عصمت داوستاشي.. هويته المصرية كما اقترحها

الرسام المصري عصمت داوستاشي رائد التجريب في الفن المصري الحديث.
الأحد 2020/07/19
رسام متجدّد ومنفتح على العالم

“كولاج” لوحاته أم حياته التي هي أشبه بالكولاج؟ قصّ ولصق ومواد مختلفة. نادرا ما يفعلها المرء فيجعل المسافة غير مرئية بين حياته المكتظة بالأحداث وفنه المليء بالمفاجآت. والمصري عصمت داوستاشي من ذلك النوع الصعب والنادر. لا يزال دادائيا بعد مئة سنة على الدادائية. ولكن ما معنى أن يكون المرء دادائيا؟

يمكننا أن نتخيله متمردا وداعية تخريب ومشاكسا وعنيفا وصارما في معارضته للواقع الفني. ذات مرة أرفق الفنان بأحد معارضه كتابا بعنوان “إبداعات في لون أسود”. كان ذلك الكتاب يخلو من أيّ شيء سوى اللون الأسود. تلك صرخته ضد العنف والتمييز.

استلهم الفوضى وارتجلها

داوستاشي رسام معاصر، بمعنى متابعته لما يجري حوله بعين الرسام الناقدة والساخرة والمتمردة والمحرضة في الوقت نفسه.

أسلوب هذا الفنان يمثل طرازا مستقلا في تاريخ الفن المصري الحديث. هو ما يعتبره البعض تطرفا في الحداثة الفنية غير أن الفنان يعتبر نفسه ابن اللحظة المصرية في كل تجلياتها، فكان عليه أن يستلهم الفوضى باعتبارها حقيقة.

فنه أحيانا يكون قريبا من فن الـ"بوب" الأميركي. ورغم أن ذلك لا يقع بالصدفة بسبب أن داوستاشي يتعامل مع مشكلات عصره بأدوات بصرية معاصرة، فإن ذلك الفن يتنقل بخفة بين أساليب فنية متعددة أخرى تتقدمها التعبيرية

رسم داوستاشي كل الموضوعات التقليدية لكن بأسلوبه العاصف فعرف كيف يحتال على الموضوع ليستخرج من أعماقه أشدّ جوانبه احتداما. فكان في كل عمل من أعماله وفيا لمبدأ الصدمة الذي اعتمده في سياق علاقته بالمتلقي الذي غالبا ما يكون مستعدا لما تجود به مخيلة هذا الفنان المشاكس.

توزعت حياته بين انشغالات إبداعية مختلفة. فهو رسام وكاتب سيناريو ومخرج وشاعر وقاصّ. كما أنه عمل في الصحافة مصمّما وفي التلفزيون مصمّم ديكور وفي رصيده أكثر من ستين معرضا. كان كل شيء يجري بطريقة عفوية. فبقدر إيمانه بالرسم، كان يثق بالكلمة. ولد داوستاشي في الإسكندرية عام 1943 في عائلة مسلمة هاجرت من كريت بسبب الاضطهاد. درس النحت في كلية الفنون الجميلة وتخرج منها عام 1967. غير أنه كان قد أقام معرضه الشخصي قبل ذلك بخمس سنوات. موهبته سبقت الدراسة والحرفة.

صانع أفكار طليعية

طراز مستقل في تاريخ الفن المصري الحديث
طراز مستقل في تاريخ الفن المصري الحديث

إضافة إلى الستين معرضا شخصيا التي أقامها لأعماله الفنية أصدر داوستاشي كتابا قصصيا بعنوان “أشكال هندسية” عام 1986، وكان قد جمع أشعاره عام 1966 في كتاب بعنوان كلاميات كما كتب سيناريو لفيلم حمل عنوان “الصمت”. له أيضا كتب أخرى منها “ذكريات سكندري” و”الرملة البيضاء”.

قاده شغفه بجمع المواد القديمة إلى التعامل مع المواد المختلفة وأدخلها عناصر رئيسة في عمله الفني. ذلك ما جعله يبدو مختلفا كما لو أنه ينظر بعيني مثقف قادم من عالم آخر إلى موهبة يديه وهما تخترعان أشكالا لم يكن الهدف منها تحقيق الانسجام حسبما تقرّه الوصفات الفنية الجاهزة. كان النفور شعاره. لذلك كانت معالجاته تجمع بين الرسم والنحت واستعمال المواد الجاهزة.

لم يكن داوستاشي دادئيا في فنه فحسب، بل كان كذلك في مفاهيم عديدة منها ما يتعلق بصلة الجمهور بالفن. فهو وإن كان لا يملك فكرة حسنة عن المتاحف وصالات العرض الفني فإنه كان منسجما مع فكرة واقعية مفادها أن الجمهور لا يملك حماسة تدفعه إلى البحث عن الفن في المتاحف، لذلك قرر أن يذهب بفنه إلى الناس في أماكن تجمعهم. “مقهى خفاجة” بالإسكندرية كان هو المكان الذي نفذ فيه تلك الفكرة الطليعية.

