عصر الأخبار الصادمة على مدار الساعة يصيب الجمهور باللامبالاة

وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار والإشعارات على الهاتف المحمول، كلها ضغوط أكثر من اللازم على شعور التعاطف.
السبت 2018/08/04
كثافة إخبارية تحاصر الجمهور

عادة ما يتم تدريب الصحافيين على التعامل مع الكوارث والمآسي والحروب على تحمل الصدمات، لكن اليوم مع التدفق الهائل للأخبار الصادمة، أصبح الخطر يواجه الجمهور نفسه فتحول إلى النقيض مع حالة اللامبالاة وعدم الاكتراث بما يجري من حوله من مآس.

لندن – كتبت امرأة تدّعي أنها “مثالية لامبالية” إلى كاتب مقالات في صحيفة نيويورك تايمز في أبريل الماضي، طالبة المساعدة في التغلب على حالة من الشعور بالشلل السياسي. الذي كان يمنعها من المشاركة في “عمل حقيقي”، بدءا من نوفمبر 2016، عندما فاز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وقالت “مازلت أشعر بالغضب بسبب معاملة هذه الإدارة للاتينيين والأميركيين الأصليين والمسلمين والأشخاص المثليين والنساء وغيرهم. لكنني أجتهد من أجل الحصول على حل”.

المرأة “اللامبالية” هي عينة واحدة من الجمهور الذي يتعرض في كل دقيقة من 24 ساعة إلى هجوم الأخبار المحبطة والكارثية.

وتقول الكاتبة إليسا غيبيرت في مقال بصحيفة الغارديان البريطانية، إذا كان صحيحًا أن التعاطف هو دافع ضروري لجعل العالم مكانا أفضل، فماذا يحدث عندما نتعرض للهجوم بشكل يومي من الأخبار والكوارث المحلية والعالمية، مع كل جريمة مروعة وفضيحة سياسية وكارثة مناخية هنا وفي الخارج؟ الحرب في سوريا، وأزمات اللاجئين، وذوبان الجليد البحري.

يتم تدريب المحترفين على تحمل الصدمات النفسية عادة، ولكن في الآونة الأخيرة ومع سيل الأخبار يظهر وكأن الجميع في خطر. مع شعور بالأرق وخفقان القلب والانفصال عن الواقع، كما يحدث مع القارئة التي أوضحت هذه الأعراض في رسالتها للغارديان.

الكاتبة سوزان سونتاغ طرحت معنى "النظر إلى آلام الآخرين"
الكاتبة سوزان سونتاغ طرحت معنى "النظر إلى آلام الآخرين"

هل هناك أي طريقة للخروج من هذا الشعور؟ ماذا يحدث عندما يريد العالم شعورا أكثر تعاطفاً مما يمكننا تقديمه؟

وطرحت الكاتبة سوزان سونتاغ بعض الأسئلة المماثلة في كتابها القصير “في ما يتعلق بألم الآخرين”، الذي نُشر عام 2003. حيث استخدمت سوزان كلمة “في ما يتعلق” ليس فقط للإشارة وإنما أيضاً لتوصيل معنى “النظر إلى آلام الآخرين”. فمع النظر إلى هذا الكم من الصور الصادمة التي تثير الاستنكار والتعاطف، نفقد قدرتنا على الاستجابة والإشفاق بشكل تدريجي. فالإفراط في عرض الأخبار الصادمة في وسائل الإعلام يبدد تعاطفنا بشكل تدريجي. من هو المخطئ إذن؟ نحن أم وسائل الإعلام؟ وما الذي يفترض بنا أن نفعله حيال ذلك؟

تعتبر تغطية الأخبار الكارثية التي أصبحت الآن تأخذ منحى محدودا مشكلة في حد ذاتها، بينما يمثل عدم اكتراث الجمهور مشكلة أخرى. ولكن قد يكون هناك سبب وجيه لكلتا المشكلتين؛ بعيداً عن الانهيار الأخلاقي.

