عصر تكافؤ الفرص: تسليم مسؤولية التوظيف للعقل الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي في مجال التوظيف يتفوق على البشر في هذا الدور بعد أن أثبت فاعلية أكبر وتجنبه عيوبا "خطيرة" كانت تشوب الأداء البشري.
الاثنين 2019/03/18
الكل سواسية أمام العين الذكية الاصطناعية

ظهرت عدة مواقع إلكترونية تعمل على الاستفادة من التقدم التقني للقضاء على عدد من السلوكيات التي يمكن أن تمارس أثناء التقدم للوظيفة كالتحيز والوساطة وغير ذلك من الممارسات غير المهنية، وتتنافس هذه المنصات في ما بينها على ترك مهمة اختيار الموظفين للذكاء الاصطناعي وأحيانا اختيار شريك الحياة أيضا.

تأتي فكرة اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب كأحد أبرز التحديات التي تواجه النظم الاجتماعية والسياسية على حد السواء، فإتاحة عدد ضخم من الخيارات في حد ذاتها تسبب حيرة وتشتتا كبيرين للمسؤول عن الاختيار، سواء أكان هذا الشخص مسؤولا عن التوظيف في مؤسسة ما أو مجرد إنسان عادي يسعى للعثور على شريك حياة، ففي كلتا الحالتين ترهق العقل حسابات معقدة.

وظهر الذكاء الاصطناعي في مجال التوظيف كغيره من الكثير من المجالات ليضع حلا لمعضلة حيرة الإنسان أمام تعدد الاختيارات فضلا عن الوقوع في مشكلة الاختيارات السيئة في الكثير من الأحيان، حيث أزال عن عاتق البشر صعوبة الاختيار من ناحية وجنبهم تداعيات الاختيارات الخاطئة من ناحية أخرى، فبعد تطوير خوارزميات أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت عملية اختيار شخص من بين عدة مرشحين أكثر دقة وسرعة وموثوقية.

ومن بين أدوات الذكاء الاصطناعي التي أثبتت فاعلية في مجال التوظيف، منصة “إنتيلو” والتي تم تأسيس شركة باسمها عام 2011 في ولاية سان فرانسيسكو الأميركية. تم إطلاق المنصة رسميا في 2012، ومع مرور الوقت ذاع صيتها في مجال التوظيف حتى أصبحت الآن معروفة لدى كبريات الشركات العالمية، إذ تساعد مسؤولي التوظيف في العثور على المرشحين الأنسب لشغل الوظائف.

حذف العقل الاصطناعي

أشاد موقع “راكونتير” بأداء منصة “إنتيلو” في مجال التوظيف، وقال إنها لا تكتفي فقط باختيار شخص ماهر لشغل وظيفة ما، بل إنها تختار الشخص الأنسب، وذلك من خلال التنبؤ بسماتهم وميولهم الشخصية من خلال رصد سلوكهم على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

شركة “إنتيلو” ليست سوى واحدة من نوع جديد من الشركات التي تقدم تكنولوجيا تساعد أصحاب العمل على الفوز بأفضل المواهب في سوق العمل.

ومن بين هذه الشركات أيضا “هاير فيو” التي تُجري مقابلات التوظيف من خلال تصوير الفيديو المزود بتقنية مدمجة للتعرف على المشاعر والتي تتم ترجمة نتائجها إلى تقييمات نفسية معتمدة تحدد مدى ما يتمتع به الشخص من سمات مطلوبة في العمل مثل التفكير الناقد والعمل الجماعي.

ويمكن من خلال هذه التقييمات توقع الأداء المستقبلي للمرشح للوظيفة، وتعتمد شركة مثل “ترايب باد” على نفس فكرة التنبؤ بالأداء والمهارات الوظيفية ولكن من خلال تقنيات تحليل التاريخ الوظيفي للمتقدمين، بحيث تعالج خوارزميات الذكاء الاصطناعي التاريخ الوظيفي للمتقدم، ومن ثم ترصد ما لديه من مهارات ويتم تحديد قبوله أو رفضه عن طريق تحديد مدى تطابق ما لدى الموظف من مهارات مع المهارات التي تتطلبها الوظيفة المتاحة.

