عصر ما بعد المياه: متى تصبح حياة الناس أهم من السياسة؟

مشروع ضخ مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت لإنقاذه من الجفاف أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى على الرغم من العقبات.
الثلاثاء 2018/03/20
المياه.. أمن قومي

عمان- يقف المزارع الأردني الستيني موسى سالم وسط مزرعته، في غور الحديثة جنوب البحر الميت، ويقول وهو يتفقد حبات الطماطم موجها نظره صوب البحر الميت، إن “مياه البحر فقط يمكنها أن تملأ البحر”. لا يبدو حديث هذا المزارع، المولود عام 1953 والذي شاهد عبر السنين كيف انحسرت مياه البحر الميت الزرقاء وبدأ يتقلّص ويضربه الجفاف وتكدست شواطئ الرمل والأملاح والكلس على ضفافه، ولم تعد ضربا من الخيال، فالحل الوحيد الذي توصل إليه العلماء والمختصون لإنقاذ البحر الميت يتمثل في رفده بمياه البحر الأحمر.

اليوم أصبح مشروع ضخ مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت لإنقاذه من الجفاف أو ما عرف باسم “قناة البحرين” و”قناة السلام” التي يفترض أن تزود الأردن وفلسطين وإسرائيل بالمياه، أكثر إلحاحا من أي وقت مضى على الرغم من العقبات، حيث بدأت المعادلة تتغير، الماء سيتحول من إكسير حياة إلى سبب فناء ومن مصدر عيش إلى مسبب للحروب، وبالتالي أصبح السؤال المطروح اليوم: أيهما أهم السياسة أم حياة الناس؟

قناة البحرين

في خضم السيناريوهات القاتمة التي تطرحها تقارير المنظمات الأممية والأردنية المعنية بمتابعة ملف المياه في المنطقة، يبدو أن عمّان حسمت الإجابة حيث يقول إياد الدحيات، أمين عام سلطة المياه الأردنية، إن “هذه مسألة أمن قومي بالنسبة لنا”. ويضيف أن “مياهنا الجوفية مستغلة بشكل مفرط، وتحلية المياه هي مستقبل الأردن، وبالنسبة لنا فإن مشروع البحر الأحمر-البحر الميت ضروري”.

 

لا تعطي الأرقام والإحصاءات صورا متفائلة أو مبشرة بواقع قضية المياه على مستوى العالم، وما تنفك الأمم المتحدة والمنظمات البيئية والإنسانية تدق ناقوس الخطر محذّرة من أن الماء سيتقدم على الإرهاب كأحد أخطر الأشياء التي تهدد حياة البشرية

وأعلن الأردن، أحد البلدان الخمسة الأفقر إلى المياه في العالم، أكثر من مرة أن الحفاظ على حياة الأردنيين يتطلب تضحيات حتى لو تطلب الأمر التعاون مع إسرائيل، فالضرورات تبيح المحظورات.

وفي سياق مصيري كأزمة المياه لن يتردد الأردن في المضي قدما في المشروع مع إسرائيل أو دونها، حيث لم تؤكد إسرائيل، التي كان من المقرر أن تساهم في 140 مليون دولار في هذا المشروع، التزامها بذلك. وواجه مشروع قناة البحرين في البداية انتقادات عربية ودولية، وبذل الأردن جهودا حثيثة على المستوى العربي لإقناع الدول العربية بسحب معارضتها للمشروع.

وهناك العديد من الخطط التي اقترحت سابقا لمنع تحويل المياه إلى سبب آخر من أسباب الصراع في المنطقة، خصوصا وأن إسرائيل لم تخف أطماعها في السيطرة على مياه المنطقة، حيث سيطرت على نهر الوزاني الذي يغذي نهر الأردن وذلك عقب اجتياحها للبنان عام 1978، بالإضافة إلى أنها وضعت مضخات مائية لتوصيل المياه من نهر الحاصباني إلى شمال إسرائيل.

