عصر الإقطاع التكنولوجي لا يسمح للمستخدمين بالاستفادة من بياناتهم

خبراء التكنولوجيا يناشدون رواد الأعمال المساعدة على تشكيل سوق حقيقية لبيانات المستخدمين.
السبت 2018/10/06
شركات التكنولوجيا تتعامل مع المستخدمين كجزء من رأس المال

لندن – يعتقد مستخدمو فيسبوك وإنستغرام وتويتر ويوتيوب أنهم يتشاركون ببساطة لحظاتهم الخاصة وأفكارهم البارعة ومغامراتهم المضحكة مع أصدقائهم وعائلاتهم. هذا النشاط يثري حياتهم ويعمق العلاقات الاجتماعية ويقدم وقتا للمتعة والراحة، لكن من جهة أخرى يقدم كنزا لشركات الإنترنت.

ومن خلال لمس شاشات هواتفنا المحمولة يجعلهاـ كأنها دجاج رقمي مزود ببطاريات ـ تولد مجموعات ضخمة من البيانات لبرامج التعلم الآلي من أجل معرفة كيفية بيع الإعلانات لنا. ووفق ما يقول جون ثورنهيل في تقرير لصحيفة فاينينشال تايمز، تكمن عبقرية فيسبوك في أن جميع مستخدميه يعملون دون قصد من أجل الشركة مجانا، ويصنعون أثمن منتج.

ولا يكلف ذلك فيسبوك إلا أن تدفع ما يعادل 1 في المئة فقط من قيمة الشركة إلى موظفيها، مقارنة بـ40 في المئة في “وولمارت”. وعلق جارون لانيير المؤلف والباحث لدى شركة مايكروسوفت على الأمر بالقول “لقد أغوتنا جميعا خوادم الإنذار”.

ولا يرى معظم جمهور وادي السليكون أي خطأ في العقد الرقمي الذي قبلوا به عند الاشتراك في المواقع الاجتماعية. ويقول هال فاريان الخبير البارز في شركة غوغل “إن المستهلكين يتلقون خدمات ذات شعبية هائلة ومتاحة مجانا. ويستفيد المعلنون من الاستهداف الرخيص والفعال للجماهير. وإذا لم يعجب المستخدمون بعرض غوغل، فيمكنهم بسهولة الانتقال إلى خدمات أخرى. ويمكن أن يولد المتنافسون بياناتهم الخاصة بصورة حرة. المنافسة ليست سوى نقرة واحدة”.

وقد تكون تلك الحجة مقبولة لا ما تم اعتبار بيانات المستخدم بأنها رأس مال أنشأته شركات التكنولوجيا وامتلكته، لكنّ عددا من خبراء التكنولوجيا والأكاديميين، بمن فيهم لانيير، نشروا بحثا يتحدى هذا المفهوم.

تجارب أجرتها شركة مايكروسوفت وغيرها لمكافأة المستخدمين على البيانات تم التلاعب بها من قبل برامج الروبوت

وأكد فريق الخبراء أن البيانات ينظر إليها بشكل أفضل على أنها منتج عمل بعينه، وليست منتجا عرضيا للترفيه. ويدعون أن اقتصاد البيانات الذي تطور عن طريق المصادفة، بدل التصميم، غير فعال وغير عادل وغير منتج، ويجب إعادة التفكير فيه بشكل جذري.

ويميزون بين ما يسمونه بياناتنا الحالية كنموذج رأسمال “داك”، يعامل البيانات على أنها منتجات استهلاكية “مستنفدة” ومواد أولية لمراقبة الرأسمالية، وبيانات نظرية كنموذج عمل”دال”، تعامل البيانات باعتبارها ممتلكات أنشأها المستخدمون وبالتالي يجب أن تفيد أصحابها بشكل أساسي.

ويناشدون رواد الأعمال في سوق العمل المساعدة في تشكيل سوق حقيقية لبيانات المستخدمين. فمثل هذه السوق ستدفع للناس مقابل بياناتهم، وتوفر وظائف جديدة وتغذي ثقافة “الكرامة الرقمية” وتعزز إنتاجية الاقتصاد.

ويشرح كتاب “الأسواق الراديكالية” الذي سيصدر قريبا للمؤلفين إريك بوزنر وجلين وييل، هذا الموضوع بشكل واسع، ويعد الكتاب نقدا حادا لعصر “الإقطاع التكنولوجي” ونداء مثاليا لمشاركة ثمار معلوماتنا الجماعية بشكل منصف أكثر.