المنصات الرقمية: فاعلية كبرى في مجال التوظيف
المنصات الرقمية: فاعلية كبرى في مجال التوظيف 

وهو ما أكده دينس ادلر الرئيس التنفيذي لشركة “ترايب باد”، إذ يقول “يمكن لمسؤولي التوظيف التنبؤ بأداء المرشحين بعد عامين من الآن، من خلال النظر في مهارات الأشخاص المتقدمين وتحديد المهارات المطلوبة”. وتابع “لا تستطيع الشركات اليوم البقاء والمنافسة في السوق إذا اكتفت بتوظيف الشخص الجيد، بل ينبغي لها توظيف الأفضل”.

وهكذا وبعد دخول عدة شركات رائدة في هذا المجال، يمكن رؤية صورة واضحة للمزايا التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في مجال التوظيف، حتى أنه تفوق على البشر في هذا الدور بعد أن أثبت فاعلية أكبر وتجنب عيوبا خطيرة كانت تشوب الأداء البشري عند اختيار عدد محدود من الموظفين من بين المئات من المتقدمين.

فوائد اقتصادية واجتماعية

حدد موقع “ديجيال إتش آر تك” مزايا دخول الذكاء الاصطناعي مجال التوظيف، جاء من أبرزها تقديم اختيارات غير متحيزة، ذلك لأن خوارزميات الذكاء الاصطناعي بطبيعة الحال لا تعترف عند اختيار الموظفين إلا بمعايير مثل المهارات والسمات الشخصية والخبرة العملية، وهو ما قد لا يتحقق بالشكل المطلوب عند قيام بشر بالمهمة ذاتها، إذ يتدخل التحيز إما عن قصد عندما تكون هناك علاقة تجمع مسؤول التوظيف بأحد المتقدمين وإما دون قصد عندما يستسلم مسؤول التوظيف لأهوائه الشخصية في الاختيارات.

وتساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي مديري التوظيف في الشركات على توفير ساعات طويلة من العمل على إنهاء مهام قد تبدو روتينية وتكرارية، مثل الإجابة عن الأسئلة الشائعة للمتقدمين للوظائف، وفرز وتصنيف ملفات السير الذاتية وجدولة مواعيد إجراء المقابلات الشخصية وغير ذلك من الأعمال التي تستهلك وقت ومجهود مديري التوظيف الذين يعانون عادة من ضيق الوقت وازدحام جدول الأعمال.

ولا تقتصر الفائدة من وراء استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على الشركات فقط، بل إن المتقدمين للوظيفة أيضا يستفيدون من هذه التقنيات من خلال الحصول على تجربة أكثر سهولة خلال مراحل التقدم للوظيفة، فعندما يحصل المتقدم للوظيفة على إجابات لجميع أسئلته من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والحصول على المساعدة اللازمة لإتمام عملية التقدم للوظيفة فإن ذلك سيعود بالنفع على المتقدم كما أنه سيصدّر انطباعا جيدا عن الشركة.

ويرى الخبراء أن انتشار وسائل الذكاء الاصطناعي في التوظيف له أثر مجتمعي بالغ من حيث رفع قيمة العمل على تطوير المهارات الذاتية لدى الشباب، وزيادة إيمانهم بتكافؤ الفرص، فعندما يؤمن الشاب أن كل مهارة سيضيفها إلى سيرته الذاتية ستوضع في الحساب وسترجح كفته أمام منافسيه، فلا بد أن ذلك سيشعل حماسه لتحصيل العلم وتطوير ما لديه من إمكانيات، بعكس الحال عند تفشي ظاهرتي الوساطة والمحسوبية.

وسلط موقع “إتش آر تكنولوجيست” الضوء على الدور الاقتصادي للذكاء الاصطناعي في مجال التوظيف، حيث ذكر أن دخول الذكاء الاصطناعي هذا المجال بمثابة خطوة لتقديم جيل جديد من استراتيجيات التوظيف الأكثر فاعلية، ما سيحرك بدوره عجلة الاقتصاد باعتبار أن الفرد أصبح أكثر وعيا بدوره في المشهد الاقتصادي العالمي الذي يرتكز على المهارات والمواهب لدى المتقدم لسوق العمل.