فقد تبدو اللامبالاة أو عدم الاكتراث بالأعمال الوحشية الحقيقية التي تحدث من حولنا، قاسية بعض الشيء. ولكن عدم الاكتراث، بالمعنى الطبي، ينبع بشكل أساسي من الرغبة في المساعدة. حيث لا يوجد شعور بعدم الاكتراث أو اللامبالاة من دون الشعور أولا بالتعاطف: فالأشخاص الذين يعتنون بأشخاص آخرين يشعرون بالمعاناة، ويريدون التخفيف من معاناتهم. لكنهم لا يستطيعون النجاح دائما.

وإذا كان مقدمو الرعاية في محل خطر لأنهم يهتمون بذوي المعاناة، فكذلك الحال بالنسبة لمشاهدي الأخبار. إن مجرد تصفح تويتر على هاتفك، أو النظر إلى التلفزيون يعرضك لمشاكل هائلة لا يمكنك حلها. ربما يمكنك المساعدة، ولكن الفرق يكمن في أن المساهمة الفردية –سواء عن طريق إجراء مكالمة أو التصويت، أو عن طريق المشاركة في مظاهرة – غالباً ما يبدو غير محسوس.

هل يمكن تفادي الشعور بعدم الاكتراث، ولا سيما بعد مشاهدتنا بشكل يومي للأحداث المرعبة في جميع أنحاء العالم في كل لحظة؟ ومن أجل البحث عن حلول للامبالاة في عصر عمليات القتل الجماعي اليومية، كتب معالج أسري، في نوفمبر 2017:

“هل من الممكن أن أكون صادقاً؟ عندما قرأت أن العديد من ضحايا إطلاق النار الجماعي في كنيسة في ساذرلاند سبرينغز في ولاية تكساس كانوا من الأطفال، توقفت عن القراءة، ثم قلبت الصفحة وأنا أشعر بالاشمئزاز والسخط. ليس فقط على من أطلق النار، ولكن أيضاً على الضحايا. من المروع أن أعترف بذلك، لكنني لا أستطيع أن أرفض فكرة أن الضحايا ماتوا لأنهم رفضوا الاستماع إلى علماء الاجتماع الذين ظلوا يقولون لهم إن اللعب بالأسلحة ينتج عنه العنف”.

يصف المعالج شعوره تجاه “لوم الضحايا” كحالة كلاسيكية من اللامبالاة، ثم يحدد بعض الحلول لهذه المشكلة. أولاً، يقترح المعالج أنه من الضروري “إضفاء طابع شخصي على المأساة”. “اقرأ قصص كل الموتى واربطهم ببعضهم كأشخاص، وليس كضحايا مجهولي الهوية. هذا العمل البسيط المتمثل في قراءة قصصهم يمكن أن يحافظ على القليل من الشفقة والتعاطف والرحمة وهو يحمينا من اللامبالاة”.

ثانيا، يقول “كن غاضبا. لا تعطي الفرصة لشعور اللامبالاة أن يظهر”. هذا يبدو وكأنه يقول لأحد إن الحل للسرطان هو “لا تشعر بالسرطان”. ثالثاً، “إذا كنت لا تزال تشعر باللامبالاة، فابحث عن مأساة تكون أقرب إلى عائلتك”.

هذه النصيحة الأخيرة صدمتني بعض الشيء، كما لو كان التعاطف غاية في حد ذاتها. ألا يجب علينا محاربة اللامبالاة لأننا قلقون من أن الشلل واللامبالاة ستجعل العالم أسوأ؟ لا آمل في زيادة تعاطفي عن طريق الشعور بالمشكلات القريبة من العائلة. على أي حال، المآسي موجودة – لقد تم تشخيص حالة زوجي المتدهورة، وليس لها علاج معروف. لديّ صديق زوجته مريضة بالسرطان؛ اضطر لدفع تكاليف العلاج من خلال عمل حملات تمويل جماعي. هذا طبيعي، فلكل فرد مأساته الخاصة به.

