عصر ظهور حسن زميرة

الأحد 2015/04/19

باتت لمتابعة خطابات السيد حسن نصرالله المتتالية لذة خالصة، تعفي المرء من مشقة استخدام العقل. يمنح السيد لمتابعه حالة من الراحة والاستجمام توازي ما يمكن أن يحصل عليه في أفخم المنتجعات والمراكز السياحية.

نشوة تغييب العقل هي النشوة التي يطلبها متعاطو المخدرات والخمر، وإذا ما أمكن تحقيقها بطريقة أخرى فسوف لن تكون هناك حاجة بعد اليوم للمخدرات والخمور. ستمّحي تجارة المخدرات من الوجود وتختفي مصانع الخمور، وتستبدل جميعها بمؤسسات تعنى بابتكار طرق أكثر فعالية لبث خطابات السيد.

قد يصار قريبا ومع التطور التكنولوجي السريع إلى ابتكار طريقة لتعبئة خطابات السيد في كبسولات، أو تحويلها إلى ماركات عطور يكفي أن يرش المرء منها رشة واحدة حتى يدخل في عالم النشوة والانشراح.

لن يكون مستبعدا أن تبادر شركات تصنيع الأزياء إلى إنشاء خطوط لإنتاج ثياب ذكية تعمل ببطاريات نوعية، تشحن بواسطة خطابات السيد وتبث في جسم من يرتديها حالة من الخمول اللذيذ.

يمكن استخدام هذا المفعول الساحر للخطابات في أمور كبرى أوسع من حدود لبنان والمنطقة. لذا يجب تنبيه العالم بأسره إلى أن الحل الوحيد للنزاعات والصراعات والحروب إنما يكمن في نجاح العالم في تحويل خطابات السيد إلى لقاحات.

يكفي أن يأخذ أيّ شخص جرعة واحدة من هذا اللقاح حتى تجده وقد خلع عنه جهامة العقل وتعاسته، ودخل في سعادة غياب الوعي والإدراك.

هذه السعادة التي يروّج لها السيد تقدم إمكانية التخفّف من ثقل الأشياء والحوادث، عبر إلغاء إمكانية الحكم عليها والنظر إليها كوقائع فعلية لا تحتمل النقاش.

إنها تخلّصنا من التعاطف ومن الأمل ومن الرحمة وتجعلنا قادرين على فعل أيّ شيء دون أن نحس بالذنب، بل وعلى العكس من ذلك فإنها تهبنا القدرة على القيام بأبشع الجرائم ببهجة ونشوة وصخب ومرح. إنها تمنعنا من محاكمة أنفسنا ومحاكمة الآخرين، فنصبح سوبرمانات لا نبالي بأيّ شيء.

هل هناك أجمل من أن يصبح كل حدث مهما كان جليلا عابرا وتافها. هل من قوة يمكن أن يحصل عليها المرء أكبر من أن يصبح منيعا مناعة مطلقة ضد كل أنواع المؤثرات مهما كانت وحتى ما يتعلق به شخصيا؟

يدعونا السيد لأن نكون مثله قتلة سعداء، نعيش فعل القتل كنشوة مطلقة. من هنا نفهم أن اعتراضه على حرب السعودية ضد الحوثيين ليس اعتراضا على ما يسميه قتل النساء والأطفال بل اعتراضا على قتل عقلاني مرتبط بقضية وأهداف، ما من شأنه حرمانه من التحول إلى فعل انتشاء ولذة.

عنوان الحرب السعودية في اليمن هو محاربة التغول الإيراني، وإعادة إحياء الحضور العربي والدفاع عن النفس. هذه عناوين واضحة تجعل القتل حين يحصل ضروريا وشرعيا، سخيفا وباردا.

نعلم إذن أن السيد لا يدين القتل في حد ذاته ولكنه يدين قتلا معينا. من هنا نفهم أنه يدعونا إلى مشاركته في وليمة قتل خالص في سوريا. يدعونا إلى قتل للقتل، وقد بات كذلك لأنه نزع عنه أيّ أهداف حقيقية ممكنة.

السيد يعلم أكثر من غيره أن الهدف الذي كان مطروحا، والذي يقضي بإعادة تمكين الأسد ونظامه من التحكم برقاب السوريين، لم يعد هدفا واقعيا بأيّ شكل من الأشكال. لذلك تحول القتل في سوريا إلى مجزرة خالصة يدعونا للمشاركة فيها.

البرميل المتفجر ليس سلاح حرب وإنما وسيلة إبادة جماعية. لا يستخدم البرميل من أجل تحقيق أهداف بل لإعلان استحالة تحقيقها. إنه يجعل القتل غاية وليس وسيلة.

الفرق بين البرميل المتفجر والطائرة يكمن في أن الطائرة سلاح حرب يهدف إلى تغيير واقع ما للعودة إلى السياسة. البرميل لا يهدف إلى تغيير أيّ واقع بل يعكس إيمانا باستحالة تغيير الواقع.

السيد يريد منا الانحياز إلى منطق البرميل كي يستطيع القول إنه منتصر عبر تثبيت الواقع على ما هو عليه. سلاحه الأساسي في هذه اللعبة هو الدعوة إلى تغييب العقل.

من هنا احتلت السخرية التي باتت منطقا عاما في التعاطي مع خطاباته موقع العقل المنتقم. إنها عقل بارد وناقد ومنهمك في قراءة التفاصيل والوقائع وتحليلها، ولكنه مبتهج وسعيد في الآن نفسه.

العقل المنتقم أعدم السيد حسن نصرالله وأعلن عن ظهور عصر حسن زميرة.

كاتب لبناني

5