عصر الظلمات لم ينته

السبت 2014/03/08

“فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم، فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي هذه تدعى امرأة لأنها من امرؤ أُخذت”.

هكذا بدأت سيادة الرجل وأعلنت نهاية ألوهية المرأة التي تحمل في أحشائها صورة الحياة الجديدة واستمرارها، واضطلعت المرأة الإلهة الموازية للرجل بإعطاء الرأي والحلول من أجل التوازن وتنظيم الحياة وخير البشر والسعي نحو الكمال. انقلبت الصورة على الأرض وصارت المرأة تابعة فهي الضلع الناقص الذي يعبّر عن تبعية المرأة المطلقة للرجل، ولن تنصفها تقاليد أسست على مفاهيم مغلوطة “من وأد البنات، إلى جالبات العار، إلى ناقصات عقل ودين” وقد يكون أشدها إجراما في عصرنا ما يسمى جرائم الشرف التي تذبح فيها النساء ضمن قبول اجتماعي وغطاء قانوني على مقاصل الأخلاق.

مسيرة شائكة تقودها النساء منذ آلاف السنين خصوصا في المجتمعات العربية التي تفرض عليها معاناة مضاعفة، إذ تعيش ما يعانيه الرجل على المستويين السياسي والاقتصادي من انخفاض سقف الحريات العامة وحقوق الإنسان إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتعاني سطوة العادات والتقاليد والموروث الديني المدعوم بقوانين ذكورية لم تقر التعاطي معها كإنسان.

هذه المسيرة أفرزت نموذجين أساسيين: المرأة العاجزة المنقادة وهي الشكل الأكثر رسوخا في مجتمعنا، حيث استسلمت فيه لمملكة الرجل، متخلية عن دورها الفاعل في المجتمع، وصولا إلى تبني مفاهيم وآراء الرجل ضدها، مورثة أبناءها وبناتها نفس المفاهيم التي نشأت عليها.

والمرأة المحتجّة المنافسة بدأت أولى خطوات الخروج عن أحد أشكال التبعية من خلال تحصيلها العلمي والإبداعي والثقافي واستفادت من تطور الظروف التي ساعدت على عمل المرأة دون الخلاص من دائرة المعاناة المستمرة بكل معطياتها الثقافية والاجتماعية في مجتمعات تشكل التقاليد والأديان أساسا متينا في بنائها وتنظيمها. وهذا يزيد من عبئها إذ يضعها في مواجهة الصراع بين رغبتها بالمساواة في كل الميادين- رغم تضاعف الأعباء عليها- وبين الانقياد إلى الثقافة المجتمعية السائدة التي يشكل انعدام وجود قوانين منصفة أسوأ ما فيها. وأن تحتوي القوانين على مواد تمييزية، وهذا ما ينطوي عليه القانون السوري في ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية بما له من أهمية كبيرة في حياة المواطنين “المرأة والرجل والطفل” واحترام حقهم الإنساني، ويفترض به أن يحفظ حقوقهم بكافة أطيافهم وتنوعاتهم الدينية والإثنية. فقانون الأحوال الشخصية السوري مازال محكوما بالتشريع الديني للمحاكم الروحية والمذهبية وما فيها من حالات التمييز. إذ يميز بين المرأة والرجل، وهذا التمييز يبدو واضحا في العديد من النصوص كـ”التهاون في جرائم الشرف، قانون الحضانة، الوصاية، الميراث، شهادة المرأة، تعدد الزوجات، ليضاف إليها الطلاق التعسفي بما يشكله من ظلم للمرأة وخاصة أن الرجل يستخدم حقه فيه دون سبب موجب، وإجازة الولي الذي يتوقف فيه زواج المرأة على إجازة الولي، فرغم وصول المرأة إلى أعلى المناصب لا تستطيع اتخاذ قرار يخصها وحدها وأن تزوج نفسها إلا بإذن وليها.

إن القانون السوري للأحوال الشخصية المتوارث منذ العهود العثمانية مازال يتخبط في ظلمات قرون خلت فارضا على النساء جميعهن العيش تحت وطأة السلطة الذكورية بما يحتويه من نصوص قانونية تدل على مدى احتقار المرأة وانتقاص حقها وكرامتها ويمثل أبرز علامات التخلف التشريعي عن عصر باتت فيه حقوق الإنسان أساسا في بناء الحضارة الحديثة.

فما تعيشه المرأة من تاريخ طويل من العبودية والتبعية لا يمكن النظر إلى حلول فعالة فيه دون العمل على حل جذري لمشكلات مجتمعات سكنتها ظلمات الماضي بما فيه من عادات وتقاليد ونصوص دينية وتم تغييبها عن تبني ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان والقوانين المدنية.

ولا يمكن بحال من الأحوال زرع الشعارات وحدها حتى تعود المرأة إلى خلق حالة التوازن الذي يقود المجتمعات بعد أن غابت المرأة عن الفعل وتم تحجيمها اجتماعيا فصراعها الدائم والمستمر ليس مع الرجل إنما مع جملة معطيات ثقافية ومجتمعية تنزع عنها حقها في الوجود والتعبير واستقلالية القرار ومع قوانين تعزز حكاية السيد والجارية.


كاتبة سورية

9