"ضد التشاؤم" لبول بلوم يدعو إلى مساعدة الأشخاص الذين يحتاجون إلى أكبر قدر من المساعدة
"ضد التشاؤم" لبول بلوم يدعو إلى مساعدة الأشخاص الذين يحتاجون إلى أكبر قدر من المساعدة

زعم مولر أن شعور اللامبالاة ليس شيئاً حتمياً، وأن بإمكان وسائل الإعلام محاربته من خلال توفير تغطية ليست مثيرة. فالصور الكثيرة ليست أفضل شيء.

من جانبها، اعتبرت سونتاغ أن عدم الاكتراث هو رد معقول على وابل الصور المرعبة. من هذا المنطلق، يأتي شعور اللامبالاة بشكل حتمي مع التقدم في السن.

من ناحية أخرى، إذا شعرنا بأننا مؤمنون باللامبالاة، أو حتى برضا الذات عن لامبالاتنا، فيمكن أن يصبح هذا عذرا سهلا للكسل الأخلاقي. ففي العام 2000، نشرت صحيفة نيويوركر رسماً كاريكاتيرياً أظهر رجلين يرتديان بذلتين يسيران بجانب رجل مشرّد غاضب يطلب المال. يقول أحدهما للآخر “كنت هنا، طوال هذا الوقت، أشعر بالقلق لأنني ربما شخص أناني، والآن اتضح أنني كنت أعاني من اللامبالاة”.

ويقول المعالج الأسري، لقد وصلت إلى نقطة حيث الشعور بالصدمة أصبح شيئاً عادياً. إنها حقيقة أحتفظ بها في ذهني ولكن لا أشعر بها في جسدي. أود اتباع إرشادات الرعاية الذاتية، للحفاظ على “ثباتي العاطفي”، ليس كمقدم رعاية محترف، ولكن كشخص عادي يهتم بالعالم من حوله. لذلك أخذ فترات راحة في محاولة للحد من هذا الإجهاد. أخرج مع الأصدقاء، أشاهد دورات بوكر على “يوتيوب”. لكن فترات الراحة التي استمتع بها من الواضح أنها أصبحت تستغرق وقتاً أطول، كما لو أنني بدأت أشعر باللامبالاة.

تلك المسافة أفضل، على ما أعتقد، من الشعور باليأس. ولكن ما هي مسؤوليتي؟ كم من المفترض أن أعرف عن المعاناة العالمية، وماذا يمكنني فعله بهذه المعرفة؟ وسائل التواصل الاجتماعي، والأخبار المعلنة على مدار 24 ساعة، والإشعارات التي أتلقاها على هاتفي، كل هذه ضغوط أكثر من اللازم على شعور التعاطف الخاص بكل منا. هل نحتاج أن نشعر بالسوء لكي نفعل الخير؟

بدوره يأمل عالم النفس بول بلوم، الذي كتب كتابا بعنوان “ضد التشاؤم”، في أننا يمكن أن نكون أخلاقيين دون أن نشعر بالتعاطف، والذي غالبا ما يكون متحيزاً وغير حقيقي. لا ينبغي لنا أن نخرج المساعدات وفقًا لمقدار التعاطف الذي نشعر به تجاه الناس؛ يجب أن نساعد الأشخاص الذين يحتاجون إلى أكبر قدر من المساعدة.

ولا تكمن الإجابة، في عقل بلوم في ضرورة تعاطفنا مع الجميع إلى مستويات لا يمكن تحملها، ولكن يجب التعاطف حتى يمكننا التعامل مع المشاكل بشكل أكثر منطقية.

حتى، بارون كوهين، الذي يساوي “تلاشي التعاطف” بالشر، يعترف بأن هناك أناسًا لا يتعاملون بأي تعاطف ومع ذلك هم أخلاقيون. يفعلون ذلك من خلال التفرقة بين الصواب والخطأ. يبدو أن هذا يثبت أن الأخلاق الجيدة لا تعتمد على شعور التعاطف. ومع ذلك، فإن معظمنا ليس بهذه الطريقة المنهجية.

18