عصر العولمة الفائقة

الخميس 2017/11/30

ربما تكون مفردة “العولمة” أكثر المفردات التي دخلت قاموس المفردات الثقافية مع مطلع الألفية الثالثة، وقد تلبّست العولمة في كلّ مفاعيلها السياسية والاقتصادية والثقافية معنىً يفيد بسيادة وجهة نظر محددة -أو على الأقلّ اقترابها من السيادة- على كامل المشهد العالميّ وبما يعزّزُ خدمة السلام العالميّ وتقزيم العوامل التي تدفع نحو التناحر والاحتراب الأيديولوجي الذي قد يرقى إلى مستوى النزالات الصراعية المسلّحة التي جرّت على الإنسانية الكثير من الويلات، وليست الذكريات المريرة للحروب العالمية ببعيدة، وعلى هذا الأساس كان المفترض في العولمة (أو حين تمّ الترويج لها) بأنها عنصر خير عالميّ سيأتي بخير عميم لجميع الأطراف.

ثمّ بانت الحقائق الصارخة لاحقاً لتكشف أنّ العولمة المدّعاة ما كانت سوى شكلٍ مستحدث من أشكال فرض السطوة العالمية من خلال وسائل ناعمة مدعمة بضغط عناصر ثقافية ترمي لتحييد الثقافات المحلية وإشاعة نمطٍ من الثقافة العالمية التي تعزّز في مجملها الحسّ الاستهلاكيّ وانفتاح الأسواق أمام الشركات العالمية المتغوّلة في لعبة تجارية قد تبدو تنافسية في ظاهرها لكنّ عوامل الغلبة فيها محسومة تجاه الأسياد التكنولوجيين المتحكّمين بمصائر عالمنا.

ثمة حقيقة غريبة إلى حدّ كبير خلقتها العولمة وباتت تشكّلُ نقيضاً جدلياً لها وعلى نحوٍ شبيه بالديالكتيك الهيغلي القائم على تركيب من الفكرة ونقيضها؛ هنا نحن أمام متناقضة ثنائية من نوع “العولمة-العولمة الفائقة”.

والعولمة الفائقة أو “السوبر عولمة” هي ببساطة العولمة الافتراضية، أي العولمة التي تُمارَسُ من خلال وسائل الاتصال الحديثة وعبر شبكة الاتصالات العالمية، وهذه العولمة تتقاطع إلى حدّ كبير مع العولمة البدائية من حيث رغبة منظّري العولمة البدائية بسيادة أنماط معيشة موحّدة إلى حدّ كبير على أرض الواقع في شتى بقاع الأرض وبما يعظّم الأرباح المُجتناة.

وكانت كلّ أشكال العولمة الأخرى إنما هي وسائل مساعدة لتعضيد العولمة التجارية؛ أما بالنسبة إلى العولمة الافتراضية فقد باتت تعني عولمة الأفكار والانتشار اللّحظي للآراء والمشاهد البصرية والصوتية عبر الشبكة العالمية وما عادت تقتصر على الحقل التجاريّ أو “الاقتصادي بعامة”.

والغريب في العولمة الفائقة أنها صارت توظّفُ لتدعيم التقاطعات الثقافية وإشاعة نمط جديد من الهوية الذاتية والقومية وتكريس الاستقلالية الفردية والنزوعات الوطنية المتطرفة؛ إذ بعد أن شهدنا ولادة الاتحاد الأوربي مع مطلع الألفية الثالثة كأكبر تكتّل سياسي مبشّر بعصر اختفاء الدولة-الأمة ها نحنُ نشهد انفراط عقد هذا الاتحاد وشيوع النزاعات فيه.

وقد ترافق هذا الأمر مع سيادة النزعات الفاشية والنازية المتطرفة، ولم يختلف الحال كثيراً في منطقة الشرق الأوسط بعامة؛ فقد شهدنا الكثير من الخطابات المتطرّفة للجماعات المتشدّدة التي تتفنّن في استخدام وسائل العولمة الافتراضية بحرفية كبيرة من أجل الدعوة لخطابها الدينيّ المتشدّد، ولا ينبغي نسيان حقيقة أنّ كثيراً من أعضاء تلك الجماعات هم أفراد ينتمون لبلدان متقدمة من الناحية التقنية ساهمت في تخليق العولمة وإعلاء شأنها لسنوات عديدة.

يتحدّث المنظّرون الثقافيون ودارسو العلاقة بين الأفكار والتقنية والتبدّلات الاجتماعية عن دخول البشرية في مرحلة جديدة من العولمة الافتراضية، وستكون أهمّ سمات تلك المرحلة تعزيز الاستقلالية الفردية وبما يجعل الفرد شبه جزيرة معزولة مكتفية بذاتها، وإذا ما ترافق هذا الأمر مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي ووصولها لمستويات ثورية غير مسبوقة فسيكون الجنس البشري على أعتاب عصر جديد ينبغي التحسّب لمتغيّراته على الصعيد القيميّ والسيكولوجيّ بخاصة.

كاتبة عراقية

13