عطفا على ما أثير عن المسلسل السعودي

ما يرشح أحيانا من بعض الإعلام السعودي، يظلم الموقف السياسي السعودي الرسمي الإيجابي في حقيقته، بحكم أن الفكرة دائما أن النظام السياسي هو الذي يقف وراء ما يُقال في إعلامه، وهنا فإن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا.
الأربعاء 2020/04/29
"مخرج 7" يثير جدلا واسعا

أشعل مسلسل “مخرج 7” المعروض على شاشة سعودية، سجالا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما اقتضى التعقيب على ما أُثير، دون انفعال. وباعتباري فلسطينيا مؤمنا بكل حرف من قضية شعبي؛ أجد من واجبي وضع بعض النقاط على الحروف المتصلة بموضوع الإنسان الفلسطيني وقضيته، بكل موضوعية واحترام لكل الأطراف، ودون الافتئات على أحد، وأيضا دون تحميل المسألة أكثر مما تحتمل.

فالعمل الدرامي أو الكوميدي، بطبيعته ليس عملا فرديا. لكن كاتب العمل خلف الحربي، هو الذي وضع الجمل على لسان الممثلين، ولكونه سعوديا، يتوجب التنويه إلى مجموعة من النقاط، كنا نأمل أن يتنبه إليها، وبعضها موصول بالسياسة.

أولى هذه النقاط أن المسلسل يُعرض في مرحلة التبست فيها الكثير من الأمور بسبب ظاهرة نشأت وقدمت نفسها عبر وسائل التواصل، قوامها أن يظهر بين الحين والآخر، شخص لم يعرفه أحد من قبل، فيكيل اتهامات لشعب بعينه، ويقدم صورا نمطية لهذا الشعب، سواء كان الفلسطيني أو غيره. وللأسف، تعرض الإنسان الفلسطيني للنصيب الأوفر من مثل هذه العروض، غامضة الخلفيات، لسبب يحتاج إلى دراسة نفسية متأنية، ترصد سلوك من أعيته الوسيلة للخروج من جلده. وأغلب الظن أن هناك جوانب مسكوت عنها في أسباب هذه الظاهرة، لكن ما نعرفه يقينا أن الاستهداف جاء في أقسى مراحل المظلومية التاريخية للشعب الفلسطيني!

لا بد أن يكون كاتب المسلسل على علم، بأن قصة العرفان بالجميل أو نكرانه، ظاهرة إنسانية لا تُناقش في معرض الحديث عن شعب بعينه. فالكاتب والمخرج وعائلة كل منهما، عرفت ناكرين وعارفين. وربما يكون قد غاب عن ذهن الكاتب، تقدير كل شعب لنوع الجميل الذي يعنيه في النص، فإن كان إعطاء إنسان فرصة عمل، فهي مقايضة شيء بشيء، كما يحدث مع أي إنسان من طائفة بوذا مثلا، وإن كانت المساعدات الحكومية جميلا، فإن مثل هذه المساعدات، تنالها بأضعاف مضاعفة أطراف لا تكنّ للعرب أي احترام، ثم لا علاقة لمثل هذه المساعدات، بالناس وآرائهم، ولم نسمع في حياتنا فلسطينيا ينكر وقفة المملكة العربية السعودية مع النضال الوطني الفلسطيني، فهذه من ثوابت التاريخ، فلماذا التمحك بالفلسطينيين دون سواهم؟

خارج موضوع المسلسل، ليت الكاتب خلف الحربي قد تنبه إلى أن معظم الذين ظهروا على وسائل التواصل، وتفوهوا بعبارات هجائية ضد الشعب الفلسطيني، وأشادوا بإسرائيل، ولم يستثنوا حتى المسجد الأقصى، كانوا سعوديي الهيئة، ولا نقطع بأنهم سعوديو المواطنة أو الثقافة. فالفلسطينيون يعرفون شعب المملكة ويقدرونه، وفي كل مرة يظهر واحد من هؤلاء سرعان ما يظهر في الصورة -كرجع الصدى- أفيخاي أدرعي، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي على المستوى العربي، ويتبدى وكأنه أصبح والمواطن السعودي يشكلان حلفا واحدا. إن هذه الحقيقة أوجبت الحذر، لاسيما وأن الظاهرة بدأت مع كلام آخر يقوله خصوم السعودية عن علاقة تحالف مع إسرائيل، ولكي لا يُفهم ما جاء في المسلسل باعتباره معطوفا على تلك الظاهرة وذلك الكلام.

