عصر القلوب والأفئدة.. الثورة التكنولوجية تزيح الثورة الصناعية

تطور الذكاء الصناعي في السنوات القليلة الماضية ليتمكن من أداء وظائف ومهام كانت توفر الآلاف من فرص العمل للبشر، ممّا سيقضي على العديد من المهن ويحيل أعدادا كبيرة من الناس على البطالة، لكن لا تزال هناك مجالات لا يستطيع الذكاء الصناعي منافسة الإنسان فيها، حيث سيوفر المستقبل مهنا جديدة وسوقا واقتصادا جديدين.
السبت 2016/08/13
الطابور من الماضي ولا مكان له في المستقبل

لندن- نعيش في عالم يمر بمرحلة انتقالية، عالم قديم ينتهي، وآخر جديد يزحف بتسارع. فجر الثورة التكنولوجية يتقدم بثبات مزيحا عن طريقه مخلفات وبقايا الثورة الصناعية، ومعلنا بداية عصر جديد يمكن تسميته بعصر القلوب والأفئدة. ففي العصر الأول للبشرية كان البشر يكسبون من عمل أيديهم ويبنون كل شيء بأنفسهم، كان هذا العصر الأبدي، والذي امتد طوال مراحل الثورة الزراعية وما سبقها، وحتى أغلب مراحل الثورة الصناعية التي في النهاية أتت بماكينات تمكنت تدريجيا من إزاحة البشر عن الكثير من الوظائف والمهام باستبدال الأيدي العاملة بآلات أكثر قدرة وقوة ودقة، منهية عصرها ومدشنة عصر العقول، حيث أصبح أغلب البشر يكسبون مما تؤديه عقولهم وهم يجلسون في المكاتب، من عمليات حساب وتنظيم وإدارة وإبداع، وهذه مجالات لم تكن الآلة تنازع البشر فيها حتى مجيء الكمبيوتر وتطوره خلال العقود الأخيرة، وبات هذا الجهاز العجيب المزود ببرمجيات ذكية وقادرة على التعلم ذاتيا على وشك استلام المهام العقلية والإبداعية من الإنسان ليضعنا على أبواب عصر جديد، عصر القلوب.

ويقول بول جليدينج، صاحب كتاب “الاختلال الكبير”، “قد يهيّأ للبعض وهم يستعملون هواتفهم الذكية ويتواصلون مع بعضهم البعض من خلال فيسبوك أو تويتر، أن مرحلة الثورة الصناعية انتهت ولكنها لم تنته بعد، فثلثا الاقتصاد العالمي لا يزالان يعملان بقوة الدفع التي أنتجتها مداخن ومصانع ومناجم القرن التاسع عشر في إنكلترا، ولكن بعد 250 عاما حان وقت انتهاء مرحلة الثورة الصناعية وسوف تأتي النهاية بسرعة أكبر ممّا نتخيله”.

مهن التدريس والطب ليست الوحيدة التي ستعاني من اجتياح الذكاء الصناعي

موجة تجتاح العالم

يتنبأ دانيال بريستلي في كتابه “ثورة الرواد”، بأن موجة تغيير تسونامية على وشك اجتياح العالم وسوف تقسم الناس إلى قسمين، قسم يتمكن من ركوب الموجة العارمة ويحقق اختراقات ونجاحات، وقسم آخر يتشبث بالثورة الصناعية ومخلفاتها ويعاني النكسات والأزمات المستمرة. ويضيف بريستلي “القادم هو ثورة حقيقية لأن كل ما نعرفه واعتدنا عليه سوف يتغير في السنوات القليلة القادمة”.

وتفيد دراسة نشرتها جامعة أوكسفورد عام 2013 بعنوان “مستقبل سوق العمل”، بأن أعدادا كبيرة من الناس سيفقدون وظائفهم في المستقبل كنتيجة حتمية لانتشار التكنولوجيا وحوسبة قطاعات كبيرة من سوق العمل، والكمبيوترات المزودة بخوارزميات قادرة على التعلم وستحل محل الإنسان في كل الوظائف والمهن ذات الطابع الروتيني التي تعتمد على التكرار بحسب نظام ثابت ومحدد مسبقا، والكثير من المصانع التي كانت توظف عشرات الآلاف من العمال في السابق أصبحت حاليا تعتمد على أعداد قليلة نسبيا من البشر يعملون إلى جانب ماكينات ذكية وروبوتات حلت محل زملائهم، وأرسلتهم إلى طوابير البطالة. وليست المهن التقليدية وحدها التي ستتأثر بحلول الروبوتات محل الإنسان، إذ تتنبأ دراسة جامعة أوكسفورد بأن 50 بالمئة من المهن عرضه لاستبدال البشر كلية بالذكاء الصناعي.