وغالبا ما تصطدم خطط دول المنطقة والاتفاقات المبرمة لتلبية الحاجة المائية بعراقيل الكلفة المرتفعة، أو العوامل السياسية والاقتصادية بين البلدان العربية وتلك التي تنبع منها المصادر المائية التي تمر بدول الشرق الأوسط. ومن بين هذه الخطط ما تقدم به السفير الأميركي إريك جونستون (1953 - 1955)، وتعرف هذه الخطة باسم خطة المياه الموحدة لوادي الأردن. وصيغت الخطة على نمط خطة التطوير المهندَسة في هيئة وادي تنسي، ووافقت عليها اللجان الفنية للمياه في إسرائيل والأردن ولبنان وسوريا، إلا أن الأسباب السياسية حالت دون الموافقة عليها ورفضتها جامعة الدول العربية.

واليوم يقول فيديريك موريل، المهندس الخبير في الوكالة الفرنسية للتنمية، إن “تدفق مياه نهر الأردن انخفض منذ عام 1950 من 1.2 مليار متر كعب إلى أقل من 200 مليون متر مكعب”. وهذا التراجع يعد كارثة للبحر الميت والقاطنين بالمناطق القريبة من أردنيين وفلسطينيين وإسرائيليين.

وجاءت فكرة مشروع قناة البحرين بعد فشل خطط سابقة تقوم على رفع منسوب تغذية البحر الرئيسية من نهر الأردن. لكن تبين أن ما فكّر فيه العلماء كخطة أولى لإنقاذ البحر الميت مستحيل لأن نهر الأردن بدوره يعاني نقصا في منسوب المياه، وقنواته تعاني شحّا وجفافا.

وهنا كان من الضروري اللجوء إلى خطة، لا ينكر الخبراء أنها حساسة بحكم ارتباطها بمؤسس الحركة الصهيونية تيودور هيرتزل، الذي قد فكر بالفعل في حفر قناة لتغذية البحر الميت من مياه البحر المتوسط، كما أن دخول إسرائيل كطرف رئيسي في المشروع كان من العراقيل الكثيرة التي كانت في كل مرة تؤجل الفكرة، إلى جانب سبب رئيسي آخر وهو المتعلق بالتمويل. 

وتقضي خطة قناة البحرين بتغذية البحر الميت بشريان مائي من البحر الأحمر، واستند الرافضون لهذا المشروع إلى حجة أن القناة ستؤدي إلى اختلاط مياه البحر الأحمر بمياه البحر الميت؛ وقد يتحوّل هذا الأخير نتيجة تنقّل الأعشاب البحرية في البحر الأحمر إليه إلى “البحر الميت الأحمر”، كما أن هذه الأعشاب الوافدة من البحر الأحمر قد تؤثر على فعالية المادة الكلسية البيضاء والأملاح في البحر فيفقد قيمته العلاجية.

 لكن في مواجهة هذه العراقيل التمويلية، ومع وضع تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي جانبا والخلاف حول هوية البحر الميت ومساعي إسرائيل لاعتباره من “ممتلكاتها”، تطلق منظمات بيئية، منها جمعية أصدقاء الأرض الأردنية،  صيحات فزع محذرة من أن البحر الميت سيصبح حقا في عداد الأموات، وقد ينحسر ليصبح بركة صغيرة، نتيجة انخفاض مستوى تدفق المياه.

وسجّل الانخفاض في مستوى البحر الميت في ستينات القرن الماضي حين بدأت إسرائيل والأردن وسوريا بتحويل 95 بالمئة من مياه نهر الأردن، الرافد الرئيسي للبحيرة، إلى الاستخدام الزراعي والصناعي، مما فاقم مشكلة الانخفاض في مستوى المياه الجوفية الذي نجم عن قلة مياه الأمطار القادمة من الجبال المحيطة وذوبان الكتل الملحية التي كانت تمنع سابقا حدوث الحفر الانهدامية وخسوف الأرض.

الماء متوفر.. لكن إلى متى

بعض الحقائق الخاصة باستخدام المياه ومخاطر زيادة أو شح المياه:

* زاد الاستخدام العالمي للمياه بمقدار ستة أمثاله على مدى السنوات المئة الماضية وينمو بمعدل واحد بالمئة سنويا بسبب النمو السكاني والتنمية الاقتصادية وتغير أنماط الاستهلاك.

* يمثل الاستخدام المنزلي للمياه حوالي عشرة بالمئة من استخدامات المياه في العالم ومن المتوقع أن يزيد كثيرا بحلول عام 2050.

* من المتوقع أن يزيد الطلب العالمي لأغراض الزراعة وتوليد الطاقة، وكل منهما يستخدم المياه بغزارة، حوالي 60 بالمئة و80 بالمئة على الترتيب بحلول 2025.