وهناك نقطة لا ذنب فيها لكاتب العمل الكوميدي خلف الحربي ولا للمخرج أوس الشوفي. وهي أن الأوجب بالنسبة لمن يصنع مسلسلا يُعرض في رمضان، أن يُعاين البيئة النفسية السياسية للجمهور المتلقي، وأن ينظر في كل ما استجد من ظواهر على وسائل الاتصال، لأن هذا الفضاء هو أصلا فضاء المشتغل في الدراما. وبكل صراحة نقول إن الإعلام السعودي في هذه المرحلة، أحوج من الإعلام الإيراني إلى تبني قضايا الأمة، لأسباب كثيرة لا يجهلها مؤلف النص، وهذه الأسباب ذاتية وموضوعية بالنسبة للإعلام السعودي. فليس معقولا في وقت تعرض فيه قناة “الميادين” مناقبية الفلسطينيين في مسلسل “حارس القدس”، وأن تكون المادة في التلفزيون السعودي عن الفلسطيني ناكر الجميل أو العارف بالجميل، وكأن الفلسطيني هو خازوق القرن الحادي والعشرين الذي يريد المسلسل أن يحسم الموقف منه. ونقولها بكل صراحة، إن ما يرشح أحيانا من بعض الإعلام السعودي يظلم الموقف السياسي السعودي الرسمي الإيجابي في حقيقته، بحكم أن الفكرة دائما أن النظام السياسي هو الذي يقف وراء ما يُقال في إعلامه، وهنا فإن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا.

النقطة الثالثة، وهذه تحتاج إلى من يؤمن بصواب قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه “رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي”؛ لكي ننصح بأن الجملة السياسية القصيرة، في العمل الدرامي، تكون دائما عميقة وبليغة ومقتضبة مثلما تعودنا عليها في السينما، وكاتب السيناريو دائما يجب أن يوليها أهمية كبيرة. ولا تصلح الجملة السياسية لعمل كوميدي، لاسيما عندما يؤخذ الناس بالجملة في الهجاء، ويؤخذ مجموع الناس بالفرد عند المديح أو عند محاولة دمج الشعب بشخص أو نظام، أو تحويل النظام إلى معادل موضوعي للشعب. فإن انتقد الفلسطيني موقفا سياسيا، فلا علاقة لنقده بالشعب العربي في السعودية، ولا علاقة لرأيه بموقف فلسطيني آخر، يمتدح موقفا سياسيا للسعودية، وليس موقفه صدى لموقف مواطن سعودي ينتقد الحكم في بلاده، ولا هذا الأخير عندما ينتقد يصبح هو السعوديين جميعا، فهذه أمور بديهية.

أما بالنسبة للمفردات المتداولة والمتكررة في كل محاولة شخص فرد، التهجم على الشعب الفلسطيني؛ فهي بالطبع لا علاقة لها بالمنطق ولا بالتاريخ، ولا بثقافة العامة، والمؤسف فيها أحيانا أنها تشكك في الحقوق الفلسطينية وحتى في أهمية المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله في القرآن الكريم. ودون مكابرة أو ادعاء، إن مثل هذه التفوهات مثيرة للسخرية ولا تؤثر في ولاء الفلسطينيين لأمتهم العربية. فنحن دائما نحذر الشباب الفلسطيني، من ظاهرة التهجم التي يراد منها الفتنة. وقلنا إن هذه أفخاخ عبر وسائل التواصل، لجر ردود أفعال هوجاء ومستنكرة، تذهب بالشباب البسيط إلى التهجم على أي شعب شقيق، وهي لا تقتصر على الفلسطينيين وأي شعب آخر، بل تشمل شعوبا ومناطق وبلدان وعشائر.

يأسف المرء عندما يسمع مواطنا عربيا يشكك في مفردات القضية العربية المركزية، دون أن يزجره أحد، بينما مثلا، ستجد صحافيا نائب رئيس تحرير واحدة من أهم الصحف الإسرائيلية، أو أستاذا للتاريخ في جامعة تل أبيب، كالبروفيسور شلومو ساند، يزجر الطالب اليهودي عندما يشكك في الحق الفلسطيني وفي عدالة القضية الفلسطينية، بينما لا يجد المغرد العربي بنكران الحق من يزجره.

9