ويقول خبير الذكاء الصناعي أنثوني جولدبلوم “خلال السنوات القليلة الماضية كانت هناك اكتشافات واختراعات عظيمة جدا في هذا المجال”، ويضرب مثالا على ذلك من خلال أحد برامج الكمبيوتر الذي يستطيع أن يُقيم الواجبات المدرسية للطلاب وحتى مواضيع الإنشاء بدلا من المدرسين بسرعة فائقة وإعطاء العلامات المناسبة بدقة تساوي دقة البشر، فمثلا مدرس الجامعة الذي قد يتمكن من قراءة وتدقيق عشرة آلاف مقال للطلاب خلال 40 سنة من العمل، يستطيع جهاز الكمبيوتر القيام بنفس المهمة في دقائق، وطبيب العيون قد يتمكن من فحص الآلاف من العيون خلال حياته المهنية وتشخيص الأمراض في حين أنه العام الماضي تم تطوير برنامج كمبيوتر يستطيع تحليل الآلاف من الصور للعيون وتشخيص مرض اعتلال شبكية العين الناتج عن السكري، خلال دقائق وبدقة عالية جدا تفوق دقة الأطباء”.

إن مهن التدريس والطب ليست الوحيدة التي ستعاني من اجتياح الذكاء الصناعي، ففي ألعاب “أولمبياد ريو دي جانيرو 2016” المتواصلة في البرازيل اعتمدت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية على الذكاء الصناعي لإنتاج التقارير الصحافية ونشرها دون الحاجة إلى صحافيين، والكثير من المهام التي يقوم بها المحامون والعاملون في القضاء والحقل القانوني ستقوم بها برامج الكمبيوتر بدلا من الإنسان.

موجة تغيير تسونامية على وشك اجتياح العالم، القادم هو ثورة حقيقية لأن كل ما نعرفه واعتدنا عليه سوف يتغير في السنوات القليلة القادمة

مهن تختفي

إن الكثير من المهن والوظائف التي يقوم بها البشر حاليا هي في الواقع أعمال تتطلب القيام بمهام روتينية ومملة ولا تحتاج إلى مهارات عالية. وصحيح أنها توفر الدخل والحياة الكريمة للملايين من البشر حول العالم، إلا أنها في أغلب الأحيان لا توفر تحقيق الذات للأفراد، ولا تمنحهم السعادة التي يشعر بها الإنسان نتيجة التعلم المستمر لمهارات جديدة، والتغلب على تحديات لم يواجهها من قبل، فبعد عشر سنوات من العمل في بعض هذه المهن لا يكون الإنسان قد اكتسب خبرة طوال هذه المدة بل اكتسب خبرة يوم واحد مكررة لمدة عشر سنوات، والقسم الأعظم من أماكن العمل التي سادت في القرن العشرين وبدايات هذا القرن صممت بعقلية ومنطق الثورة الصناعية، فكل شيء من ترتيب المكاتب وتوزيعها ومهام الموظفين تشبه خطوط الإنتاج والتجميع في المصانع، بحيث يكون الموظف عبارة عن آلة عليه القيام بمهام روتينية متشابهة، والكثير من المهام التي يقوم بها الموظف المعاصر يمكن أن تقوم بها برامج كمبيوتر حديثة، وهي الوظائف والمهن التي توقعت دراسة جامعة أوكسفورد أن تنتهي ويعاني أصحابها من البطالة.

كل الوظائف والمهام التي تعتمد على بيانات ومعلومات متوافرة بكثرة يستطيع الذكاء الصناعي التفوق على الإنسان في أدائها، وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مرعبا والمستقبل قاتما تسود فيه البطالة ولكن ليس بالضرورة أن يحدث ذلك، فلا يزال الإنسان يتفوق على الذكاء الصناعي في حل المشكلات الجديدة التي لا تتوافر أي معلومات وبيانات مسبقة يمكن تغذيتها للذكاء الصناعي ليعمل بموجبها.

وفي المقابل لدى الإنسان القدرة العالية على الربط بين أمور غير مرتبطة وحل مشاكل ومعضلات لم يرها من قبل، على عكس الذكاء الصناعي الذي يحتاج دائما إلى معاينة المشكلات لعدة مرات من قبل، ليتمكن من حلها.

