عضوية مجلس الأمن طموح مصري ليس عصيا على التحقق

الاثنين 2014/12/29
سياسة الرئيس عبدالفتاح السيسي تضع هدفا استراتيجيا أساسه تحصيل مصر للعضوية الدائمة في مجلس الأمن

القاهرة - عاد الحديث، في الآونة الأخيرة أكثر من أيّ وقت مضى، عن إمكانية التحاق مصر بأعضاء مجلس الأمن غير الدائمين، كخطوة أولى نحو كسب المزيد من التأييد لدخول نادي الدائمين، ورغم أنّ هذا المقعد يشهد تنافسا أفريقيا قويا حوله، إلاّ أنّ عددا من المراقبين يرون أنّ دور مصر الإقليمي الريادي يجعل منها الأوفر حظا لنيل هذا المنصب إذا ما عادت الفرضية لتطرح على طاولة النقاش من جديد.

عندما فتح النقاش قبل سنوات قليلة، لمنح عدد من القوى الإقليمية عضوية دائمة في مجلس الأمن، كانت مصر في مقدمة الدول المرشحة لهذا الشرف، لأنها عضوية لا تتمتع بحق النقض (فيتو) الذي تستحوذ عليه خمس دول رئيسية (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة)، لكنها كانت محاولة للتعرف على الأوزان النسبية للقوى الصاعدة والمؤثرة إقليميا.

حينها بدأت بوادر التنافس بين نيجيريا ودولة جنوب أفريقيا من جهة ومصر من جهة أخرى تحتدم، وكادت تميل الدفة لإحدى هاتين القوتين، لأنّ مصر لم تتعامل مع القضية بجدية كافية، وكان ذلك مفهوما، في إطار سياسة التّخلي الطّوعي (التي انتهجتها القاهرة) عن معاقل نفوذها التقليدية في أفريقيا، ولحسن الحظ جرى وأد الفكرة أو نسيانها عموما، لأنّ العضوية الدائمة كانت حتما ستذهب بعيدا عن مصر في ظلّ تلك الظروف.


ما الذي يمثله الأمر لأفريقيا؟


لطالما سعت أفريقيا جاهدة إلى الحصول، كقارة، على موطئ قدم في الأمم المتحدة، تلك المنظمة التي تأسست في عام 1945 لتعبر عن خارطة القوى الرئيسية التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية في ذلك الوقت.

وبالنسبة إلى القارة السمراء، فإنّ الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن سوف يكون انتصارا كبيرا وخرقا لجدار النفوذ الذي تتحصّن خلفه خمس دول هي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، وهو المقعد الذي تتنافس عليه بقوة ثلاث دول أفريقية، هي مصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا، وإن كان الوضع الذي أصبحت عليه مصر بعد “ثورتها” يمثّل عاملا كبيرا لحسم المقعد لصالحها.

نجاح مصر في دخول مجلس الأمن للمرة السادسة سوف تكون له انعكاسات إيجابية على عدد من القضايا الإقليمية

وقد تلقت جهود أفريقيا للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن دفعة قوية بتصريحات رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ورئيس سويسرا السابق، جوزيف دايس، عندما قال: “من دون إجراء إصلاح حقيقي لمجلس الأمن فإن المجلس سوف يفقد مصداقيته بالكامل”. وقد حذر دايس من فقدان المصداقية في الأمم المتحدة كمنتدى عالمي ذي أهمية بالغة، إن لم تستطع الدول الأعضاء الاتفاق على إصلاح حجم وعضوية ونظام عمل مجلس الأمن، كما أكد في كلمة له ألقاها أمام “المؤتمر الدولي حول موضوع الحوكمة العالمية وإصلاح مجلس الأمن الدولي”، أنّه “من غير المقبول ألّا يستطيع المجتمع الدولي إحراز تقدّم ملموس حول إصلاح المجلس على الرّغم من النّقاش الدائر منذ أكثر من 20 عاما”.


ما الجديد في المشهد اليوم؟


الجديد في المشهد اليوم، أنّ مصر يبدو أنّها استفاقت وقرّرت إنهاء غيابها، الطّوعي أو القسري، وعادت فكرة العضويّة لتُطرح لديها (رغم أنّ فكرة العضوية الدائمة لم تعُد مطروحة)، وفي أوّل محك إقليمي للنّظام الجديد، بدا الحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي خلال عامي 2015 و2016، عملية بّراقة، لكي تثبت القاهرة تفوقها، وتؤكد أنها مؤهلة للقيام بدور فاعل، على الساحتين الإقليمية والدولية.

