عصر المعلوماتية يضع الأسر العربية أمام تحديات تربوية جديدة

مختصون يرون أن انفتاح جيل الصغار وعصر المعلوماتية خلقا العديد من الصعوبات التربوية أمام الوالدين.
الثلاثاء 2020/01/14
أفضل طريقة للتفهم

يفرض عصر التقنيات الحديثة والإنترنت تغييرات متنوعة على الأسر العربية، منها ما يتصل بالعلاقات بين أفرادها ومنها ما يتصل بالأساليب التربوية التي تبدو في الكثير من الحالات غير مواكبة للعصر، ويتحدث الكثير من الآباء والأمهات بانبهار عن ذكاء أبنائهم وقدراتهم على التعبير ومطالبهم وتساؤلاتهم لأنها تبدو صادمة وتفوق أعمارهم الحقيقية. ويؤكد مختصون أن انفتاح جيل الصغار وعصر المعلوماتية خلقا العديد من الصعوبات التربوية أمام الوالدين.

القاهرة – يستغرب الكثير من الآباء والأمهات عند طرح أطفالهم لأسئلة ومواضيع تبدو أكبر من أعمارهم، ويجد بعضهم حلولا للإجابة والتجاوب مع الطفل وإقناعه بينما يحتار غيرهم ويعجزون عن إيجاد الطريقة المناسبة للتعامل مع الطفل الذي يبدو لهم ذكاؤه وتساؤلاته سابقين لعمره الحقيقي.

يعتبر بعض الآباء أن ذلك راجع لتمتع صغار هذا الجيل بذكاء يفوق ذكاء الأجيال السابقة، وهو ما ناقشته وأثارته العديد من الدراسات العلمية الحديثة، فيما يرى آخرون أن ما يتيحه العصر الراهن بتقنياته الحديثة ومصادر متعددة للمعلومة ومن أهمها الإنترنت يجعلهم في مواقف محرجة غير قادرين على مجاراة الاطلاع الواسع لصغارهم وفضولهم وحتى مطالبهم.

ويناقش الوالدان وكذلك مربو الأطفال والمدرسون في ما بينهم المسافة الفاصلة بين انتظاراتهم من الطفل في عمر معين وبين ما يصدر عنه في الحقيقة.

وترى ريهام مدرسة في إحدى رياض الأطفال في مصر أن الطفل في العصر الحالي يتحدث في موضوعات تفوق سنه، ويطرح الكثير من الأسئلة التي تبدو للكبار محرجة أو لا يجد طريقة لتبسيط الإجابة عليها ليستوعبها باعتبار صغر سنه.

وتوضح ريهام “أضطر إلى تبسيط المعلومة بأسلوب آخر محاولة إشباع رغبته في المعرفة”، معتبرة أن التدفق الكبير للمعلومات على عقل الطفل ومن العديد من المصادر يجعله يواجه كمّا هائلا من التساؤلات.

ومن جانبها، تؤكد سامية مدرسة لغة عربية للمرحلة الابتدائية منذ عام 1996، أن اختلاطها بالأطفال جعلها تلاحظ التغييرات التي مروا بها في العقود الأخيرة، وتقول “الأطفال منذ عدة سنوات كانوا أكثر هدوءا، أما الآن فأصبحوا يتكلمون كثيرا، لا يريدون الجلوس في الفصل لمدة طويلة، ويطرحون أسئلة أكبر من أعمارهم”.

الاتساع في المعرفة ينعكس على مدارك الطفل فيتولد لديه مزيد من الأسئلة، ومن حقه أن نجيب على أسئلته بصراحة أيا كان نوع السؤال

وتحاول المدرسة مواجهة أسئلة تلاميذها الصغار، حتى المحرجة منها، بالرد بطريقة مبسطة وتوضح “إن الطفل ذكي جدا ويفهم جيدا ما يدور حوله وعلينا ألا نشعره بعدم الأهمية أو بأننا نستخف بعقله”.

وترى حنان عبدالحميد، والدة لطفلين بالمرحلة الابتدائية (9 و10 سنوات)، أن الطفل بطبيعته فضولي ويتأثر بالإنترنت ووسائل الإعلام أيضا وهي بدورها توسع دائرة معارفه كما أنه يحاول الاستفسار ببراءة عما يراه على الشاشات، لذلك فإن مراقبة ومتابعة الآباء لما يشاهده أبناؤهم سواء في التلفزيون أو عبر الإنترنت ضرورية لمواكبتهم في اختيار ما يناسب سنهم.