* تمثل الزراعة نحو 70 بالمئة من كل استخدامات المياه في العالم. ويعتبر استخراج المياه لأغراض الري هو السبب الرئيسي في نضوب المياه الجوفية.

* يعيش 3.6 مليار نسمة -أي قرابة نصف سكان العالم- في مناطق معرضة لخطر شح المياه بمعدل شهر واحد على الأقل سنويا.

* مقدار ما يستخدمه العالم من المياه، أي حوالي 4600 كيلومتر مكعب سنويا، اقترب من المستويات المستدامة القصوى.

* تفاقم تلوث المياه في كل أنهار أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية تقريبا منذ تسعينات القرن العشرين.

* يعود إلى البيئة ما يقدر بنحو 80 بالمئة من مياه الصرف الناتجة عن الصناعة واستخدامات المدن دون معالجة مما يسفر عن تدهور جودة المياه بشكل عام ويخلف آثارا مضرّة بالصحة والأنظمة البيئية.

* يعيش نحو 30 بالمئة من سكان العالم في مناطق تجتاحها الفيضانات وموجات الجفاف بشكل دوري.

* من المتوقع أن يزيد عدد المعرضين لخطر الفيضانات من 1.2 مليار شخص اليوم إلى حوالي 1.6 مليار في 2050.

* يتضرر نحو 1.8 مليار شخص من جراء تآكل التربة والتصحر والجفاف.

* اختفت نسبة ما يقدر بنحو 64 إلى 71 بالمئة من المستنقعات الطبيعية في العالم منذ عام 1900 بسبب النشاط البشري.

وأدى ذلك إلى ظهور الحفر الانهدامية على شاطئ البحر الميت ما خلق مشاكل خطيرة للمزارعين. وتساهم الأنشطة الصناعية المقامة حول ضفاف البحر الميت أيضا في المشاكل التي تواجهه.

وأقامت كل من إسرائيل والأردن بركا ضخمة لتبخير مياه البحر الميت لاستخراج الفوسفات فيما أقيمت فنادق فخمة على الساحل، يتدفق عليها السياح للاستفادة من القدرة العلاجية لطين البحر والمعادن والأجواء في تلك المنطقة.

وبحسب مشروع قناة البحرين سيتم مبدئيا ضخ 300 مليون متر مكعب من مياه البحر الأحمر وتحلية المياه في محطة مخصصة شمال ميناء العقبة الأردني (جنوب المملكة) للحصول على مياه صالحة للشرب، على أن تنقل المياه المالحة الناتجة إلى البحر الميت لمسافة مئتي كلم شمالا. وهذا لن يكون كافيا لتثبيت مستوى مياه البحر الميت، لكنه حل مبدئي لوقف جفافه بحسب فيديريك موريل المسؤول عن المشروع في الوكالة الفرنسية للتنمية. ويقول إنه “يجب أن يكون هناك اقتصاد أكبر في استخدام المياه سواء في الزراعة أو صناعة البوتاس”.

والحديث عن الاقتصاد في استعمال المياه لا يعني فقط هذه المنطقة، بل يشمل كل العالم، فما يعانيه البحر الميت جزء من قضية أكبر تهم أنهارا وبحيرات وروافد مائية كثيرة في مختلف أنحاء العالم بدأت تشهد تراجعا في منسوبها وبات الجفاف يزحف على بعضها في وقت ارتفعت فيه حرارة الأرض بشكل كبير.

ويقول الخبراء إن أزمة المياه في العالم بدأت تلامس أسوأ السيناريوهات وأن شبح العطش يهدد بفناء المليارات من البشر ونصف الكائنات الحية. وتؤكد أودري أزولاي، المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، أن مثل هذا الحديث لا يعد مبالغة، مشيرة إلى أنه “إذا لم نفعل شيئا فسيعيش نحو خمسة مليارات من البشر في مناطق تتسم بضعف الموارد المائية بحلول عام 2050”.

وجاء تحذير أزولاي بمناسبة صدور تقرير جديد أعدته الأمم المتحدة حول “تحديات الأمن المائي التي تطرأ بسبب النمو السكاني وتغير المناخ”. وحذر تقرير الأمم المتحدة العالمي من أن الطلب على المياه يزداد مع زيادة عدد السكان في العالم وارتفاع درجة حرارة الكوكب في حين تتراجع جودة إمدادات المياه وصلاحيتها.