تحديات تواجه التكنولوجيا الواعدة

حسبما ذكر موقع “آندر كوفر ريكريوتر”، لهذه الأسباب وغيرها، من المتوقع تعاظم دور الذكاء الاصطناعي في مجال التوظيف حتى يشهد العقد القادم استبدال 16 بالمئة من الوظائف في هذا المجال بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهذا لا يعني بالضرورة الاستغناء عن العنصر البشري لكن مثل هذه التقنيات ستسهم بشكل فعال في تيسير مهام البشر وتوجيه وقتهم ومجهودهم إلى المهام التي تتطلب الحس البشري أكثر من المهام الروتينية والإحصائية.

ورغم تزايد الإقبال على الذكاء الاصطناعي في مجال التوظيف إلا أن الأمر لا يخلو من تحديات تواجه هذه التقنيات الواعدة، وحدد موقع “آيديال” ثلاثة تحديات رئيسية تقف أمام تزايد الثقة في العقول الاصطناعية وتسليمها مسؤولية اختيار موظفي الشركات.

انتشار وسائل الذكاء الاصطناعي في التوظيف له أثر مجتمعي بالغ من حيث رفع قيمة العمل على تطوير المهارات الذاتية لدى الشباب، وزيادة إيمانهم بتكافؤ الفرص

يكمن التحدي الأول في أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتطلب عددا ضخما من بيانات المتقدمين للوظائف لتعمل على معالجتها ومن ثم تقديم الترشيحات الأمثل، ما يعني أن هذه العقول الاصطناعية قد تحتاج لإدخال البيانات الخاصة لما يتراوح ما بين عدة مئات إلى عدة آلاف من السير الذاتية لإتمام مهمتها.

وكما هو الحال مع أغلب التقنيات الجديدة، يواجه تدخل الذكاء الاصطناعي في عملية التوظيف تشكك مسؤولي التوظيف في أن تقوم هذه العقول الاصطناعية بالمهام على أكمل وجه، ناهيك عن تخوف صغار الموظفين من أن تحل هذه التكنولوجيا محلهم لدى الشركات ما يسفر عن الاستغناء عنهم.

ويبقى التحدي الأكبر أمام الذكاء الاصطناعي في هذا الصدد، هو أنه قد يفقد أهم ميزاته، وهي عدم التحيز، فعلى الرغم من أن العقل الاصطناعي معد لأن يتعامل مع المتقدم للوظيفة بشكل موضوعي وبغض النظر عن جنسه وسنه ولونه، إلا أن دراسة سابقة نقلتها “العرب” عن مجلة “ساينس″ العلمية، أفادت بأن الذكاء الاصطناعي قد يكون”عنصريا ومتحيزا”. ورجحت الدراسة أن تتبنّى برامج الذكاء الاصطناعي سلوك البشر من حيث اتخاذه مواقف منحازة.

أكدت هذا الرأي الباحثة في علوم الكمبيوتر بجامعة برينستون، أيلين كالسكان، حين صرحت قائلة “كان من المثير للاهتمام أنه حتى أجهزة الذكاء الاصطناعي التي تم تدريبها على معالجة نصوص كان من المفترض أنها محايدة، على غرار تلك التي تظهر في موقع ويكيبيديا أو المقالات الإخبارية، جاءت لتعكس التحيّز المشترك مع البشر”.

وللتحقق من تلك المخاوف، أجرى الباحثون تجارب على نظام التعلم الآلي المستخدم على نطاق واسع والذي يُطلق عليه اسم “غلوف” الذي يستخدم كأداة لاستنباط معاني النصوص التي يتم تجميعها من الإنترنت.

التحيز والعنصرية

يرجع ذلك إلى أن إحدى الأدوات التي تستخدمها خوارزميات الذكاء الاصطناعي هي أداة تعرف باسم “الارتباط الضمني” والتي يتم استخدامها للبرهنة على الصلة بين مختلف الكلمات، مثل أن يتم ربط كلمة “الأزهار” بالمفاهيم الإيجابية، فيما ترتبط “الأسلحة” بالمفاهيم السلبية.