ويقول وييل “الأنموذج الحالي لملكية البيانات غير فعال من الناحية الاقتصادية”. ويعترف لانيير وشريكاه بأنه من البساطة المبالغ بها عرض نموذجي “داك” و”دال”  كنموذج ثنائي. ويقولون أيضا إن دفع مبالغ للناس مقابل بياناتهم يمثل مشكلة في العالم الحقيقي. وبعض التجارب التي أجرتها شركة مايكروسوفت وغيرها لمكافأة المستخدمين على البيانات تم التلاعب بها فورا من قبل برامج الروبوت. ومن الصعب أيضا إقناع جمهور متشكك بأن بعض “العمال” المشاركين في اقتصاد بيانات نموذجي قد يكونون من المراهقين المهمشين المدمنين على ألعاب الفيديو، حتى لو أصر المؤلفون على ذلك بشكل جيد لصالح قضيتهم.

ويشير لانيير وزميلاه إلى أنه لتحويل اقتصاد البيانات في الاتجاه الصحيح، أننا بحاجة إلى تعزيز ثلاث قوى مضادة أولا، المنافسة الأكبر والابتكار أمران ضروريان لتحفيز أسواق البيانات الحقيقية. وينبغي عدم السماح لشركات التكنولوجيا الكبرى بقمع الشركات الناشئة الأصغر. وفي الواقع، قد يستدعي الأمر أن تخرج إحدى شركات التكنولوجيا الكبرى عن الصف وتدعم اقتصاد بيانات جديد.

ثانيا، تحتاج الحكومات إلى تحديث سياسة المنافسة وتنفيذها، ما يشجع على نقل البيانات، وينبغي أن تساعد الضوابط التنظيمية الأكثر صرامة، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي.

عصر الإقطاع التكنولوجي
عصر الإقطاع التكنولوجي

ثم، يجب على المستهلكين أن يدركوا دورهم بوصفهم عاملين رقميين، والعمل على  تطوير “الوعي الرقمي”، وتنظيم اعتصام رقمي لمجموعات وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار “لا مشاركات دون أجر!”.

ويذكر أن اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي تسعى إلى حماية الحقوق الرقمية لمواطني الاتحاد الأوروبي من خلال قوانين أكثر صرامة للبيانات ومراقبة أكبر لكيفية إدارة الشركات للمعلومات الشخصية للأشخاص.

وعلى سبيل المثال، عند محاولة الدخول إلى موقع “لوس أنجلس تايمز” من الاتحاد الأوروبي، ستظهر رسالة تحيي الزوار وتتضمن “لسوء الحظ ، فإن موقعنا الإلكتروني غير متاح حاليا”.

وتأثرت العديد من المؤسسات الإخبارية البارزة بالمسألة، بما في ذلك جميع الصحف اليومية الـ46 التي تملكها “لي انتربرس”. وطلبت العديد من المواقع الإخبارية الرئيسية الأخرى، بما في ذلك “واشنطن بوست” والـ“تايمز” من زائريها من الاتحاد الأوروبي الموافقة على الشروط الجديدة.

وتكافح الشركات للتكيف مع القانون الجديد، وقال ديفيد سميث رئيس قسم التكنولوجيا في شركة (ساس) لإدارة البيانات في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني إلى صحيفة “الإندبندنت” “هذه فقط الموجة الأولى. أي شركة لديها أي علاقة مع مستهلكي الاتحاد الأوروبي يجب أن تحصل على بياناتها وعملياتها الآن”.

وأضاف “في الحقيقة إن اضطرار أكبر صحف الأخبار في الولايات المتحدة إلى سحب خدماتها من سوق الاتحاد الأوروبي يظهر النتائج الأولى للتراخي حول هذا القانون. وبالنسبة إلى الشركات الكبيرة جدا حاولت تجاهل هذا القانون؛ والآن سيخلف هذا القانون نتائج خطيرة لأولئك الذين ليسوا على استعداد له بعد”.

وقد دخل قانون حماية البيانات الجديد حيز التنفيذ في 25 مايو، بعد عامين من الإعداد له. ويمكن أن يؤدي عدم الالتزام باللائحة الجديدة إلى فرض غرامات تصل إلى 20 مليون يورو أو 4 بالمئة من إيرادات الشركة العالمية.

18