ولأنّ الوُصُول إلى هذه الدّرجة الرّفيعة، يحتاج إلى جهود مُضنية، أخذ الرئيس المصري الجديد عبدالفتاح السيسي على عاتقه هذه المهمة، وبدأ مبكرا رحلة الاستعداد للجلوس على مقعد أفريقيا “غير الدائم” في مجلس الأمن الدولي، في وقت تتزاحم فيه الملفات والقضايا العربية والأفريقية، التي تعتبرها مصر جزءا أصيلا من أمنها القومي.

وفي هذا السياق، كان السيسي قد طلب رسميا خلال كلمته بالدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، حصول مصر على هذا المقعد، قائلا: “نطلب دعمكم في منح مصر عضوية مجلس الأمن الدولي”.

يذكر أنّ مجلس الأمن يحتوي على عشرة مقاعد غير دائمة تحتلّها دول العالم المختلفة لمدّة سنتين حسب التوزيع الجغرافي، والحُصول على هذا المقعد له أهمية كبيرة بالنسبة إلى مصر، لأنه بمثابة اعتراف دولي جديد، بدورها كقوة إقليمية مؤثرة. وقد جاءت زيارة السيسي للصين خلال الأيام الماضية، لتعزّز المساعي المصرية، وتتحول من باب الأمنيات إلى باب التحركات، لأنّ أحد بنود الزيارة كان الحصول على دعم بكين وأصدقائها.

في ما يتعلّق بفرص حصول مصر على هذا المقعد غير الدائم في مجلس الأمن، أوضح هاني خلاف مساعد وزير الخارجيّة المصري السابق، في تصريح لـ “العرب”، أنّ الأمر يتوقّف على رغبة الدّول الخمس الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن في ذلك، مشيرا إلى أنّ هناك دولتين أو ثلاثا، إلى حدّ الآن، تعدّ فرص إقناعها بالموافقة “أمرا غير صعب”، لاسيما روسيا والصين، إلى جانب فرنسا التي قدّمت وعدا بالموافقة. لكنّ الحصول على هذا المقعد، يستلزم الحصول على موافقة الدول الخمس، وهو ما تبذل من أجله الدبلوماسية المصرية جهوداً حثيثة، ويبقى التخوف الأساسي نابعا من الفيتو الذي قد تستخدمه الولايات المتحدة، بعد الارتباك الّذي اتّسمت به الكثير من تصرّفات واشنطن حيال القاهرة.

مصر تمضي في مكافحة الإرهاب وتدمير أوكاره لحماية أمنها القومي

وفي ذات السياق، كشف “أنّ هناك تعليمات وجّهتها مؤسّسة الرّئاسة إلى وزارة الخارجيّة تقضي بالاتصال بكلّ السفارات لبذل الجهد المطلوب من أجل التصويت لصالح مصر”، مؤكّدا “أنّ قبول عضويتها في مجلس الأمن قد يعطيها فرصة لتحقيق قدر من الإنصاف لدول المنطقة في هذا المحفل الدولي، من خلال اقترابها من دائرة المطبخ السياسي، حيث تحصل على فرصة للعلم المسبق بقرارات مجلس الأمن، وهو ما يمكنها من أن تكون أكثر دفاعا عن الحقوق العربية، في قضايا التعامل الدولي مع الملفات السياسية، مثل الأزمة السوريّة والقضية الفلسطينيّة”، متوقّعا “أن تسعى القاهرة إلى فتح حوار جاد حول مشروع إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وإخضاع إسرائيل للتفتيش الدولي”.

من جهته، أكّد عبدالرؤوف الريدي، سفير مصر السابق لدى واشنطن، في تصريح لـ “العرب” “أنّ المعركة المقبلة للدبلوماسية ستكون من أجل فوز مصر بمقعد دائم في مجلس الأمن”. أمّا المقعد غير الدائم فاعتبره “مهمّة سهلة ومضمونة، نظرا إلى ما حقّقته القاهرة على الصّعيدين الإقليمي والدولي، بخصوص مكافحة الإرهاب والجهود المبذولة لإعادة الاستقرار إلى الدول التي تعاني من توتّرات مزمنة، مثل ليبيا وسوريا والعراق، علاوة على البحث عن حل دائم للقضية الفلسطينية” .

وفي ذات السياق، كان سامح شكري وزير الخارجيّة، قد أجرى مُشاورات مكثّفة مع عدد من المسؤولين من دول مُختلفة، على هامش اجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتّحدة في نيويورك لضمان الحصول علي الدّعم اللازم لمصر، ووزّع كتيّبًا على عدد كبير من وزارء الخارجية، شرح فيه دور مصر في عملية حفظ الأمن والسّلم الدوليّين، الأمر الّذي يؤهّلُها لعضوية مجلس الأمن، خاصّة أنّها تمثّل نقطة التقاء للحضارات وثقافات العالم، ومفترق طُرُقِ مُواصلاته البحرية.