وقال جيلبرت هونجبو، رئيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية في مقدمة التقرير، إنه من المتوقع زيادة الطلب على المياه قرابة الثلث بحلول 2050. 

وحسب تقديرات العلماء فإن زيادة حرارة الأرض 4 درجات مئوية يمكن أن تهدد إمدادات المياه لنصف سكان الكرة الأرضية وتتسبب في إبادة نصف أنواع الكائنات الحية من نبات وحيوان وتغرق الشواطئ الواطئة وتتسبب في اندلاع حرب كونية مدمّرة، سلاحها المياه.

ويقول كريس توماس، أستاذ علوم حماية الأحياء بجامعة ليدز في إنكلترا، إن الأبحاث التي أجريت تقدر أن ما بين 15 و37 بالمئة من جميع المخلوقات يمكن أن يبلغ حد الفناء نتيجة التغيرات المناخية بحلول عام 2050 مع تقدير متوسط يبلغ 24 بالمئة منها أي ما يربو عن مليون نوع.

وبسبب نقص موارد المياه وضعف معدلات التنمية خاصة في أفريقيا، رغم غزارة أمطارها خاصة المنطقة الاستوائية، فإن المياه تعد الآن سببا رئيسيا في تفشي الأمراض والأوبئة وارتفاع معدلات الوفيات. ويقول الخبراء إن النزاعات ستزداد حدة بسبب نقص المياه الذي يتوقع أن تمتد آثاره إلى قرابة ثلثي سكان العالم منتصف القرن الحالي ومن أكثر المناطق المعرضة لتهديد نقص المياه منطقة الشرق الأوسط، التي تشكو من قلة الموارد المائية الطبيعية.

حلول من الطبيعة

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ما يستخدمه البشر من مياه الأرض هو واحد على مئة ألف من مياهها (لملوحة مياه بحارها ومحيطاتها)، وفيما تطرح فكرة مشروع قناة البحرين كحل لأزمة مثل أزمة البحر الميت، يطرح خبراء الأمم المتحدة حلولا أخرى تقوم على الفكرة ذاتها؛ البحث عن الحل في الطبيعة نفسها، وما هو متوفر على الكوكب من بدائل ومقومات تساعد على الحفاظ على المياه.

يقول جيلبرت هونجبو “يلجأ العالم منذ وقت طويل إلى البنية الأساسية ’الرمادية’ التي يشيدها الإنسان لتحسين إدارة المياه. وبذلك ينحي جانبا المعرفة التقليدية والفطرية التي تتضمنها الأساليب الصديقة للبيئة بشكل أكبر”.

ويحدد تقرير الأمم المتحدة منافع “الحلول التي تستند إلى الطبيعة” والتي تستخدم أو تقلد العمليات الطبيعية لزيادة توفر المياه وتحسين جودتها والحد من مخاطر الكوارث المتعلقة بالمياه والتغير المناخي. ومن بين هذه الحلول تغيير الممارسات الزراعية حتى تحتفظ التربة بالمزيد من الرطوبة والعناصر المغذية وجمع مياه الأمطار وإعادة ملء خزانات المياه الجوفية والحفاظ على المستنقعات التي تخزن مياه الأمطار واستعادة السهول الفيضية وتحويل الأسطح إلى حدائق.

ويشير ريتشارد كونور، محرر التقرير، إلى المزايا الإضافية لاستخدام الأساليب الطبيعية لإدارة المياه ومن بينها إمكانية تعزيز التنوع الحيوي والوظائف والصحة وتخزين الكربون. وأضاف “إذا بدأت النظر إلى هذه الفوائد الأخرى التي لا تتوفر غالبا في حالة البنية الأساسية الرمادية… فسيتعين تحويل دفة قرارات الاستثمار صوب الحلول التي تستند إلى الطبيعة بشكل أكبر”.

ويؤكد كونور أن التحول إلى نمط معيّن من الزراعة للحفاظ على البيئة قد يعود بنتائج كبيرة وسريعة لكن اتباعه على نطاق واسع يتطلب إرادة سياسية على مستوى الدول، لنجد أنفسنا دائما أمام معضلة: متى تصبح حياة الناس أهم من السياسة والاقتصاد؟

البحرين

 

6