وأثبتت عدة اختبارات على موقع “بروجيكت أمبليست” أن الأشخاص غالبا ما يميلون إلى ربط كلمة “الأسلحة” تلقائيا بالأميركيين السود في حين أن معظمهم ربطوا الأشياء غير المؤذية بالأميركيين البيض، هكذا انعكس التحيز البشري على تغذية أدوات الذكاء الاصطناعي بالبيانات، ما أثار قلق الباحثين حين أظهرت الأداة أسماء الأميركيين من أصل أوروبي على أنها أكثر جاذبية من أسماء الأميركيين من أصل أفريقي.

الذكاء الاصطناعي، رغم التحديات، وضع قدما على أول طريق حصوله على ثقة الإنسان في تولي مهمة التوظيف
الذكاء الاصطناعي وضع قدما على أول طريق حصوله على ثقة الإنسان في تولي مهمة التوظيف

واختتمت الدراسة بتأكيدها على أن الذكاء الاصطناعي غير قادر على استيعاب سياقات يفهمها البشر بسهولة. فعلى سبيل المثال، من المرجح أن يرتبط مقال عن “مارتن لوثر كينغ”، الذي سجن على خلفية مشاركته في الاحتجاجات المطالبة بالحقوق المدنية في برمنغهام بولاية ألاباما سنة 1963، بالكثير من الكلمات السلبية عن الأميركيين من أصل أفريقي، وفي الوقت الذي يفسر فيه الإنسان هذه القصة بشكل معقول، باعتبارها واحدة من المسيرات الاحتجاجية الاستثنائية التي قادها بطل أميركي، سيربط الكمبيوتر كلمة “السجن” بفئة الرجال السود وسيضيف هذا التصنيف إلى رصيده.

هكذا نجد أن الذكاء الاصطناعي، رغم التحديات، وضع قدما على أول طريق حصوله على ثقة الإنسان في تولي مهمة التوظيف، فضلا عن أن العقول الاصطناعية في طريقها للحصول على ثقة المستخدم لتولي مسؤولية اختيارات أخرى حساسة مثل شريك الحياة، فخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها شركات الإعلانات الإلكترونية لترشيح نوعية السلع والخدمات التي تناسب كل مستخدم على حدة قادرة على ترشيح أيضا الشريك الأنسب له.

وعرض موقع “تواردس داتا ساينس” بعض الاستراتيجيات التي تتبعها العقول الاصطناعية لترشيح شريك حياة. جاء من بينها تتبع ماضي الشخص وما شهده من اختيارات وسلوكيات والتي يمكن على أساسها توقع اختياراته وسلوكه المستقبلية بنسبة دقة لا بأس بها. وتعمد تطبيقات التعلم الآلي إلى ربط الأشخاص أصحاب الميول والسلوكيات المتشابهة ببعضهم البعض، واضعة عدة اعتبارات لتشابه السلوك مثل السن والإقبال على مشتريات بعينها، والأماكن التي يتردد عليها الشخص وغير ذلك من الصفات التي يمكن من خلالها القول إن شخصين يصلحان للعيش سويا.

ومن بين هذه التطبيقات تطبيق “لوف فلاتر” البريطاني للتعارف، الذي يحلل الأحاديث بين المستخدمين لتحديد مدى الانسجام بينهم واقتراح عقد لقاءات عندما يحين الوقت المناسب.

وأوضح دايغو سميث، أحد مؤسسي هذا التطبيق، “سيتلقيان تنبيها يقول لهما ‘أنتما منسجمان بدرجة كبيرة، لمَ لا تباشران المواعدة؟”.

ويقترح لوف فلاتر عقد لقاءات في نقطة وسطى بين مقار سكن المستخدمين بفضل بيانات تطبيق “فور سكوير” الذي يساعد مستخدمي الهواتف الذكية على إيجاد مطاعم أو مقاه مجاورة. وأضاف سميث “هذا الأمر يخفف الضغط المتأتي من تنظيم الموعد الأول”.

والمثير في الأمر أن البشر الآن يكادوا لا يعرفون حدودا ولا سقفا لما يمكن أن تصل إليه تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال اختيارات الأشخاص من حولهم، فبعد اختيار شريك الحياة والموظفين، من يدري ما هي المحطة القادمة التي ستصل إليها اختيارات العقول الاصطناعية.

12