ويؤكد أستاذ علم الاجتماع رشدي عبدالعزيز أن الطفل وليد البيئة التي يعيش فيها وحينما تتنوع الثقافة ويتعامل مع التكنولوجيات الحديثة، فإن قدراته العقلية ومهاراته سوف تتطور بما يتناسب مع طبيعة العصر الذي يعيش فيه، ويعتبر التلفزيون والإنترنت من المؤثرات الثقافية ومن وسائل المعرفة التي تجعل الطفل أكثر رغبة في التساؤل بل تخلق لديه الرغبة في الوصول إلى المعلومة الأكثر دقة.

ويتابع المختص في علم الاجتماع “في بعض الأحيان تكون أسئلة الطفل محرجة، ولكن بصفة عامة فإن أسئلته إن كانت محرجة أو غير محرجة، فيجب أن نعلم أن من حقه أن يسأل ومن حقه أيضا أن نجيبه بما يلائم قدرته على الاستيعاب ومن دون كذب”.

ويقدم مثالا عن سؤال الطفل التقليدي “من أين جئت؟” ويقول “قديما كان الأبوان يجيبان ‘ذهبنا لشرائك’، لكن هذا الكلام لم يعد له معنى في هذا العصر حيث يمكن له أن يجد إجابات أخرى أقرب للحقيقة لذلك يجب أن تتناسب الإجابة مع سن الطفل مع تبسيط المعلومة، ويتم الحوار بشكل عام بحيث أن ما سيصل إليه الطفل في ما بعد لن يختلف كثيرا عما قاله أبواه إلا في التفاصيل”.

ويتابع عبدالعزيز “لا بد من مواجهة الآثار السلبية للتكنولوجيات الحديثة من خلال التوجيه ومنع بعض المواد غير المناسبة لكل الأعمار، وحين يغيب دور توجيه الأب أو الأم يصبح الإنترنت وغيره من مصادر المعلومة هو المعلم”.

وأظهرت العديد من الدراسات والبحوث العلمية الحديثة أن الطفل اليوم يخضع للعديد من المؤثرات التي تترك بصماتها على ثقافته وتربيته وتكوينه المعرفي والنفسي، مبينة أن كثرة هذه المؤثرات تقف وراء تطور مدارك الطفل واكتسابه قدرة على التفكير والتساؤل تبدو أحيانا صادمة لدى الآباء.

دور مضاعف لحماية الصغار
دور مضاعف لحماية الصغار

ويفسر أخصائي العلاج النفسي أحمد قاسم ذلك بأن العصر الراهن يتيح للطفل أن يشاهد ما يدور في العالم من خلال جهاز الكمبيوتر أو الهاتف الذكي، وأن هذا الاتساع في المعرفة ينعكس على مداركه فتتولد لديه المزيد من الأسئلة، ومن حقه أن نجيب على أسئلته بصراحة أيا كان نوع السؤال حتى لو كانت أسئلة عن مواضيع جنسية. ويردف “ما نخجل نحن منه لا يعرف الطفل أنه مخجل فهو يريد أجوبة منطقية لأسئلته، ويجب ألا نحاول أن نكره أولادنا على نمط أخلاقي بحذافيره دون إشباع فضولهم ورغباتهم في الاطلاع”.

وينبه المختص النفسي إلى أن عدم إشباع رغبة الطفل في المعرفة وعدم تقديم المعلومة التي يبحث عنها يدلان على عدم احترام المربين والوالدين لعقله ما يدفعه للبحث عن المعلومة في مصادر أخرى، وهنا تظهر خطورة الإنترنت ووسائل التواصل لأن الطفل في مراحل عمرية مبكرة ليس إلا مجرد متلق للمعلومة، وهو لا يمتلك المؤهلات الفكرية التي تجعله يناقشها ولا يتقبلها كمسلمات.

ويوصي قاسم الوالدين بأن يحرصا على جعل طرق استخدام الإنترنت قائمة على التوجيه والمراقبة والمشاركة لتنمية قدرات الطفل على التفاعل مع ما تتيحه له من معلومات ويقول “من الضروري ألا نفصل أبناءنا عن الواقع وعن الوسائل المعلوماتية التي يقدمها عصرهم بزعم الخوف عليهم أو حمايتهم، بل نتركهم يتعاملون معها للمعرفة ويكون دورنا توجيههم وتنظيم أوقاتهم والمواقع التي يمكن لهم الدخول إليها”.

وتفيد العديد من البحوث العلمية الحديثة التي درست تأثيرات التقنيات الحديثة والإنترنت خصوصا على الطفل، أن دور الآباء والمربين في احتواء فضول الطفل واستيعابهم لتساؤلاته وتفهّمها بجانب ما يتمتعون به من قدرات على التجاوب معه وإقناعه وتبسيط المعلومة له، هو دور رئيسي في حماية الأطفال من مصادر المعلومات المتعددة والرقمية التي قد تؤثر على سلامة تكوينهم ونموهم المعرفي والسلوكي والنفسي بما يناسب كل مرحلة عمرية يمرون بها.

21