لقد اخترع الفنان “الفن في المقهى” وسيلة جديدة لبث الوعي الفني والذائقة الجمالية بين الجمهور العادي وكان يحلم بأن تنتشر تلك التجربة التي استمرت سنة واحدة في باقي أنحاء مصر، غير أن ذلك للأسف لم يحصل.

رسم ما يحب

“أرسم ما أحبه” هو عنوان معرضه المقام عام 2019. في ذلك المعرض رسم داوستاشي كل شيء. تدفقت الصور بكل أنواعها كما لو أن الفنان أراد أن يصنع صورة لمصر في تحولاتها البصرية. ذلك العالم الذي أحبه وعاش فيه باستغراق وشعور عميق بلذة العيش. تنقل الفنان بين تجليات الظاهرة المصرية على المستويات السياسية والاجتماعية

والاقتصادية بحثا عن الخيوط التي تقوده إلى الحياة الشعبية، هناك حيث تتخذ العلاقة بالمكان المحلي طابعا أكثر أصالة. ولكن ذلك لم يكن كلّ شيء أو لم يكن يعبر عمّا أحبه الرسام بشكل دقيق.

لقد رسم نساءه بمختلف أوضاعهن وحاول أن يستلهم جماليات الوجود الأنثوي بتأثيراته التي لا تقف عند حدّ بعينه. رسم وجوه نسائه بشغف ووله، كما لو أنه يبعث برسائل غرام إلى حياة تؤثثها الرقة بترف معانيها. بحيث تخطى الفنان حدود الكشف عن الجانب الجمالي في الجسد الأنثوي إلى حياة هي أشبه بلغز هو ما كان داوستاشي قد صنع من مادته جدران متاهته.

المرأة لدى داوستاشي هي خزانة أسرار وليست أنوثتها هدفا نهائيا. لذلك فإنه لم يقِم معادلته على الغزل الخارجي بقدر ما كانت تلك المعادلة بمثابة بحث في عوالم خفية كانت المرأة بالنسبة إلى الفنان مرآتها. لقد لمس الرسام عصب تلك الحياة التي اكتشف أنها ممرّه إلى الحياة الحقيقية. من خلال نساء شغف بعوالمهن الداخلية رسم الفنان ما يحبه.

رائد التجريب الفني

المرأة لدى داوستاشي هي خزانة أسرار
المرأة لدى داوستاشي هي خزانة أسرار

أحيانا يكون فن داوستاشي قريبا من فن الـ”بوب” الأميركي. وبالرغم من أن ذلك لا يقع بالصدفة بسبب أن الفنان يتعامل مع مشكلات عصره بأدوات بصرية معاصرة فإن ذلك الفن يتنقل بخفة بين أساليب فنية متعددة أخرى يتقدمها الأسلوب التعبيري.

لقد تعلم من ممارسته التصوير الفوتوغرافي أشياء كثيرة عن طريقة النظر إلى المرئيات. فصار عليه بعد ذلك أن يكتشف العالم بطريقة مختلفة. وقد لا يكون نوعا من المبالغة أن داوستاشي هو الفنان المصري الوحيد الذي لا ينافسه فنان مصري آخر في تعدد أساليبه وتنوع تقنياته وكثرة المواد التي يستعملها وغرابة الموضوعات التي يتطرق إليها. ذلك رسام لا يمكن التعرف عليه إلا من خلال هروبه ممّا فعله سابقا.

في كل معرض جديد من معارضه يكون رساما جديدا غير الرسام الذي كانه في المعرض السابق. إنه يتجدد من خلال تجدد موضوعاته وأسلوبه وتقنياته والمواد التي يستعملها. بطريقة منصفة يمكن القول إن عصمت داوستاشي هو رائد التجريب الفني في مصر.

لا يحب أي فنان مصري أن يُقال عنه إنه ليس وريث الفراعنة. هناك وهم ملخصه أن الهوية المصرية في الفن لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الاتصال الشكلي بالفن الفرعوني.

داوستاشي نقض ذلك الوهم. فهو مصري من غير أن يضع فنه في مكان لا يرغب في أن يكون فيه.

لقد تحرر في وقت مبكر من حياته الفنية من عبودية المتحف. كما أن رغبته في أن يكون فنانا معاصرا دفعته بعيدا عن الخضوع لمواصفات محلية هي أشبه بالوصفة الجاهزة لصناعة اللوحة. داوستاشي فنان حر، مستقل يبحث عن مستقبل لوحته من غير أن يلتفت إلى الوراء.

ذلك ما جعله قادرا على استخراج عناصر هويته المصرية من أعماق تجربته الفنية التي هي مزيج من التعرف على خشونة العيش التي يعاني منها الناس العاديون وترف نسائه اللواتي يفتحن أبوابا على فراديس متخيلة. 

داوستاشي يرسم كما يمارس نشاطه اليومي بعيدا عن الرقابة المسبقة. إنه لا يخطط لكي يرسم كما أنه لا يتردد في خياراته لكي يعيش. هو ابن لحظته المصرية التي تنفتح به على العالم.

9