عطر فتاة في قطار يوقظ رغبة المسافر في القتل

الثلاثاء 2014/06/03
المكان عند المعتصم يصنع المعنى والرهان أيضا

المغرب - إن المسافة بين النصوص وبين الشرط المرجعيّ في أضمومة “سيمفونية النوارس” للقاص محمد معتصم الصادرة عن دار “الوطن للنشر”، تبدو مقلصة إلى أبعد الحدود، حتى لتبدو الكتابة تنويعا للمرجعيّ. إذ يتمّ تسريد الذات في علاقاتها المركّبة بالأشياء والمفاهيم والأشخاص والأفضية، اعتمادا على الذاكرة بوصفها مدونة خاصة يسترفد منها السارد كلّ ما بوسعه أن يشيّد -بواسطته- عوالمه النصيّة التي تكتنز، في النهاية، رهاناته ورؤاه.

يمكن القول إن العوالم التي تقترحها قصص “سيمفونية النوارس” مشدودة إلى عنصرين هما الذات والمكان، وتنفرز عن العلاقة بينهما علاقات نووية مستتبعة: العلاقة بالأشخاص، بالكتابة، والعمل.


سحرانية المكان


إن دلالة المكان في مجموعة “سيمفونية النوارس” لا تتحدد إلاّ من خلال علاقته بالذات التي، مهما تلوّنت الضمائر المحيلة عليها، إلا أنها تبقى، في النهاية، ذاتا واحدة بمواقف وتصوّرات مختلفة، فاختلاف ضمائر الحكي في المجموعة لا يقوم دليلا على تعدّد الذوات بقدر ما هو إشارة إلى انفتاح الذات الواحدة على ممكنات الوجود المُشرعة. والمكان ذاته المقترح في الأضمومة مكان مركزي لكنه ملهم ومحفز على السفر الواقعي والتخييلي.

ولعلّ عنوان الأضمومة يشير إليه علاميا بمفردة “النوارس” التي صارت معادلة لفضاء موكادور “الصويرة”، ولا شك أن القوة الترميزية لطائر النورس الممثلة في سمات الصفاء “اللون الأبيض” والخيال “التحليق الآمن والحر” هي التي حفزت محمد معتصم على اختيار المفردة بدلا من إمكانية أخرى متاحة ودالة، مثلا، هي “مدينة الرياح” أو أن تكون المفردة عارية ومباشرة مثل “موكادور أو الصويرة”.

لكنها إمكانات لم تكن لتعبر عن المقصود أو تقترب منه، بله أن تؤاخي مفردة شاعرية وموسيقية كسيمفونــــية، بما تضمنه الكلمة من تجوهر جمــــالي وإنساني، فلا نعجب إذن، أن نعرف أن جزءها الأول Sym يعني في الجذر اللغوي اليوناني “معا” أو “مجتمعين”، أي أن نكون معا بما تستلزم هذه المعية من تناغم وتماه. تناغم بين الذات والمكان، يقينا، الذي لا يتحول إلى رتابة؛ لأن السيمفونيـة نفسها تقــــوم على حركات يتناوب فيهـا البـطء والسرعة بما يقف ضدا على الهـدوء الآمن والقاتل في آن.

ها نحن نرى أن المكان يصنع المعنى والرهان أيضا، فموكادور لا تحضر باعتبارها فضاء مؤثثا للأحداث، أي مجرد تنويع يمكن الاستغناء عنه بفضاء آخر دون أن يضرّ ذلك بجوهر الحدث، بل يغدو، في هذا السياق، عنصرا عضويا حاسما تنفرز عنه مجمل علاقات الذات، ومنها الحب الهارب، ففي قصة “سيمفونية النوارس” التي نسبت إليها الأضمومة، نلفي أن المكان كان تعويضا رمزيا عن غياب المحبوبة، يقول السارد: “عندما غادرَتْه (هي) إلى غير رجعة. لفه حزن عميق إلى غير موعد، التزم بيته بالسقالة القديمة، فوق السطح قريبا من النوارس لعلها تزيل عنه الحزن والكآبة”.

المكان ذاته المقترح في الأضمومة مكان مركزي لكنه ملهم ومحفز على السفر الواقعي والتخييلي

هو موكادور يقينا الذي تصير أمكنته حضورا لغياب، ذاكرة تقاوم النسيان، وتعويضا عن المنفلت، لكنه، أيضا، يجسد استشرافا للأمل والفرح مهما كان مؤجلا أو حتى مستبعدا، يقول في نص “عتمة”: “كنت أحلم بفضاء تمتدّ أبعاده داخل القلوب يمارس أحلامه علانية في فضاء داخلي مكشوف مع بشر من نفس الكوكب الوجداني”.

وهنا ترشح الرغبة في جعل الفضاء مكمّلا للقلب ومندغما معه في الإحساس بالأشياء وتلمس دخيلتها، لكن الحلم يضيق أمام عنت الأفضية الصغيرة التي تمارس رقابتها وقسرها على الذات حتى تنكفئ، أي الذات، على نفسها ولا تمتد، وحده الخيال هو السبيل الأوحد للسفر بعيدا عن ضيق الفضاء (المقهى في القصة) يقول في النص نفسه: “وكنت أغمض عينيّ وأترك حاسة الشمّ تقودني إليها فحواسي لن تخطئ أبدا أريج عطرها الكوني”.