ويعطي خبير الذكاء الصناعي أنثوني جولدبلوم مثال الفيزيائي بيرسي سبنسر الذي كان يعمل على تطوير الرادارات أثناء الحرب العالمية الثانية. ولاحظ سبنسر أن الأشعة الكهرومغناطيسية تذيب ألواح الشوكولاتة التي كان يأكلها، فاستطاع الربط بين مهارته وإتقانه لفن الطبخ ومعرفته الجديدة بالإشعاع الكهرومغناطيسي واخترع فرن المايكروويف. ومع أن هذا مثال عظيم واستثنائي على قدرة الإنسان الخلاقة على الإبداع، إلا أن هذا النوع من خلق الروابط بين أمور غير مرتبطة ودمجها لاختراع شيء جديد، هو ما نقوم به يوميا ولعدة مرات، وإن كان على مستويات منخفضة قد لا تؤدي إلى اختراعات كبرى.

ووفق ذلك سيكون المستقبل للإنسان وسوق العمل لمن يعملون على إيجاد حلول لمشكلات جديدة وإبداعات خلاقة معاصرة، وليس شرطا أن تكون اكتشافات عظمى، فيكفي أن تكون إبداعات صغيرة تحسن من حياة الناس وعلاقاتهم وتواصلهم وجودة حياتهم، فوظائف ومهن وآفاق جديدة ستفتح في المستقبل وقسم كبير منها سيكون في المجال الخدماتي، أين يعمل الموظف على تحسين ظروف حياة الآخرين وتقديم خدمات تسعده هو شخصيا وتوفر السعادة لأخيه الإنسان.

الإنسان لا يزال يتفوق على الذكاء الصناعي في حل المشكلات الجديدة التي لا تتوافر أي معلومات وبيانات مسبقة

بداية عصر القلوب

إن مستقبلا تقوم به الآلات والذكاء الصناعي في أغلب المهام الروتينية والمملة لا يكون بالضرورة سيئا، فمن الأفضل أن تترك هذه المهام للآلات ليتفرغ الإنسان إلى أمور ووظائف ومهام أكثر إنسانية، وهذا سيغير من طبيعة السوق والاقتصاد الإنتاجي الاستهلاكي الذي خلفته الثورة الصناعية، والذي أصبح عبئا على الإنسان وعلى الطبيعة، واستنزف كوكب الأرض وموارده الطبيعية ويأتي بسوق جديد يكون فيه الإنسان هو الأساس. إن بشائر هذا الاقتصاد الجديد قد بدأنا فعلا نراها ونشعر بها وباتت معالمها ملموسة للكثير من خبراء التسويق، حتى أصبحوا يطلقون عليها تسمية “عصر القلوب”.

وأبرز التغيرات في “عصر القلوب” هي تبديل اقتصاد جديد ذي طابع انغماسي تجريبي في الاقتصاد السائد ذي الطابع الاستهلاكي، ففي هذا الاقتصاد الجديد لم يعد الناس يقبلون بمجرد استهلاك خدمة ما كالأكل مثلا في مطعم، بل يسعون للحصول على تجربة تناول طعام فريدة ينغمسون فيها بحواسهم وتشبع أفئدتهم، ولم يعد مجرد جهاز هاتف تقليدي يكفي، بل يسعى الفرد للحصول على هاتف ذكي يمكنه من التفاعل مع العالم بحواسه كافة، وهذا التحول في النمط الاستهلاكي هو ما تنبهت له شركة “أبل” مبكرا عند تصميم الأيفون. فهي لا تقدم للمستهلك مجرد هاتف بل تبيع المستهلك تجربة فريدة تمكنه من الانغماس الحسي بنهم اسمها “آيفون”.

لن تكون السنين القادمة مثالية خالية من قلاقل واختلالات كبرى، كما حصل دائما في كل المراحل الانتقالية للتحول البشري، ليس هناك أبلغ مما كتبه تشارلز ديكنز في افتتاحية روايته العظيمة “قصة مدينتين” “لقد كانت هذه أفضل الأوقات، لقد كانت هذه أسوأ الأوقات، كان عصر الحكمة، كان عصر الحماقة، كان عهدا من الإيمان، وعهدا من الشك، كان موسما للضياء، كان موسما للظلمة، كان ربيع الأمل وشتاء اليأس، لقد امتلكنا كل شيء، ولم نمتلك شيئا بالمرة، اتجهنا مباشرة صوب الجنة، اتجهنا جميعا للجهة الأخرى”. وكان تشارلز ديكنز يصف الثورة الفرنسية التي غيرت فرنسا والعالم، مع أنها كانت ثورة قتل ومقاصل، بقوله “نحن بصدد ثورة جديدة، لن تكون بلا ضحايا، كما كانت الثورة الفرنسية ولكنها قد تكون ميلاد عصر جديد للإنسانية، إنه عصر القلوب”.

محلل تكنولوجي

18