عطبٌ في الحضارة

الاثنين 2015/06/15

من بين المنطلقات الأكثر وضوحا وإلحاحا الاعتراف بأنّنا نحتاج إلى ما يسميه إدغار موران بالوعي المركب، نحتاج إلى وعي متعدد الأبعاد لا يبحث لأي حدث عن سبب بسيط ولا يلجأ إلى التفسير الخطي للأحداث، نحتاج إلى ذكاء يتخطى الوعي الخطي البسيط والقاصر عن فهم الظواهر التي تزداد غموضا، والعاجز عن تفسير الأحداث التي تزداد تعقيدا. إذ لعل الوعي الخطي أوقعنا في أخطاء معرفية جسيمة، دون احتساب الخطايا السياسية المؤلمة والمكلفة. في واقع الحال، وهذا ما يجب إدراكه وتداركه، لا يوجد على وجه الإطلاق أي حدث بسيط إلى درجة أنه يملك تفسيرا وحيدا وسببا محدّدا. وإذا أردنا أن نعيد القول بلغة أكثر بلاغة سنقول: لا يوجد سبب واحد للشيء الواحد. هذا ما ننساه ونتناساه حين نفتش في كل مرّة عن علة واحدة ومحددة لمظاهر العنف والتطرف والإرهاب التي تحيط بنا وتغمرنا، كأن نقول، الفقر هو السبب، أو أن نضع الوزر كله على كاهل الاستعمار، أو نلقي اللوم على مخابرات هذا البلد أو ذاك.

بالفعل، لا ننكر أن هناك في كل الأحوال لاعبين ومتدخلين ومستفيدين من كل الأزمات والمصائب والكوارث، وهذا طبيعي ومتوقع، لكن من الخطأ أن نختزل تفسير أي ظاهرة في مجرّد عامل واحد. وبمعنى واضح، يجب أن ندرك بأن أي ظاهرة كيفما كانت طبيعتها فإنها ليست سوى قشرة خارجية لترسبات متتالية راسخة وضاربة في الأعماق، وتمتدّ على مدى زمن طويل.

ولا بأس أن نستعين ببعض الأمثلة التوضيحية لفهم المقصود. في علم الأمراض ثمة مقاربة حديثة تروم تحليل البنيات الثاوية في ما وراء المرض، إذ هناك مستويات عميقة تتعلق بجهاز المناعة بالنسبة إلى الأمراض الفيروسية والجرثومية، ومستويات أعمق تتعلق بالقابلية الجينية لاكتساب هذا المرض أو ذاك بالنسبة إلى الأمراض المزمنة، وهناك مستويات أكثر عمقا قد تحيل إلى “اختلالات” موروثة عن البدايات الأولى لتطور النوع الإنساني، كما هو الحال بالنسبة إلى أمراض العمود الفقري. لذلك يستدعي الفهم الجيد للمرض الإحاطة بمعظم تلك الأبعاد الباطنية والعميقة. لكن ماذا عن المقاربات العلاجية؟

الأمر نفسه، مهما بدا المرض العضوي موضعيا أو بسيطا فإن التعامل العلاجي معه يقتضي مقاربة شمولية، لا تقتصر على الأدوية أو المضادات الحيوية أو الجراحة، وإنما تشمل النظام الغذائي والسلوك الحركي وعوامل المناخ وأجواء السكن وظروف العمل وساعات النوم ودرجة الحرارة إلخ، لاسيما بالنسبة إلى الأمراض المزمنة. بمعنى أن المقاربة العلاجية تأخذ بعين الاعتبار تغيير أسلوب الحياة برمته وفي معظم مناحيه.

كذلك الحال بالنسبة إلى المرض الذي قد يصيب الحضارة. فحين يستفحل المرض في جسم الحضارة ويوحي بأنه أمسى مرضا مزمنا يلازم المجتمع عقودا طويلة من الزمن، كما هو حال الإرهاب اليوم، فإنه يقتضي مقاربة شمولية تشمل تغيير نظام الحياة برمته. أي نعم، الفتنة داؤنا القديم، لكنها الداء الذي يستدعي تغيير نظام العيش ونمط التفكير ومدونة السلوك وأسلوب الحياة. وهذا هو المطلوب.

والآن، إذا كان الإصلاح يجب أن يشمل كل تفاصيل الحياة كما ندّعي، فما الداعي إلى التركيز على الإصلاح الديني كمدخل حاسم؟ أليس في هذا نوع من الاختزال؟

نظريا يبدو الأمر كأنه اختزال للإصلاح في بعد واحد هو البعد الديني، أو كما لو أننا نزعم بأن الدين هو أكثر شيء، ولعله الشيء الوحيد، الذي يحتاج إلى الإصلاح دون سواه أو قبل سواه، مما قد يبدو نوعا من تركيز الجهد النقدي على الدين دون سائر مناحي الحياة. أقول، هناك قضية بالغة الأهمية لا يجوز إنكارها، حضارتنا قامت على أساس الدين ولا يزال الدين محددا أساسا لرؤية الإنسان المسلم للوجود والطبيعة والمعرفة والأخلاق والزمان. لقد جعلت حضارتنا الدين مهيمنا على الحياة في كل تفاصيلها، بل إن المهيمن في آخر التحليل ليس الدين على وجه التحديد، وإنما نمط معين من الخطاب الديني، خطاب فقهي قدامي لا يزال يحمل موقفا سلبيا من الحياة، موقفا دونيا من المرأة، موقفا إقصائيا من الأقليات، وموقفا رافضا للحريات الفردية.

تغيير الخطاب الديني المهيمن، بمعنى تحديثه وأنسنته وتطويره من حيث المفاهيم والتصورات والقيم، يعدّ مدخلا حاسما نحو إصلاح الحضارة برمتها، والباقي تفاصيل.

كاتب مغربي

8