إنها الملهمة التي أبصرها السارد/ الذات من خلف زجاج المقهى وتعقبها قبل أن تختفي ولا يمسكها كما الحال دائما، هي جزء من سحرانية الفضاء وإلهامه المنفلت الدائم، وترميزا عن التحليق الحر تماما كما النوارس التي تسخر من الأقفاص، إذ مثلما لا نتخيل أن نرى نورسا في قفص يصعب أن نتخيل كاتبا محاصرا بسلطة الفضاء ومستسلما لضجره المقيت.


هوس الكتابة وهمومها


هناك الكثير من النصوص التي يضمّنها أصحابها موضوعات الكتابة، إما بالحديث عن عنتها أو آفاقها أو حتى تقنياتها عبر تقنية الميتا- سرد، لكن في سياق أضمومة “سيمفونية النوارس” تتبدّى الكتابة كما لو أنها جزء مما ينبغي أن يوثق، لأنها، أولا، عنصر أساسيّ في الذاكرة، ولأنها، ثانيا، الوسيلة الأهم للانعتاق من ربقة الفضاء وضيقه أحيانا، وبالتالي فإن الملهمة في نص “عتمة” السابق قد لا تكون سوى قصة منفلتة وهاربة من الحدّ النصيّ. والتفكير فيها وسبل القبض عليها وزجّها في نص مفتوح هو وكد الذات التي تستسعفها للتحليق خارج الدائرة المغلقة للفضاء وحبائل العمل وإكراهاته.

قصص تنتقل بخفة بين الذاكرة والواقع والخيال

ولعل قصة “اللجنة الأخرى” التي تحكي عن مدير اتصّل بخبر عن قيام لجنة نيابية بزيارة مدرستَه، فظل اليوم كله ينتظر تلك الزيارة الموعودة بترقب قبل أن يكتشف أن الأمر كان مقلبا، ليلوذ بلجنة أخرى هي رواية “اللجنة” لصنع الله إبراهيم كتعويض عن تعب اليوم، بل تعب الحياة كلها، واللجوء إلى القراءة في ظرف عصيب وضاغط مثل الذي مرّ به المدير، لن يكون إلا سخرية أنيقة أو تطلعا إلى صفاء لا يوجد إلا في التخييل، أو قد تكون القراءة تساميا على وهن الجسد كما في قصة “رؤى” حيث يقرأ بطل القصة المريض بالسرطان رواية “العار” لكوتسي، تقول الشخصية المحورية: “استمتعت بهذه الرواية الجميلة التي كانت تنتشلني من الألم والمرض”.

غير أن الأمر لا يكون طليعيا دائما، إذ الكتابة نفسها قد تكون مدعاة إلى الدخول في عاصفة من الهواجس المتعبة للروح والبدن، ففي قصة “انتظار” يسافر شاعر إلى العاصمة لكي يقدم ديوانه إلى اتحاد الكتاب لطبعه، لكنه يضطرّ إلى الانتظار طويلا ثم يستقبله الرئيس ويطلب منه كتابة طلب في الموضوع وبعض الإجراءات البيروقراطية قبل أن يتوصّل بعد ذلك بردّ جاف وسريع تخبره فيها السكرتيرة أن الاتحاد رفض طبع ديوانه، والقصة تضع اليد على مشاكل الاعتناء بالأصوات الكتابية الشابة وعدم تشجيعها بل وإحباطها.

إن الكتابة أيضا، استنادا إلى طبيعتها المضادة للتنميط يمكن تسوق الذوات السردية إلى أفعال جنونية كاملة، كما في قصة (geste de parfum) حيث يستثير عطر أخاذ بطل القصة لدرجة يرغب معها بشدة في خنق الفتاة الجميلة التي تجلس قبالته في مقصورة القطار، ويتخيل فعل ذلك حتى يحسّ بسحر العطر، على نحو يذكر بجون بابتيست غرونوي بطل فيلم “العطر: قصة قاتل” المجسد عن رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب الألماني باتريك زوسكيند،.

لحسن الحظ أن بطل قصة معتصم يستفيق من تخيلاته المجنونة بعد وصول الفتاة محطتها، على العكس من “غرونوي” الذي فعل ذلك حقيقة وفتك بعذروات كثيرات لصناعة العطر السحري. على الطرف الأقصى (الأقسى) من الجنون تحضر الكتابة كشكل توثيقي لأحداث واقعية كما هو شأن قصة (WC) التي تدمج خبرين صحفيين في حبكة واحدة، الخبر الأول هو سكن أسرة مغربية بكاملها في مرحاض مع استصدار وثيقة حكومية تثبت المرحاض عنوانا (لسكنها) والخبر الثاني إعلان مزاد لبيع مرحاض الكاتب “دي سالنجر” الذي وصل ثمنه إلى رقم فلكي هو مليون دولار، في مفارقة كافكاوية لكنها تخز بشدة.

هكذا تصبح الكتابة والمكان والذات بنيات نصية في عالم الأضمومة التخييلي، لكنه في النهاية تخييل تتقلص المسافة بينه وبين الواقع، أي الكائن، لأنه يستند على الذاكرة التي تمدّه بكثير من الأحداث الواقعية، لكنها أحداث مستقطعة من مدونة كبيرة، لذلك فالموثق في الأضمومة هو أهمّ ما يعني الكاتب الذي أمدّه إلى سارد حاذق ينتقل بخفة بين الذاكرة والواقع والخيال وقلوبنا.

15