

وتقول آمنة نصير، العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية بنات إن “المجتمعات الإسلامية تشهد حالة من الانفصام. هذا الانفصام بين التدين والأخلاق مسخ مشوّه، وسبب الانفصام يعود إلى تصور البعض أن الدين يكمن في شعائر العبادة، فهو يكثر منها لكنه لا ينتبه إلى الجانب الأخلاقي وأن ‘من لا خلق له لا دين له’، وهذه المشكلة موجودة في كل مجتمعاتنا”.

وتضيف أن الخطاب الديني هو المسؤول مسؤولية تامة عن هذه الإشكالية لأنه لم يفسر الإسلام بمفهومه الشامل وإنما حصره في بعض الشعائر التعبدية والعادات ولا بد أن يعي الجميع أن لهذه الظاهرة انعكاسات سلبية على المجتمع فهي تساعد على انتشار التناقضات الاجتماعية والازدواجية في السلوك.

ويقول سالم عبدالجليل، وكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق “عبادة الله لا تقتصر على ممارسة الفرائض، إذ من السهل أن يمارس الإنسان التدين الظاهري ويستعرضه أمام الناس، حتى يقال إنه تقيّ وورع”.

ويضيف أن الجهل أحد أسباب انتشار هذا النوع من التديّن المرفوض، فالتديّن المغشوش يُلَبِّس على الإنسان، ويجعله يسأل فيما لا يعنيه رياءً وسمعةً وتظاهراً، وهذا النوع من التديّن سرعان ما يزول وينكشف أمره ويفتضح صاحبه، لأنه سطحيّ، ولموقف معيّن وحالة محددة، والتدين الصحيح يحتاج إلى صبر ومغالبة، وجهاد نفس وأخذها بالعزيمة ما أمكن.

20