عصر مغادرة المرجعيات

إنّ عصر مغادرة المرجعيات الأيديولوجية المقيّدة أصبح حقيقة معاشة نشهدها ونتفاعل ونتعايش معها، وأتاح لنا هذا العصر فرصة بوسعنا توظيفها في تحقيق نقلة حضارية نوعية في عالمنا العربي.
السبت 2018/05/05
تعزيز فردانية الكائنات البشرية وتحريرها من سطوة الأنساق الفكرية (لوحة: علي قاف)

يتميّز عصرنا الحاضر بجملة خصائص تميّزه في كلّ حقل من الحقول الفكرية والثقافية المنفردة: علما وسياسة وأدبا واقتصادا، إلخ.. وثمة خصائص أخرى محدّدة تسم منظومته التي تؤسس لأنساقه الفكرية، وأحسب أنّ تحطيم المرجعيات المتحكمة بتلك الأنساق هي الخصيصة الأهم التي تغلبت على ما عداها من الخصائص.

لم تكن أنساقنا الفكرية في عصر ما بعد الحداثة وقبله بمعزل عن التأثر بقدر من الجرعة الأيديولوجية التي ساهمت في تشكيل هيكل تلك الأنساق، فشهدنا موجات الوجودية والتفكيكية والبنيوية والسيميائية والألسنية وتحليل الخطاب إلخ… ولم يُخفِ أساطين تلك الموجات نزوعاتهم الأيديولوجية بأيّ شكل من الأشكال؛ بل بلغ الأمر مبلغا باتت معه البصمة الأيديولوجية لمعظمهم ميدانا للمباهاة واعتبار الأمر فضيلة ثقافية كبرى تميزهم.

ولا يخفى علينا التأثير الذي مارسته مفاعيل الحرب الباردة ومحاولة القوى العالمية العظمى “تجيير” الأنساق الفكرية ذات المحمولات الأيديولوجية الصارخة كأداة من أدوات القوى الناعمة في لعبة التنافس الصراعي العالمي، الذي كان يسعى لمركزة النفوذ السياسي والمالي على مستوى العالم.

يمكننا هنا ملاحظة حجم التوصيفات الدرامية المتعاظمة التي لطالما وُصِفت بها تلك الأنساق الفكرية، فبعضها ثوري مفرط في الرومانسية الثورية، وبعضها الآخر يتعامل مع الواقع بمنطق المادية الخشنة، وبعضها يميل لتوظيف نتائج أنثروبولوجية أو لغوية أو سيكولوجية محدّدة ومن ثمّ يعمل على تضخيم أدوارها، بالمقارنة مع نتائج غيرها، بقصد توجيه الفكر الإنساني نحو مسارات محدّدة تخدم مصالح صانع القرار ذي التوجهات المتحكمة بالجغرافيا الثقافية العالمية.

تعاظم في أعقاب انحسار الحرب الباردة أوائل تسعينات القرن الماضي تأثير ظاهرتين كانت لهما نتائج حاسمة في إعادة تشكيل خارطة الأنساق الفكرية العالمية، الظاهرة الأولى: تزايد تأثير العلم وتطبيقاته التقنية وبخاصة في الميادين التي تعزّز قدرات التواصل البشري وقواه الإدراكية وتتيح له في الوقت ذاته سبيل “الولوج الحرّ غير المقيّد للمعلومات”.

 وأمّا الثانية فهي تعزيز فردانية الكائنات البشرية وتحريرها بالنتيجة من سطوة الأنساق الفكرية الشمولية والكليانية بسبب تعدّد وسائل محاكمة الأفكار من جوانب عدّة وتغيّر مفهوم الدولة في نطاق المدّ العولمي الجارف؛ إذ باتت الدولة أقرب لمركّب تقني يُراد منه توفير الأمن والخدمات وتعزيز فردانية الأفراد وقدراتهم الإبداعية من خلال رفع الغطاء عن كلّ ما يقيّد تلك القدرات وكذلك من خلال التخلّي عن دور “الأب الأيديولوجي” الذي يحدّد مسارات حياة البشر في محيط بطريركيته الأيديولوجية. 

 إنّ التواشج المتزايد بين العلم وتطبيقاته التقنية الثورية من جهة وبين الفردانية الشخصية بات المركّب الأيديولوجي الذي يسم عصرنا هذا، وهو مركّب خليق بتفجير الطاقات الخامدة في بيئتنا العربية وبخاصة أنّ هذا المركّب الأيديولوجي يختلف نوعيا عن المرجعيات الأيديولوجية العتيقة؛ فهو يتعاشق عضويا في جانب منه مع الانعطافات العلمية والتقنية التي أصبحت عرضة للتغيير المستديم المستعصي على الانعزال أو الرسوخ في نسق جامد، ومن جانب آخر فإنّ الوسائل المادية التي تدفع لتعظيم كفاءة هذا المركّب الأيديولوجي الحركيّ (مثل الكمبيوترات ووسائل الاتصال ومنظومة السوفتوير ذات التطبيقات المختلفة… إلخ) غدت يسيرة متاحة وبأثمان تواصل انخفاضها كلّ يوم.

   إنّ عصر مغادرة المرجعيات الأيديولوجية المقيّدة أصبح حقيقة معاشة نشهدها ونتفاعل ونتعايش معها، وأتاح لنا هذا العصر فرصة بوسعنا توظيفها في تحقيق نقلة حضارية نوعية في عالمنا العربي.

15