عصر الجنون

الجمعة 2014/05/16

يقال عن جرائم هتلر زعيم النازية التي اقترفت في حق اليهود والغجر والأقليات الأخرى، بأنها نتاج الفكر الغربي وفلسفته التي تمجد الذات (الأنا الغربية)، وتقلل من شأن الآخر وتحتقره، لذلك جاءت الإبادة بتلك الصورة وبتلك الفظاعة التي لا يتصورها عقل، ولا تقرها الشرائع السماوية ولا القوانين الأرضية.

نترك التاريخ ونعود إلى الراهن، ونطرح السؤال: ما الذي يجعل بشار الأسد يقترف في حق شعبه هذه الجرائم؟ يقف الإنسان حائراً أمام هول الجرائم وفظاعة المأساة.

تقول الأرقام، والأرقام لا تكذب ولا تداهن أحدا، سواء كان حليف النظام أم نصير الثوار، أن أزيد من 130 ألف شخص قتلوا، وما لا يقل عن 500 ألف جريح، ومئات الآلاف من المشردين واللاجئين في بلدان الجوار، أضف إلى ذلك الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية لسوريا.

ما الذي يجعل الإنسان يقتل شعباً ويهجره، ويدمر بلداً ويفككه، أهو الهوس بالسلطة أم هو العشق للدماء والقتل أم هو حب المال والجاه؟ قد تستدعي الإجابة جميع الاحتمالات فتكون الهوس بالسلطة والعشق للدماء والدمار، إلا أن السؤال يبقى مطروحاً بصيغة أخرى ما مصدر هذا الجنون؟

فإذا كان هتلر وبوش وشارون وغيرهم إفرازاً للفكر الغربي الذي أزاح المطلق، وأخضع كل شيء للعقل والنسبي، فارتكبوا جرائم واحتلوا أوطاناً ونهبوا ثروات، فإن بشار الأسد يفتخر بدينه وتعليمه المتنور واحترامه للتعددية وللرأي المخالف، حيث سوّق للرأي العام في بدايات رئاسته بأنه رجل إصلاح سيعمل من أجل إصلاح منظومة الحكم في سوريا، وذلك بالتفتح أكثر على المعارضين وتحسين العلاقة مع الخارج وخاصة الغرب، ولكن هل تعبر الصورة الإعلامية التي سوقت له عن الحقيقة؟ الإجابة بالطبع لا، وسلوكاته دليل على ذلك.

قد تكون هذه التصرفات نتاج البيئة العائلية التي نشأ فيها، فوالده “حافظ الأسد” انقلب على خصومه من أجل الوصول إلى الحكمK بخنق أي صوت معارض، إما بالإغراء بالمال أو المنصب، وإما بالإبعاد وذلك بالنفي أو القتل أو السجن حتى تمكّن في الأخير من التأسيس لحكم العائلة وللجمهورية الوراثية العربية الأولى.

وبما أن وصول بشار الأسد للرئاسة لم يكن عن طريق الشعب، بل عن طريق حزب البعث العربي الاشتراكي، وبتزكية من أعضائه، فإنه حتماً سيحتقر هذا الشعب ولا يقيم له وزناً ولا أدنى اعتبار، لذلك نجده- أي بشار- عندما تجاسر الشعب السوري، وقال بأعلى صوت “الشعب يريد إسقاط النظام” وهتف ضد آل الأسد وطالب بحقوقه المشروعة، بالعيش في كنف الحرية والعدل والمساواة، وصفه بأحط الأوصاف والنعوت حيث نعته بالجراثيم التي لا تحتاج إلا إلى عمليات دقيقة وبسيطة من أجل طردها من جسم الإنسان. إذن عندما يقع احتقار شعب، وينظر إليه نظرة السيد إلى العبد، وعندما يعارض الشعب حاكمه تنزع عنه القداسة الإنسانية، وتدخله إلى عالم الحيوانات والحشرات، فهذه مقدمات استعمال العنف ضده، كما يخبرنا التاريخ وتدل عليه أحداثه.

أضف إلى ذلك أن بشار الأسد نتاج بيئة عربية استبدادية إقصائية لا تعترف بوجود شعوب، ولا تؤمن بحقوقها الطبيعية والمكتسبة، همُّ القائمين عليها المحافظة على كراسي الحكم، أما البناء والتنمية والديمقراطية وغيرها فمشاريع مؤجلة إلى حين، وحضورها مجرد عملية تزيينية للبرامج والدساتير المعدلة على المقاس، مما جعل الأوطان تُختزل في شخصية القائد الأكبر والزعيم الأوحد (سوريا الأسد، جزائر بوتفليقة، مصر مبارك..).

هذه النظرة الاختزالية للأسف انتقلت إلى الآخر (الغرب وغيره)، فالغرب ينظر إلى العرب نظرة مختزلة في السلطة الحاكمة فقط، أما الشعوب فلا تكاد تذكر وحضورها خافت لأنها بعيدة عن صناعة القرار بالانتخاب أو غيره، ناهيك عن المراقبة والمحاسبة، فجاءت الثورات العربية لتعيد تشكيل المشهد السياسي من جديد، عن طريق عودة الطرف الغائب، وهو الشعب، وأصبح صوته له صدى في الممارسة السياسية، غير أن هذه العودة لم تدم طويلا، حيث أخافت الطبقة الحاكمة، فتحالف بعضها مع بعض من أجل إرجاعه إلى قمقمه مرة أخرى، فدخل الربيع العربي في أزمة، نتيجة المؤامرات الداخلية والخارجية، وأصاب الشعوب الوهن والخوف من المجهول، خاصة من السيناريو السوري.

لذلك يصل “موريال ميراك فايساخ” في كتابه “مهووسون في السلطة” في تحليله النفسي لشخصية الحاكم العربي الذي ثار شعبه ضده إلى نتيجة مفادها أنه يعاني اضطرابات متعددة في الشخصية: من النرجسية إلى جنون العظمة.

وعندما تجتمع في الحاكم النرجسية مع جنون العظمة تنشأ “النرجسية الخبيثة” التي غالبا ما تظهر لدى الديكتاتوريين، حيث تتميز هذه المرتبة باضطراب نرجسي في الشخصية، وسلوك معاد للمجتمع، وعدائية مقبولة من الذات أو سادية حيال الآخرين، بالإضافة إلى جنون عظمة قوي.

ونتيجة لهذا يضيف “موريال” إن مثل هذا الشخص يحتاج إلى من يوافقونه دوماً في الرأي، أي إلى تابعين يعربون عن الإعجاب بروح من الولاء الذي لا يرقى إليه شك، وهو يفكر دوماً في ثنائية الأسود أو الأبيض، معي أو ضدي، فيقسم العالم إلى أعداء (محتملين) وأصدقاء مخلصين. هذا التحليل يصف شخصية الحاكم العربي وصفاً دقيقاً، فهي نرجسية ومتكبرة لا تقبل إلا المدح والثناء، ولا تريد إلا الموافقة على قراراتها والامتثال لأوامرها.

نخلص إلى أن جنون بشار الأسد راجع إلى التربية العائلية المتعجرفة والمتكبرة، وإلى البيئة العربية الاستبدادية والإقصائية، فهذان العاملان شكلا شخصية مهووسة بالسلطة لا تقيم اعتبارا لحياة الناس وحقوقهم.

كاتب جزائري

8