عصر نظرية الثقافة

الاثنين 2014/09/22

يبدو المفكر والناقد البريطاني تيري إيجلتون، في وضع يائس جرّاء ما آلت إليه نظرية الثقافة في الحياة الفكرية الأوروبية/ الغربية من تدهور ويسمّي هذه الظاهرة السلبية بسياسات فقدان الذاكرة. في الواقع إن ما يحدث على هذا الصعيد في الغرب يشبه تماما ما يحدث في الدوائر الفكرية العربية مع فارق جوهري وهو انعدام المشاركة في عصرنا هذا في الإبداع النظري.

ففي اعتقاد تيري إيجلتون إن “العصر الذهبي للنظرية الثقافية قد مضى منذ زمان طويل”، والسبب في ذلك يعود في رأيه إلى كون ما يكتب حاليا في الغرب لا يساوي طموح وأصالة ما كتبه الآباء المؤسسون أمثال: جاك لاكان وكلود ليفي ستروس ورولان بارط وميشال فوكو، وما أنتجه الجيل التالي لهم أمثال ريموند وليامز ولوس إيريغاري وبيير بورديو وجوليا كريستيفا ويوغان هابرماس وفريدريك جميسون وإدوارد سعيد وغيرهم.

وفي هذا الخصوص فإن إيجلتون يعارض أولئك الذين يقولون بأن النظرية قد انتهت وأنه يجب علينا أن نعود إلى عصر ما قبل النظرية البريء لأن “النظرية تعني على نحو معقول التفكير المنهجي حول الدليل الذي يقود افتراضاتنا”.

إذا كان الوضع الآن هو هكذا في الغرب الذي أنتج زخما متراكما وقويا من النظريات في شتَى المجالات العلمية والفكرية والفنية على مدى قرون طويلة من الزمان، ولا يزال يجتهد في هذا المجال الحيوي فإنَ حال نظرية الثقافة في بلداننا الناطقة باللغة العربية يرثى له بدون أدنى شكَ.

فالذي يحدث عندنا، في أفضل الحالات، هو ترديد وتكرار النظريات المستوردة من الغرب دون بذل الجهد لغرسها في تربتنا غرسا متميزا ومستمرا، وقدح قوة الفكر لجعلها تثمر على نحو متفرد وأصيل.

إذا كان الفارابي قد أصّل النظرية الفلسفية في تراثنا، وأن ابن خلدون كان رائدا في التنظير للعمران البشري بالانطلاق من الخصوصية العربية الإسلامية على سبيل المثال فماذا فعلت الأجيال المعاصرة في فضاء الثقافة العربية؟ في السنوات الماضية تمَّ التحليق حول النظرية الماركسية دون أن يؤدّي ذلك إلى “تعريبها”، وإلى إبداع فرضيات ونظريات نابعة من تجربتنا لتضاف إلى سجلها، كما كثر اللغط حول الوجودية دون إضافة شيء مميز إليها له قيمة فكرية وحضارية خاصة بنا.

والآن نرى الكتَاب والدارسين غارقين زرافات ووحدانا في الكلام عن التفكيكية، ونظريات الحضور التاريخي، والقطيعة الإبستيمولوجية، وموت المؤلف إلخ.. دون المشاركة في تطوير هذه التيارات والنظريات التي تقوم عليها، أو تلقيحها على الأقل بلقاح مواقعنا ومواقفنا التي تميزنا عن غيرنا.


كاتب من الجزائر

15