أين يكمن التعقيد في الحسابات؟


الثابت أنّ طريق مصر للحصول على العضوية الدائمة لن يكون مفروشا بالنوايا الطيّبة، وفق عبدالرؤوف الرّيدي، حيث يتطلّب اتصالات كثيرة ومباحثات حثيثة ومناقشات عديدة، فالقارّة الأفريقية كانت تطالب منذ فترة طويلة بمقعد دائم، وإذا تمكّنت مصـر من الحصول على موافقة أغـلب دول القارّة، فلـن يفصلها عن هـذا الهدف سـوى تصـويت الـدول الأعـضاء فـي مجلس الأمـن.

وفي هذا الإطار، طالب بضرورة أن تستوفي مصر المشاورات الرسمية المكثفة مع دول القارة الأفريقية، وأن تحرص على الخروج بموقف أفريقي موحّد، مشدّدا على أنّ دعم أفريقيا والبلدان العربية، يعدّ أهمّ نقاط القوة التي تستطيع أن ترتكز عليها مصر في معركتها الكبرى للحصول على مقعد دائم، والتي ستكون معركة دبلوماسية قويّة تحتاج إلى بذل جهد كبير وتواصل مستمرّ مع كلّ الأطراف، ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية.

وفي ما يتعلّق بموقف جنوب أفريقيا التي تنافس مصر على هذا المقعد، توقّع الرّيدي أن تجري مباحثات داخل المجموعة الأفريقية، عندما يتمّ طرح الموضوع بجديّة وأن تتنازل جوهانسبورغ، مشدّدا على أنّ فرص مصر قويّة جدا، في ظل عودتها إلى أحضان الاتحاد الأفريقي، ونشاطها القوي في الشّرق الأوسط، ودورها المؤثّر في مجال مكافحة الإرهاب.

الحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي، يعد عملية براقة تؤكد من خلالها مصر أنها مؤهلة للقيام بدور فاعل على الساحتين الإقليمية والدولية

من جهته قال طارق فهمى، الخبير بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، في تصريح لـ”العرب” إنّ ثمة تنسيقا مع المجموعة العربية في الجمعية العامة للأمم المتّحدة، لدعم مصر، لاسيما مع الأردن، العضو النشيط الذي يتحرّك بشكل كبير لدعم القاهرة، وبالفعل لن تكون هناك عقبات قويّة للحصول على المقعد لمدّة عامين، لكن المشكلة سوف تكون عندما يحين الحديث عن مقعد دائم، دون فيتو، حيث تتطلب هذه المعركة استعدادات كبيرة وتحالفات متينة، متوقّعا عـدم مـمانعة الولايات المتحدة وبريطانيا.

كما أوضح أنّ الحصول على هذا المقعد (غير الدائم) سيعُود بمصر إلى موقعها الرّيادي، ويعزّز مصداقيتها دوليا، ما سيؤدّي إلى العمل على وجود أفق لحلّ كثير من الأزمات العربيّة المعقّدة، شأن ليبيا وسوريا والعراق وفلسطين، وهي قضايا مرشّحة لأن تحظى باهتمام كبير من قبل مصر إذا ما تمكنت من ضمان عضوية دائمة.

بدورها شدّدت منى عمر، مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية السابقة، على أهمية التنسيق مع دول الاتّحاد الأفريقي، للحصول على أعلى تصويت بين أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، مشيرة إلى وجود فرصة كبيرة لذلك وإلى أنّ المكاسب سوف تكون كثيرة.

يذكر أنّ مصر تعدّ من الدّول المؤسّسة لنظام الأمم المتّحدة، وكان هناك اتجاه في البداية يقضي بأن يكون أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ممثّلا عن دول العالم الثالث، وكانت مصر حينها مرشّحة بقوة، لكنّ الدّول الأربع الأخرى اختارت أن تضمّ فرنسا.

لذلك فإنّ نجاح مصر في هذه المعركة، سوف يكون تتويجا لها للمرّة السادسة، حيث سبق أن حصلت على العضوية غير الدائمة خمس مرات سابقة.

معروف أن جميع القرارات في مجلس الأمن تصدر بأغلبية الثلثين، بشرط أن توافق الدول الخمس دائمة العضوية، ولا تستخدم حق النقض، ويمكن للدول غير دائمة العضوية أن تؤثر في اتجاه التصويت، فتمتنع عن التصويت، أو تعترض أو تؤيد، وهذه الدول لديها قدرة في التأثير على أغلبية الثلثين، وعليها مسؤولية أخلاقية لتمثيل مصالح الإقليم الذي تقع فيه، وتستطيع أن تحرم الدول الكبرى من أغلبية الثلثين، لكن إصدار أي قرار يتطلب موافقة الدول الخمس الكـبرى.

6